مراكش ...واللقاء بالكاتب غويتصولو

حرر بتاريخ 06/11/2012
محمد الحضرمي / عُمان


مراكش ...واللقاء بالكاتب غويتصولو
... في تلك اللحظة كنت أبحث عن خوان غويتيسولو، فأنا منذ أن وصلت المغرب، مع صحفيين عمانيين، موفدين من قبل وزارة الإعلام، للإطلاع على المشهد الإعلامي والثقافي بالمغرب، والتقينا ببعض المثقفين المغاربة، وجدتني دائم السؤال عن أشخاص بعينهم: د. طه عبدالرحمن، ود. عبدالله العروي، ومحمد بنيس، وخوان غويتيسلو، لكن الظروف الصحية والمشاغل اليومية لم تسمح للقاء ببعضهم، ومع أني حاولت مقابلة د. طه عبدالرحمن، إلا أني لم أتمكن من تحقيق ذلك، بسبب ظروفه الصحية، وعمره المتقدم الذي لا يسمح له بالخروج من البيت، إلا أني ظفرت منه بنسخة خاصة لي، أهدانيها المفكر من كتابه الموسوم بـ"سؤال العمل .. بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم"، صدر عن المركز الثقافي العربي هذا العام، أما الأستاذ بنيس فقد زرته في مكتبه بكلية الآداب بجامعة الملك محمد الخامس، ورحَّب بي كثيرا، وتطارحنا معا حديث الذكريات عن زيارته اليتيمة لمسقط، وسبق أن التقيته، وأجريت معه حوارا حول تجربته الشعرية، وبقي خوان غويتيسولو، هذا الطائر الإسباني المهاجر، الذي لا أعرف أين سألتقيه وكيف، فلقد عرفته كاتبا إسبانيا مستعربا، منذ ما يزيد على عشرين عاما، من خلال ما كتبه عنه ويحدثني به الكاتب والشاعر العماني محمد الحارثي، والذي التقى به في مراكش، وحدثت بينهما جلسات ولقاءات وزيارات، منذ ذلك الحين عرفت غويتيسولو، ولكن كيف السبيل إلى لقائه، وهو يعيش متنقلا بين إسبانيا ومراكش؟، ولأن الأقدار تمهِّد للإنسان سبل اللقاء، فقد جاءت فرصة زيارة مراكش، وها أنا في ساحة جامع الفنا، التي سمعت عنها هي الأخرى كثيرا، ساحة تعج ببائعي المشغولات المعدنية، والفواكه والطعام المغربي، وبروائح الطواجن، ورائحة اللحم المشوي التي تملأ الجنبات، وبالحُواة ومرقِّصي الأفاعي، الذين يتحلقون في فترات الصباح بالساحة، وبالموسيقيين الذي يحلون مكانهم في المساء، وفي أحد أطرافها غرست المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم ختما حجريا كتبت فيه: «أعلنت منظمة اليونسكو الفضاء الثقافي لساحة جامع الفنا تحفة من التراث الشفوي واللامادي للإنسانية، وتقع ساحة جامع الفنا في قلب المدينة العتيقة، ويعد ملتقى ثقافيا وفنيا يجتمع فيه فضلا عن سكان المدينة الحاضرة الرواة البهلوانيون، والموسيقيون، والراقصون ومروضو الأفاعي، والعرافون.. الخ»..
وفي غمرة البحث عن غويتيسولو، وجدتني استريح في المقهى الفرنسي المطل على الساحة، وبعد أن طلبت شاي الأتاي، والذي شربته كثيرا في مقاهي شارع فال ولد عمير بالرباط، سألت النادل: هل تعرف خوان غويتيسولو؟، فأجاب، نعم، أعرفه، وهنا كان بالأمس، فطلبت منه أن يأخذني إليه، فقال: سيأتي الليلة، ستجده هنا بين الساعة الثامنة والتاسعة، ويمكنك أن تجلس معه، فلم أصدِّق خبرا، وجئت في الموعد المحدد، وكما قال النادل، فقد حضر المقهى، وأخذ مكانه، ورحت في الآن واللحظة أستقبله وأحييه وأسلِّم عليه، عرَّفته بنفسي، بأني صديق حميم لمحمد الحارثي، وأني نشرت له كثيرا من أخباره الأدبية في عُمان، آخرها كان خبر التكريم الذي أقامه له الأدباء المغاربة في مراكش مطلع هذا العام، ففرح «خوان» بهذا العصف الذي نثرته عليَّ، وأجلسني بجانبه، وطلب لي ولجميع أصدقائه القهوة والشاي الأخضر، ففضلت القهوة على الشاي، وأخذنا نتبادل الأحاديث عن ذكرياته، وما علق في ذهنه من صداقات وأصدقاء، وحدثني بحب عن محمد الحارثي وبعض الأدباء العمانيين الذين تعرفوا عليه خلال فترة إقامتهم بالمغرب، وأكثر من مرة قال لي عن الحارثي: هو من أعز أصدقائي، لكني افتقده زيارته لمراكش، إذ لم ألتقيه منذ أكثر من خمسة عشر عاما، أين هو الآن؟.
طلبت من خوان - حيث يحب من الجميع أن ينادوه باسمه مجردا من أي لقب - أن أغتنم فرصة لقائي به، وأجري معه حوارا، سيكون إضافة لي في حياتي الصحفية، وفي الآن ذاته أخذ أحد رفقاءه، يلتقط لنا صورا ضوئية بالكاميرا التي أحملها، فاندلق أحد فناجين الشاي على سترة قميص الكاتب، وانكب معه كأس ماء آخر على سرواله، وأخذنا نمسح الماء وما علق في سترته من بقايا شاي، ومع الضيق الذي تسببه حوادث صغيرة كهذه في النفس، إلا أنه استقبل الحادثة ببرود أعصاب، فقد كان الشاي والماء باردان، قال غويتيسولو: فنجان الشاي هذا سيكون ذكرى لقاءنا في مراكش، وفي أثناء حديثه أخذ يمرر لي معلومات طفيفة عنه، ورحت أسأله ويجيب، وبعد مجالسة استمرت أكثر من ساعة، خرجت منه بمادة تصلح لحوار مكتمل، قلت له: أستأذنك أن أنشر كل ما ذكرت في هذه الجلسة، قال غويتيسولو: لك ذلك، اكتب عن لقائك بي في هذا المقهى، أفضله أن يكون حوارا عفويا، كما التقيتني الآن.
خرجت من لقائي به بمعلومات كثيرة، وعلمت أنه يفضل الكتابة بخط اليد، وأن لديه أكثر من أربعين كتابا، جُلها مترجم إلى لغات عالمية، وأنه يتحدث الإسبانية، والفرنسية والإنجليزية والدارجة المراكشية، وأن من أهم رواياته المترجمة إلى العربية هي: «الأربعينية» و«أسابيع الحديقة»، و«حصار الحضارات»، بترجمة المغربي د. ابراهيم الخطيب.
وعن أدبه يقول ماريو فارغاس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل للآداب لعام 2010م، إنه لا يوجد في اللغة الإسبانية مَنْ يضاهي غويتيسولو في العُمق الفكري، والابتكار الدائم للغة، والاستيعاب غير العادي للثقافات الأخرى، ومجاراة أفضل كتّاب امريكا اللاتينية، من أمثال ماركيز، وخوليو كورتاثار. ورغم أنه يكتب روايات ذات أسلوب طليعي وحداثي واستفزازي، إلا أنّ الإلحاح السياسي يقف خلفها على الدوام. وإنّ حسّه الرهيف بالتاريخ يتأتى من عميق حياته الشخصية.
ورغم حب غويتيسولو للعربية إلا أنه لا يجيدها كتابة، لكنه يتحدث الدارجة المراكشية، بحكم إقامته فيها، وصداقاته المتعددة مع مجتمعها، وإلى اللغة العربية ترجم له الناقد العراقي كاظم جهاد بعضا من كتبه من بينها: «يوميات فلسطينية»، و«رحلات إلى الشرق»، و«في الاستشراق الإسباني»، كما اختار جهاد عدداً من فصوله الروائية، وترجمها إلى العربية، وصدرت في كتاب بعنوان «على وتيرة النوارس».
سألته إن كان يعرف أحدا من الكتاب العرب، فقال: قرأت لنجيب محفوظ، وعلاء الأسواني، وجمال الغيطاني، وأن السَّرد العربي يمتلك خاصية الاشتغال على التراث الشرقي، وهو تراث شفاهي، ممزوج بالسرد الحكائي.
ويتذكر غويتيسولو لقاءاته بالشاعر الراحل محمود درويش، حيث جمعتهما صداقات ولقاءات في باريس والأندلس، ورام الله، وسراييفو، وظهرا معا في شريط الفرنسي جان ـ لوك غودار الشهير: «موسيقانا».
وسألته عن لقاءاته بكبار الروائيين العالمين، فجاء الحديث عن آرنست همنجواي، صاحب «الشيخ والبحر»، قال غويتيسولو: ألتقيت به مرتين، مرة في أسبانيا وأخرى في فرنسا، كنت في حداثة سني، كنت صغيرا، لكني حينها كنت قد قرأت له، وكان هو الآخر كاتبا مشهورا.
سألته عن آخر زياراته للأندلس، فقال: كنت فيها قبل شهر، كنت في بالما دي مايوركا، حيث أقيم حفل تكريمي لي في المركز الثقافي.
في جلوس خوان غوتيسولو بمقهى ساحة جامع الفنا، كان يستقبل الساحة، وكان يذوب في تأملها، وراح ينظر إلى المارة بتفكر وتمعن، قال غويتيسولو: أمامي الآن أكبر وأعظم شاشة سينمائية متحركة، إن هذه الساحة لا يوجد لها مثيل، فهي تجمع بين أجناس وشعوب مختلفة، يأتون إليها، بأحلامهم وأمانيهم، ومشاغباتهم وولعهم، وأسرارهم، وكل هذا الطوفان الكبير الذي تراه من البشر، مسكونون بأحلام كثيرة وهواجس لا تنتهي، لذلك أحب كثيرا أن أتأمل هذه الشاشة، وأن أجلس قبالتها في الصباح أو المساء، إنها شريط متحرك بمشاهد إنسانية لا تنتهي.
رحت مع خوان أتأمل الطوفان البشري الذين تعج بهم ساحة جامع الفنا، وأتأمل المكان متناهي الأبعاد، وأذوب في تفاصيله، فهذه الساحة يرجع تاريخها إلى عهد تأسيس مدينة مراكش سنة (1070-1071م)، ومنذ ذلك التاريخ وهي تعد رمزا للمدينة، يفتخر بحيويتها وجاذبيتها كل المسافرين الذين يمرون عليها، ويتواجد بها رواة للحكايات الشعبية، والبهلوانيين، والموسيقيين، والراقصين، وعارضي الحيوانات، والحواة، وواشمات الحناء، فقفزت في ذهني ذكريات كثيرة، فهنا يجلس الآن غويتيسولو، أهم كاتب إسباني معاصر، وقبله حتما جلس آخرون، ذوي قامات أدبية وسياسية واجتماعية، وهنا يحج الناس على مدار العام، وفي كل أيام السنة، يقصدون مراكش الحمراء، ويلتقون في ساحة جامع الفنا.
كنت أتأمل الساحة في الليل المراكشي الدافئ، بحضور غويتيسولو وفنجان القهوة الذي شربته معه، وكانت صومعة جامع الكتبية تلوح من بعيد، مأذنة شامخة، تعد من أهم المآثر العمرانية الموحِّدية (بمراكش)، بني جامع الكتبية الأول من قبل الخليفة الموحِّدي: عبد المومن بن علي الكومي سنة 1147م, وتشاكل هذه المأذنة المراكشية صومعة حسَّان في الرباط، والخيرالدا في اشبيلية بالأندلس، ويبدو أنها جميعا شيدت في ذات الزمن.
رحت أغوص في متابعة المشاهد التي تبثها ساحة جامع الفنا، عشرات الخيول بعرباتها تنتظر الزوار، وقبل أن أتلقي بالكاتب، كنت قد قضيت عصر ذلك اليوم ساعات ممتعة أنا وزميلي خالد الحارثي، بصحبة الصديق المغربي المضياف: سعيد الزويتي، حيث ركبنا معا عربة أخذتنا في رحلة عَصْرية بين ضواحي ودروب مراكش، فرأينا مراكش الجميلة، مراكش النخيل الباسقة، والبيوت الأنيقة، مراكش التراث، مراكش الحمراء بعماراتها الأنيقة، مراكش الإنسان البسيط والمكان الموغل في القدم، ومن يريد أن يتعرف على مراكش فما عليه إلا أن يركب إحدى العربات، التي تصطف في الشارع الممتد من صومعة الكتبيَّة وحتى ساحة جامع الفنا، وكذلك من يريد أن يصبح جزءا من المشهد السينمائي الذي تبثه ساحة جامع الفنا، فما عليه إلا أن يدخل الساحة، ويقف مع الموسيقيين برهة من الزمن، أو يدخل السوق القديم الملاصق لحارة مراكش القديمة، ولم يقطع المشاهد التي انثالت من ذاكرتي سوى وقوف غويتيسولو، مستأذنا ومسلما على الجم
ليعود مرة أخرى إلى معتكفه في بيته المجاور لساحة جامع الفنا، 




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية