مراكش ... 2 .مستنقع اللواط الفرنسي

السبت 9 فبراير 2013

مراكش ... 2 .مستنقع اللواط الفرنسي
 
الساعة الرابعة، بعد الظهر. خلف ساعة جامع الفنا. رائحة العرق، وجملة تخمينات. بالرغم من مكتبه المتواضع الذي يفتقد للنوافذ والتجهيزات الأساسية، فإن السيد مصطفى الراشيدي، صار وجها محليا مشهورا، منذ شكايته ضد مجهول التي وضعها في باريس بداية شهر يونيو،  باسم الجمعية المغربية لمحاربة اللواطيين "لاتلمس ولدي" "ماتقيش ولدي"، باعتباره محاميها، مباشرة بعد  التصريحات التي أدلى بها "لوك فيري". الراشيدي أيضا، مناضل في صفوف اليسار الجديد المغربي، كما تمثله حركة 20 فبراير، التعبير المغربي عن الربيع العربي،  والتي أخافت القصر كثيرا. يصرح الراشيدي : ((لقد شعرت بالإهانة، حين سماعي حديث لوك فيري عن الأطفال المغاربة. شعرت، كأنه أحيا ثانية الاستعمار، ونفخ الحياة مرة أخرى في الإذلال ! فرنسا التي تستحوذ على %60 من اقتصادنا، بوسعها إذن الحصول على ما تريد وبشروطها الخاصة !)).
إن الخطاب الإيديولوجي والصريح، لا يتوقف أثناء اجتماع للخلية، أو حين الصعود فوق منصة حزبية. لكننا في مكتب للمحاماة، والحديث عن المعطيات والوقائع ؟ بالتالي، مختلف تضمينات الضجة ؟
هكذا، تحدد لقاؤنا الثاني مع  الراشيدي. الأول، حدث ثلاثة أيام قبل ذلك، في مناخ حار بمقهى "فرانس" بساحة جامع الفنا. أخبرنا، بأنه يمتلك بفضل رسالة إليكترونية، بعثتها "جمعية فرنسية" على دلائل حاسمة ومعينة، ضد بارون فرنسي من اليسار. ثم أظهرت لنا، نجاة أنور، رئيسة جمعية "ماتقيش ولدي"، الرسالة المقصودة. تكشف "الجمعية الفرنسية" عن اشمئزاز  لليمين المتطرف، وبالضبط محترف "الدفاع عن المواطنين"، الذي يلقي على موقعه الإليكتروني، كل الشتائم المعتادة ضد حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، أسلوب نمطي عند "الجبهة الوطنية"، واستنساخ لإشارة، أوردها المدير العام السابق للمخابرات، مع تعزيزها  بسيل من الأقوال الفضفاضة، حول موضوعات عامة جدا، ضد مختلف  شخصيات اليسار وكذا الوسط. ها نحن، عمق الورطة.
أرسل، الملف بأكمله، إلى النائب العام للجمهورية بباريس، "جون كلود مارين"، مرفقة بشكاية وكذا رسالة إلى نيكولا ساركوزي ولوك فيري. في نفس الوقت، يضمن "الدفاع عن المواطنين"، للجمعية المغربية ـ التي لا تتوفر على درهم واحد ـ تحمله لكل  مصاريف العدالة :  شريطة انضمام  "ماتقيش ولدي"، إلى هذا المكتب الغريب...
لم يعلق الراشيدي، على الرسالة الزاحفة، ويفسر بعصبية : (إجمالا،  ليس لدي أي دليل بخصوص القضية الواردة في مذكرات بيرتران. لقد تفحصت  كل سجلات محكمة مراكش بين سنوات 1999 -2002، ولا شيء. بعد تدخل الحكومة المغربية غداة تصريحات لوك فيري، استدعى عبد الإله  المستاري الوكيل العام بمراكش كل المصالح، ثم، لا شيء أيضا. بحث عن الوسطاء المحتملين، لكن بدون نتيجة حتى اللحظة. نجاة أنور وباسم "ماتقيش ولدي"، وجهت نداء، إلى كل ضحايا هذه القضية، ولم تتلق أية استجابة)). إشارة ساخطة، بعدها تحول المحامي، صراحة وبغير مقدمات إلى مناضل شجاع، كأفضل دور له، جعله يحظى حقا، باحترام مواطنيه : ((تتجلى كل قضيتنا في الصراع ضد الاستغلال الجنسي لأطفالنا. إذا كان  %20 من الملفات تتعلق فعلا بأجانب، فإن %80 من الجرائم تعزى لمغاربة. يتمثل السبب الأول في الفقر. لقد صار مستقبلنا، بسبب مافيات المخزن، عماء مطلقا !لكنها تعيش لحظة مفصلية : هذه المافيات تواجه حركة 20 فبراير، مثلما تقف ضد الشكاية المقيدة باسم مجهول، التي وضعناها عقب تصريحات لوك فيري )).
كم غريب، مسار ضجة. غموضها، بمثابة سلاح. إنها تستهوي  شخصيات وأوضاع وشدائد وطموحات متداخلة، بحيث لم يكن بوسع أي شيء قبلها تجميعها. ما أثاره لوك فيري في مراكش، بعد عجز الفيلسوف المتسرع عن ضبط انفعالاته، تجمع بين الاضطرابات الاجتماعية داخل مغرب يعيش غليانا. ثم، منظومة أحقاد بل تعصبات تسود  فرنسا، وقد صارت غارقة في وقائع ترسم بفظاعة أفقها السياسي.
بخصوص المشهد السياسي المغربي، تمثل الإشاعة، حافزا إيجابيا سواء بالنسبة لفاعلين مخلصين للتغيير الديمقراطي، مثل جمعيات حقوق الإنسان، كجمعية "ماتقيش ولدي"، والسيد الراشيدي الذي يعبر بصراحة عن علمانيته، وسواء أنصار حزب  العدالة والتنمية، الممثل في البرلمان : ((إن شاء الله سيتوقف البغاء ! لا نستغل أطفالنا، لا نبيع أطفالنا !)). هكذا، يصرح أحمد مصدق، الكاتب الإقليمي للحزب الديني، في مقر الحزب بحي باب دكالة، نقطة التقاء تظاهرات المعارضين، ثم  يستطرد : ((يجب على الحكومة المغربية، أن تبادر للقيام بشيء ما. ولاشك أن الفرنسيين، سينتابهم الخوف، بسبب احتمال ضياع حياتهم الجميلة في مراكش)).  ولا يمكن أن يستمر الوضع لفترة طويلة دون معرفة  مغربلة وتمكّنٍ دقيق من أسرار الآلهة ولعبها.
كل ما يدور، يقطّر  من قبل أجهزة الاستخبارات. التي لم تعد كما السابق منذ  رحيل الحسن الثاني، وكذا روحه الوفية، المرعب إدريس البصري، يحكي أحد الشهود : ((فيما مضى، توفر إدريس البصري على ملفات، بخصوص كل الساسة الفرنسيين الذين يعبرون المغرب، هل تتخيل للحظة، أنه سيسمح بتداول أخبار حول قضايا أخلاقية، إذا كانت تسيء للمملكة. مع العلم، أن البصري أحب هذا النوع من الأشياء)). كي يخفي بشكل أفضل، انحرافات محتملة، أو يوظفها عند الاقتضاء من أجل ممارسة ضغوطات على فرنسا، بتوظيف أسرار مضجعها؟ شيء من الاثنين. لكن إدريس البصري، اختفى وكان محمد السادس في كل الأحوال على أهبة، كي يبعد وجها كهذا، ما إن تولى مقاليد الحكم سنة 1999، ثم تغير المغرب قليلا.
القضية التي تغطّ في مستنقع مراكش، تعود وقائعها إلى أواخر سنة 2001. لنجتاز ثانية البحر الأبيض المتوسط : حتى القاعدة الفرنسية للصمت، سيتعذر شرحها. إننا في خضم التعايش : جاك شيراك في الإليزي وليونيل جوسبان في ماتينيون ، على بعد شهور، من الانتخابات الرئاسية لسنة 2002. كيف لا يمكننا، تصور بأن اليمين استغل، معلومة كهذه، من أجل زعزعة بارون اليسار ؟  ديبلوماسيون فرنسيون، شغلوا مراكز خلال تلك الحقبة، استمع إليهم مؤخرا القضاء الفرنسي. وقد استطعنا في مجلة "ماريان" التحدث إلى القنصل العام الفرنسي في مراكش، بين سنة 2001-2002. فأكد لنا، بأنه لم يتم الاتصال به قط : ((إجمالا، لم أتبين أي صدى، بخصوص قضية كهذه في مراكش، خلال تلك الفترة)). مقابل هذا الموقف، استمع المحققون  إلى السفير الفرنسي "ميشيل دوبو نيكورس" أثناء نفس الحقبة، يقول  : ((لقد وضحت لهم، أنه بالرغم من العتمة التي تميز النظام المغربي، فلا شك فضيحة كهاته، ستمتد إلي، لكني لم أسمع شيئا...))، ثم يستنتج الدبلوماسي : ((حاليا، لا يملك المحققون الفرنسيون، أي دليل)). المثير للاضطراب أكثر، أن المحامي  الآخر لجمعية "ماتقيش ولدي"، الفرنسي "جان شوفي"،  أوضح لنا، بأن شبه معلومات تتناوب هنا وهناك، على صفحات الصحافة، تستند فقط على مجرد تلقيها مكالمة مجهولة، يصعب التحقق منها.
أما فيما يتعلق بمعطيات البوليس المغربي، نقف حقيقة على قضايا اللواطة في الأرشيفات، منسوبة إلى فرنسيين. لكننا، لا نعثر على أي وزير بين طياتها. سنة 2006، حُكم على مدير المسرح الباريسي، بستة أشهر سجنا، موقوفة التنفيذ: استحال فعله إلى جرم شذوذ جنسي، فعشيقه الشاب، كان على شهور معدودة من بلوغه سن الرشد القانوني داخل المملكة. قبله، اعتُقل سنة 2005، فرنسي، يعمل وسيطا عقاريا بعد أن وجهت إليه تهمة تنظيم ليالي، لعشاق الأجساد الفتية جدا. وبدافع الحاجة إلى المال، عمل على جلب قاصرين إلى شخصيات. هكذا، وضعه رجال الشرطة تحت المراقبة، فاكتشفوا بأنه على صلة بأغلب مالكي المنشآت الفندقية المراكشية. حينما باغثه البوليس، وجد لديه صورا بورنوغرافية، كما وضع أياديه على شبكة واسعة من الشواذ. إذن، كل الظنون، اتجهت بشكل جدي نحو إخضاعه للمحاكمة، فالتهمة ثقيلة. بيد أنه، سيحظى بعفو ملكي ، في غضون سنة من اعتقاله.
سعيد بوخليط / ترجمة


معرض صور