مراكش لم تعد "وريدة بين النخيل" كما تغنى بها المراكشيون من قبل

الجمعة 1 يوليوز 2016

"يا مراكش يا وريدة بين النخيل" عبارات لطالما تغنى بها المراكشيون لسنين عديدة, غير أن هذه الوردة, التي ألهمت مآثرها التاريخية, العديد من الكتاب والشعراء, بدأت تذبل ويكاد نخيلها يندثر تاركا المكان للعمارات والدور السكنية, مخلفة بذلك حسرة كبيرة لدى قاطنيها المتميزين بالبساطة وروح الدعابة والنكتة وحنينا لماضيها التليد.
لقد كان زائر مدينة السبعة رجال, ومن كل الاتجاهات, بالكاد يرى, لدى دخوله إليها, أسوار مدينتها القديمة لان أشجار النخيل كانت تقف شامخة, وسط واحات شاسعة وعراصي فيحاء تبتهج لها القلوب وتتغذى بمنظرها الأعين, حاجبة بذلك النظر عن بناياتها الحمراء.
وبالرغم من التحول السريع الذي تعرفه المدينة الحمراء, التي لازالت تقاوم الزمن للحفاظ على العديد من حدائقها الجميلة التي تزيدها بهاء وجمالا, تجذب إليها الأنظار وتستهوي كل العشاق, فإن زائر مراكش بمجرد ما أن تطأ قدماه أرضها يحس وكأنه في عالم آخر, الكل يتحرك بها بنشاط وحيوية, اذ ترى على محيا كل المراكشيين ابتسامة عريضة لا تكاد تفارقهم.
وما أن يصل الزائر الى ساحة جامع الفنا حتى يذوب وسط حشود من الجماهير من مختلف الجنسيات منهم من التف حول جماعات موسيقية, فرقة تغني التراث الشعبي المغربي وفرق "الحلايقية" منهم الحكواتيين وقارئي الكف ومروضي الثعابين على أنغام المزامير ومنهم من يراقص القردة..., الكل, في جو ممزوج برائحة الأطعمة المغربية كالكسكس والحريرة وشربة الحلزون, والطنجية والكرعين و..., يعطي لهذه الساحة العالمية رونقا وتميزا .
مراكش المتفردة بتنوعها الثقافي والجغرافي والحضاري والتي لطالما شكلت, بفضل جمالها وأصالتها وعراقتها, موطأ قدم للعديد من الشخصيات والنجوم العالمية أمثال ترتشل والملكة إيلزابيث وشيراك وهيلاري كلينتون وريغان ودوغول وكوفي عنان وهيلموت كول وتوم كروز وبروس ويليس وشارون ستون وآخرون, بدأت تفقد هذا التفرد الجغرافي والحضاري جراء النمو الديموغرافي والتوسع العمراني الذي أخفى جمال واحات نخيل مراكش وروعة عراصيها.
وبرأي عدد من المراكشيين الذين عايشوا هذا التحول - بحد قولهم- "السلبي ", فإن حال مراكش أو مدينة البهجة كما يحلو للبعض أن يسميها, لم يبق كما هو وتغيرت ملامحها جدريا جراء التوسع العمراني, وتكونت لديهم قناعة أكيدة أن العيش بمراكش أصبح صعبا للغاية جراء الغلاء الفاحش الذي تعرفه, مما أفقد المواطن المراكشي البسيط تلك الابتسامة وروح الدعابة والنكتة التي كانت تعلو محياه ويكاد هذا التحول أن يعصف حتى بتقاليد وعادات الاسر المراكشية .
وفيما يرى البعض أن هذا التحول "إيجابي" ويخدم مصالحهم, ويزيد المدينة رونقا وجمالا, يلاحظ البعض الآخر أن مدينة البهجة تتوسع على حساب كل ما ميزها من تاريخ وحضارة عريقة وتقاليد ضاربة في الزمن, ولم يخفوا تخوفهم من ضياع ملامح ماضيها العريق دون عودة.
ويرى الحاج أحمد وهو نجار تقليدي (70 سنة) بهذا الخصوص , إنه إذا كانت السياحة قد لعبت دورا هاما إلى جانب العقار في إنعاش المدينة الحمراء اقتصاديا واجتماعيا واستفاد من إيجابياتها جزء من المراكشيين فإن هذين العاملين " ساهما كذلك, وبشكل كبير, في استشراء الغلاء وطمس ملامح مراكش وتغيير حتى تقاليدها", مضيفا انه إذا كانت الحضارات تقاس بالعمارات والغلاء " فهذه ليست حضارة بل خسارة لمدينة لم يبق فيها مكان للبسيط
والفقير".
ويتبنى إدريس الذي يمتهن الحلاقة , نفس الرأي ويقول بلكنة مراكشية قحة "الله يعمرك أمراكش", إنها الجملة التي كان يرددها المراكشيون من قبل طمعا في إعمارها واستقبال ضيوفها حتى أصبحت هذه المدينة بالكاد تستوعب ساكنتها المحلية, مضيفا بحسرة "لقد فقدنا العديد من سكنانا ورياضاتنا, نرجو الله اللطف, (...) ونخاف أن تذهب أيضا تقاليدنا وعاداتنا وروح النكتة والدعابة المراكشية أدراج الريح ".
وفي ظل هذا الاستياء الذي أصبح يلازم ساكنة مراكش الحمراء جراء غلاء المعيشة وفرط الإقبال على العقار من قبل الأجانب والمغاربة, يرى السكان أن المسؤولية ملقاة على ذوي القرار والمنتخبين والمجتمع المدني المحلي وهي الجهات القادرة على إنقاد مراكش والحفاظ على ما تبقى من ملامحها وإرثها الحضاري وإحياء دورها كحاضرة شكلت على مر العصور معقلا للعلم والفقه وملتقى لكل الحضارات والديانات
المراكشية


معرض صور