المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مصائب سبحة السياسي

الاربعاء 23 أكتوبر 2013

مصائب سبحة السياسي
 
من ثوابت، الدولة المدنية الحديثة الديمقراطية،أن لكل من السياسة والدين،مجالهما الخاص بهما، وآلياتهما اللصيقة بهما، المتغايرة بتغاير نوعية الحقلين.الدين رباني،السياسة بشرية.الدين خطاب مطلق، السياسة نتاج نسبي.الدين، شأن خاص،السياسة قضية عامة وعمومية.الدين منظومة عقائدية،السياسة سياق،… .  
قوام السياسة الجيدة : رؤية خطاب ثم ممارسة.يكمل أحدهما الأخريين. إذا وقع اختلال على مستوى أدنى روافد هاته المعادلة، حينذاك تلتجئ السياسة إلى أساليب، بل، حيل لاعلاقة لها بتاتا، بالمجال الطبيعي الأصيل والمفترض ثم الممكن لفعل بشري وضعي اسمه، الممارسة السياسية السليمة.هكذا، فسيميائية السبحة أو المسبحة، تتأتى من أفق ديماغوجي، لمّا تضيع السياسة لغتها الحقيقية. تحوير، لا نصادفه إلا في منطقتنا العربية بتفاصيلها الجنونية.
السبحة من التسبح، أي قول سبحان الله.رمز ديني،بكل المقاييس واللغات، بدأت عند السومريين قبل 5000سنة،ثم تداولتها كل الحضارات، وعرفتها مختلف الأمم والجماعات البشرية.وإذا كان مجالها الأساس،التهليل والذكر والتشهد،بحيث جسدت لدى المؤمنين والمتصوفة والتقاة والدراويش والورعين والنساك والزاهدين في ملذات الدنيا،حوارا لاينقطع بين المخلوق والخالق،من خلال عملية تمريرمستمر لتسعة وتسعين خرزة بعدد أسماء الله الحسنى. فقد، انحرفت هاته السبحة عن رمزيتها الروحية الشفافة والصادقة،كي تكتسي دلالاتها وظائف جديدة مفارقة تماما لما وضعت له أصلا.صارت تستعمل للزينة، أو عنوانا على أن حاملها واسع الثراء،يحظى بوجاهة اجتماعية،وأحيانا تندرج ضمن ملامح اكتمال الرجولة.غير،أن أكثرها زيفا وادعاء، وأخطرها فتكا بصفاء السريرة الآدمية، تعود إلى تلك السبحة التي تداعبها يد السياسي.الصورة تعني،رجل ولج الطليعة المجتمعية،من بوابة المشروعية السياسية، في ظل فضاء عام ينظم علاقة الأفراد وفق قواعد معلومة،لكنه ولأغراض سياسوية، نتيجة خلل بنيوي أصاب في مقتل المكونات الجوهرية للفعل السياسي،سرعان ما يروم بكل ثقله نحو مساحيق وإكسسوارات خارجية،تثقل الشكل للتمويه عن خواء المضمون.يحرك شفتيه ،مخاطبا المواطنين،لكن انتباههم سرعان ما يتشتت وينحو منحى زائغا،ناحية بؤرة عملية ميكانيكية تجريها أصابعه وهي تحرك حبات ذات حجم مناسب،من باب إعانته على الذكر،"مستحضرا" المرجعية الإيمانية.لذا،فالسبابة وفق هذا الاعتبار،شاهد من كل المداخل على أن صاحبها رجل تقي ورع،سالك خطى الصوفيين وقد ربط بين النظر والعمل،حيث الشكل مضمون،والمضون شكل،لا مجال بينهما لمساحات ملؤها الكذب والبهتان.
إذا احتاج ميثاق السياسي،إلى بيّنة واحدة تكفيه عن العالم قاطبة،اسمها العمل الجاد عبر الوفاء بالوعود الانتخابية دون لبس ولا التباس ثم المحاسبة،فلا شك أن الاحتماء بوقار السبحة،أثناء تصريف الفعل السياسي يعتبر تقويضا صميميا له.لماذا؟ لأن السبحة صلاة تأملية، ذاتية، فردية، باطنية،تقتضي انصهارا بين العقل والحواس والمشاعر والجوارح،نحو نور القلب ونعمة البصيرة،تلزم صاحبها بسكينة روحية خالصة لا شوائب فيها،تتسامى به كليا عن موبقات الدنيا وصغائرها.السبحة،طقس شعائري يتسم برخاوة وانسيابية العقل الإيماني،فضاؤها الأنسب حوار صامت، متخشع،بين الشخص ونفسه بعيدا عن متاهات السياسة،ثم بغير اقتحام للآخر.
بكل تأكيد،لن نعثر على مشهد سياسي ماسك بسبحة،إلا في عالم كالعالم العربي،حيث كل شيء جائز ومباح،في سبيل السلطة من الدين إلى التاريخ فالجغرافيا،والمقدس مقدس متى أفتى إيجابا في سرمدية الأوضاع على سلبيتها، ثم هو مدنس ينحاز إلى قبيلة الكافرين الخارجين عن الدين متى قال عكس ذلك.هكذا،لما تراجع زخم الحركات النهضوية الحاملة للواء المجتمع التقدمي،بسبب عوامل عدة،احتلت مكانها في المقابل،اتجاهات الريع النفطي البترودولاري المتخلف،التي رمت بالعالم العربي إلى ماوراء الشمس،وأدخلته جوف دوامة من التناقضات الفجائعية،فبدأ الاستثمار الانتهازي للدين بسبحة السياسي،لأنه الأقرب إلى الأفهام والمدارك،ثم الأيسر تأويلا والأكثر إقناعا بالنسبة للجماعة العربية.
غدت السبحة منظومة قائمة الذات،رهان يتوخى الإقناع،في خضم واقع سياسي مهترئ، غير مقنع تماما. إذن، فهذا السياسي/الشيخ، المفارق لعالم الناسوت، المتوحد بالسبحة حين السياسة،هي أيضا من :تصاحبه كظله أثناء جلسات المجون الفاحشة في مختلف حانات العالم،كي يحرق بجرة نزوة أموال عربية مهولة.ينقل، الودائع بسخاء حاتمي إلى بنوك الولايات المتحدة الأمريكية.يوقع، الاتفاقيات السرية مع إسرائيل،ويفرق الصف الفلسطيني. يحول،ماتبقى من التمدن العربي إلى قبائل همجية تتصارع عبثا حول بيولوجيا العرق والطائفة.يستنزف،الغنى العربي ماديا وفكريا. يكتب، التاريخ ثانية بالدجل والخديعة،ثم أصبحت الشعوب العربية عالة على العالم،لأنها مجرد جيوش من المتسولين والمشردين والجائعين والمحرومين،إلخ.
سياسي السبحة،رجل الهزيمة بامتياز والارتداد الحضاري بكل ما يطويه المفهوم من دلالة.يشحن سبحته مختلف الأجوبة،عن كل الاستفسارات التي تسائل صنيعه.إنها،حد فاصل بين ما يجب، وما لا يجب. بالتالي، تأخذ شريعة سيف مسلط على رقاب المترددين،لأن سياسة السبحة لا تخطئ قط،مادام منطلقها ومنتهاها، عطاء رباني قائم منذ الأزل،إلخ.
هكذا تضيع مصائر الشعوب هباء  وتتيه بين حبات سبحة، لا أقل ولا أكثر.  
 
سعيـد بوخليـط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيـد بوخليـط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل