مراكش: وكل الناس لهم إليها محبة واشتياق

حرر بتاريخ 09/06/2016
د. محمد آيت لعميم


 

 

قبيل توديع عام 2015 ببضعة أيام، خلدت مراكش الذكرى الثلاثين لإعلانهاتراثا عالميا من قبل اليونسكو، واتخذت هذه الذكرى شعارا لها "مراكش، وكل الناس لهم إليها محبة واشتياق"، أستقي هذا الشعار من كتاب "البيان المغرب على ما عليه الآن حال المغرب" لأديب مراكش الوزير محمد بن الطيب بن اليماني بوعشرين (ق19)، للتدليل على أن المدينة يتشوف إليها العالم منذ القديم. وبما أن المدينة الخالدة تتمتع بسحر خاص، فقد حظيت بإعلانين، كان الأول عام 1985 والثاني عام 2001. الأول إعلان مراكش تراثا عالميا، والثاني إعلان ساحة جامع الفنا تراثا شفويا لا ماديا للإنسانية. 

لم تكن فكرة تخليد الذكرى الثلاثين وليدة اليوم، بل تم لها التوطيئ لمدة سنوات، ويعود الفضل في ذلك إلى العمل الدؤوب، وإلى الرؤى المستقبلية، التي يتمتع بها واحد من رجالات المدينة، الذي أوقف حياته على خدمة تراث المدينة والتنبيه إلى ما لتاريخها وإرثها الحضاري من معاني وأبعاد ذات أهمية في التصدي للنزعات العدمية الهدمية والتبخيسية للإرث الحضاري المسترسل عبر العصور والأزمان. 

والحق أقول، إن تولد فكرة تخليد هذه الذكرى صدرت عن جمعية منية مراكش في شخص رئيسها جعفر الكنسوسي، لتتلقفها مجموعة من الأشخاص من الجمعية ومن خارجها، مشكلة نواة هذا المطلب، وقد تشكلت هذه المجموعة من كل من كاتب هذه السطور، وجعفر الكنسوسي والمهندس المعماري المرموق محمد بن شقرون، والشاعرة ثريا إقبال وزوجها مراد البدوي، والطبيب جمال الدين الأحمدي، والطبيب شكيب بن فضيل والأستاذ الجامعي عبد الغني زريكم. وقد رحب بالفكرة في بدايتها وزير الثقافة قبل الصيف الماضي، وقبل الحملة الانتخابية وما تلاها من تباطؤ للسير العادي للمشروع.  

بعد أن تم وضع برنامج تمهيدي لهذه الذكرى، اتصلنا بعمدة المدينة السيد محمد العربي بلقايد الذي أبدى حماسا وتفاعلا إيجابيا منذ الوهلة الأولى، وأشاد بالمبادرة وبالتذكير بهذه المناسبة التي تم نسيانها حتى مضت ثلاثون سنة. ومنذ ذلك اللقاء ستتوسع دائرة المسهمين في هذه الاحتفالية (المجلس الجماعي للمدينة، ولاية مراكش، جهة مراكش آسفي، وزارة الثقافة، ووزارة الأوقاف). مرت مرحلة التنظيم من أشواط مراطونية، حتى استوت الذكرى، يوم الجمعة 18 دجنبر 2015، وكان يوما مشهودا، إنه يوم الافتتاح إخترنا له معلمة تاريخية في قلب مراكش، وهي مدرسة ابن يوسف، التي حج إليها جمهور غفير ملأها عن آخرها. وقد ورد في كلمة اللجنة المنظمة على لسان جعفر الكنسوسي أنه "تم اختيار مدرسة بن يوسف على اعتبارها قلب مراكش التاريخي، وقد لقب هذا الحي قديما بقريش مراكش لقيامه على العلم والتجارة والجامعة والسوق وأهل الصنائع والمتفننين، هذا القلب الذي هجره أهل مراكش ونخبها منذ عقود" مسائلا الحضور من مسؤولين وسلطات محلية وعمداء المدن ونخب من بينها من لم تطأ قدمه ولو مرة واحدة هذه المعلمة،؟ هل وفينا بوثائق العهود وهل قمنا بما ينبغي لكي نحفظ للمدينة تراثها بعدما وقف بعضنا أوجلنا لا مبالين أمام هزائم حضارية متتالية نجملها في أننا: 

لم نهتد لحفظ الخطارات المائية فانحبس معينها الرقراق. 
ضاع الكثير من غابات مراكش، غابات النخيل. 
سفهنا جنان المنارة، وتم التطاول على صهريجه الأثري. 
وقفنا ننظر لاكتساح سرطان الاسمنت الذي التهم البناء العتيق في دواخل المدينة، وفي زمن قريب آت لن يبقى لدينا ما نحافظ عليه لا أمام المغاربة ولا الأجانب ولا منظمة اليونسكو.  

تحدث في يوم الافتتاح كل من عمدة مدينة مراكش السيد محمد العربي بلقايدووزير الثقافة السيد محمد أمين الصبيحي، والناطق الرسمي باسم الحكومة السيد مصطفى الخلفي، والوزير محمد الوفا، وممثل الإسيسكو، وقرأت ثريا إقبال كلمة وزير الأوقاف السيد أحمد التوفيق، وبحضور السيد رئيس جهة مراكش آسفي أحمد خشيشن. ولقد أجمع المتدخلون على أن التفكير في تخليد هذه الذكرى وفي قلب المدينة يدل دلالة واضحة على الوعي العميق لدى المنظمين بالأهمية البالغة التي أصبح يتمتع بها الاعتناء بالتراث العمراني والحضاري في تقوية الإحساس بالانتماء والهوية الحضارية والثقافية وفي الرقي بالذوق واستشعار الجمال. لم يتخلف الفنان المتألق مولاي عبد العزيز الطاهري عن موعده، فقد أتحف الجمهور بكلامه المرصع، وكان وفيا لتألقه ورقة طبعه، تحدث عن مراكش بين جد وهزل وسقى الجمع بماء أدب مراكش ورحيقها العطري. 

عرفت الأيام الثلاثة لهذه الذكرى، أنشطة مكثفة، ومسترسلة، حيث تم التئام عمداء المدن المصنفة تراثا عالميا، وتطارحوا في قبة المدرسة فيما بينهم مجموعة من القضايا تهم مستقبل التنسيق بين هذه المدن، وقد أسفر النقاش المثمر على إنشاء تنسيقية وميثاق تواصلي وتعاوني، وتوقيع اتفاقية المدن. على أن مسألة التراث العمراني والثقافي ليست قضية يضطلع بها أفراد بل هي قضية وطنية ينبغي أن ينخرط فيها المجتمع بكل أطيافه وتلويناته. 

عرف اليوم الثاني (السبت) من هذه الذكرى، مجموعة من الورشات والأنشطة والندوات، حيث تمت زيارة معرض أعمال الترميمات التراثية بمراكش، الذي أشرفت على تهييئه وترتيبه الأستاذة أمل الملاخ ببهو قصر البلدية. وقد ضم المعرض مجموعة من الصور تعكس التدخلات في ترميم التراث العمراني (المجلس الجماعي، وزارة الأوقاف، وزارة الثقافة، والخواص مثل دار الشريفة التي رممها عبد اللطيف آيت بنعبد الله، ودويرية المواسين التي رممها Patrik manakh، ودار المصلوحيين بالقصور التي رممها عبد السلام الداموسي). 

في الندوة المقامة ألقى المهندس المعماري الدكتور محمد بنشقرون كلمة لجنة الخبراء، لتتوالى المداخلات، لكل من عبد العزيز التوري الرئيس السابق لمجلس التراث العالمي لمنظمة اليونسكو ، فتحدث عن تمهيد حول الحفاظ على التراث، وتلاه السيد كزافيي سالمون (المحافظ العام للتراث بمتحف اللوفر) والذي تحدث بعمق حول جمالية التراث المراكشي، وضرورة الحفاظ عليه وترميمه وفق المعايير الدولية، ثم تحدث الأستاذ عبد اللطيف النحلي الكاتب العام لوزارة التعمير وإعداد التراب الوطني حول رهانات المحافظة على تراث مدينة مراكش، والأستاذ عزوز بومجيد عن المديرية الجهوية للثقافة ومفتشية المآثر التاريخية بمراكش حول "حصيلة تدخلات وزارة الثقافة في مجال المحافظة على التراث بمراكش"، أما مداخلة المهندس توفيق البهجاوي عن وزارة الأوقاف فقد انصبت حول أعمال ترميم المعالم الدينية بمراكش (مساجد تاريخية، إنشاء متحف بمدرسة ابن صالح التي تعود إلى الزمن المريني). وكانت مداخلة المهندس المعماري رشيد الهدى ذات طابع نقدي، حيث ركز على التأملات النقدية حول المحافظة على التراث. 

في المساء كان موعد الجمهور مع لقاء حول ساحة جامع الفنا والتراث الشفوي بمراكش الذي دارت فصوله في المعلمة العمرانية بقلب الساحة (بنك المغرب سابقا) فهذه المعلمة في اعتقادي هي المكان الملائم لإنشاء متحف للساحة وللتراث الشفوي بمراكش، وإذا تحقق هذا الأمر المهم، فإن الساحة سيعود إليها توهجها الذي عرفته في العهود السابقة. لقد كانت مفاجأة هذا اللقاء هي الحضور القوي للكاتب الإسباني الكبير خوان غويتسولو الذي تحدث بطريقته المعهودة حول ذكرياته مع الساحة وروادها، وقد طلب مقدم هذا اللقاء الطيب جمال الدين الأحمدي من الجمهور الغفير أن يحيوا الكاتب الكبير فجاءته عاصفة من تصفيق، حكى خوان مجموعة من النوادر استقاها من الساحة معتبرا الحلايقي "المعروف بالصاروخ" أحد معلميه في هذه الساحة العجيبة، وتحدث عن ذكرياته حول إعلان الساحة تراثا شفويا من قبل اليونسكو عام 2001 وعن الدور الكبير الذي اضطلع به بمعية ثلة من مثقفي المدينة ليتحقق هذا المطلب (رشيد الهدى، حميد التريكي، الكنسوسي...)، وقد صاحب هذا اللقاء حصة للاستماع إلى رائدين من رواد الحلقة بالساحة، وهما عبد الرحيم الأزلية ومحمد باريز، حضر الحلقة جمهور غفير كان بينهم خوان غويتسولو، حيث حكوا مجموعة من الحكايات من ألف ليلة وليلة حول هارون الرشيد وبعض الحكايات المضحكة من صميم التراث الشفوي. في هذا اللقاء ذكر الأستاذ عبد الرحمان الملحوني وثيقة من خط الملك الراحل الحسن الثاني لما أطلق مشروع جامع الفنا تراثا شفويا، أن "هذا المشروع مهم وينبغي الاعتماد في إنجازه بالدارجة وتاشلحيت وان يتم الاستناد فيه إلى العرفاء وأهل مراكش ويحسن بالجامعيين أن يبقوا بمنأى عنه لأن الغاية هي التراث الشفوي والثقافة الشعبية". للأسف لم يحصل هذا المطلب ولربما أن انتكاسة المشروع إلى اليوم وبقائه حبرا على ورق ينبغي أن نهتدي فيه بهذه الرغبة. 

عرف اليوم الأخير (الأحد) أنشطة وورشات متنوعة، كانت أولاها بحي الملاح الذي بناه الملوك السعديون، وكان شعار هذا اللقاء هو "صيانة العمران وذاكرة التعايش" تحدث فيه كل من ممثل الديانة الإسلامية السيدة نجية الزهراوي، عن المجلس العلمي بمراكش، وممثل الجالية المسيحية جوزي كارصيا، وممثل الطائفة اليهودية بمراكش جاكي كادوش، وسيرت اللقاء الشاعرة ثريا إقبال، كان لقاء تم فيه التذكير بأن مراكش كانت مهد التعايش بين الديانات والاندماج بين الثقافات ومازالت. وقد أشاد كادوش بأن المغرب قوة روحية كبرى وكماله اليوم يتجلى للعيان ولكافة الناس في اعتداله. 

أعقب هذا اللقاء، لقاء آخر بساحة مسجد الكتبية، تحت شعار "ميراث الكتبيين". كان اللقاء تحت إشراف محمد آيت لعميم، وقد تحدث فيه كل من الكنسوسي عن الموقع الأثري الذي توجد فيه الكتبية وعن أقدم قصر كان هناك وهو قصر "الحجر" والسيد محمد الكنيديري عن الدور الذي قامت به جمعيته في ترميم الكتبية وتحدث السيد الوالي أحمد مفكر عن ضرورة الاعتناء بالمدينة من الناحية المعمارية ومحاربة الهشاشة، فجاء دوري لأتحدث عن ضرورة وضع معالم تبرز تاريخ المدينة للزائرين حيث يلاحظ أن مدينة مراكش تكاد تخلو من أي معلم يميز الآثار ويعطي معلومات حوله. ثم ذكرت الحضور بأن الساحة الكبيرة قبالة المسجد كانت فيما مضى مليئة بحوانيت لصناعة الكتب ونسخها وتسفيرها وتذهيبها، ونبهت إلى ضرورة إحياء هذه الصناعة أو على الأقل وضع مجسمات تشير إلى هذا الماضي العريق. لقد كان هذا اللقاء عبارة عن ورشة لفائدة طلبة المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بمراكش وجامعة القاضي عياض وأكاديمية مراكش للتربية والتكوين حول كتب حاملة للتراث، ومسابقة في الرسم للمعالم العمرانية لفائدة بعض التلاميذ (هذه المسابقة أشرفت عليها الأستاذة حليمة بوصديق. 

لقد أشرفتُ على ورشة الكتب الحاملة للتراث واشتغلت مع طلبة مدرسة الهندسة لتحسيسهم بضرورة انفتاحهم على التراث بكل غناه (العمراني والحضاري والثقافي) وقد تم التركيز على المهندسين لأنهم صناع المدن في المستقبل، وقد اخترت لهم مجموعة من المقاطع ذات دلالة فيما نحن فيه، من خلال كتب لكل من مؤرخ مراكش عباس بن ابراهيم التعارجي صاحب كتاب "الإعلام"، ولسان الدين بن الخطيب (نفاضة الجراب) والحسن اليوسي (المحاضرات) ومحمد بن الطيب اليماني بوعشرين (البيان المغرب) ودوفردان (تاريخ مراكش) وخوان غويتسولو (مقبرة) كونتان فيلبو (المهندس البلجيكي) وعبد الله كنوني (النبوغ)، الكاتب عبد الله أكنسوس وحديثه عن إحداث خزانة المواسين. لقد تفوق هؤلاء الطلبة النجباء في تلاوة هذه المقاطع ونال ذلك إعجاب الحضور. وبعد أن تلت إحدى الطالبات بالقاضي عياض طلب إعلان إنشاء خزانة تراثية بمراكش، هب أحد الحضور وأعلن أمام الملأ تبرعه بقطعة أرضية لبناء هذه الخزانة وقد حبذ الحضور هذه الهِبَة. 

انتهت الذكرى على إيقاع الحديث عن خزانة السلطان زيدان التي سرقت في عرض البحر لتكون إحدى الخزانات الهامة في اسبانيا (مكتبة الاسكريال) وقد تكفل بالحديث عن هذه الكارثة السيد محافظ الخزانة الملكية أحمد شوقي بينبين، ثم تحدث الأستاذ محمد موهوب عن قضية السكينة في المعمار الأ صيل.

وختم الحفل بتكريم مجموعة من الشخصيات، منها مؤرخ مراكش عباس بن ابراهيم التعارجي تحدث عنه أحمد متفكر، والمهندس المعماري المرحوم عبد الغني بنيس الذي كان قد مهد لإعلان 1985 قدمه محمد بن شقرون، والفنان المراكشي الأصيل لمعلم لشهب قدمه المنصوري والدكتور عبد السلام الداموسي الذي رمم وصان إحدى بيوتات الزمن السعدي قدمه عبد العالي العمراني. 

إن الغاية من رفع هذه الراية ليس الاحتفال، بل العمل والإنجاز والاستمرارية، فهناك مطالب ملحة، وهي التنسيق بين العمداء، وإحداث الخزانة التراثية، وإنشاء أيام التراث في مراكش التي يعقد عليها الآمال لإيقاظ الهمم، وأخيرا مأسسة عمل هذا الجمع من الخبراء. 

ولنتساءل في ختام هذا المقال، بعدما هب الجمع الغفير من أفراد الحكومة والمنتخبين والسلطات المحلية والخبراء والشعب والتأم جمعهم بهذه المعلمة الباهرة بجمالها وانتشوا، فهل من وراء هذا الأمر من عمل وإنجاز. فهل هذا الأمر تحته عمل كما كان يردد على مسامعنا نائب عمدة مراكش.     

6

 





من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية