المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

متسولو وشحاذو مراكش سنة 1953.. يعودون الى الظهور

الاثنين 12 يونيو 2017

 متسولو وشحاذو مراكش سنة 1953.. يعودون الى الظهور
أورد الياس كانيتي هذا المقطع في كتابه (اصوات مراكش): "يحبذ الشحاذون الصغار البقاء دائما بالقرب من مطعم الكتبية• ولأننا نأكل في هذا المطعم في منتصف النهار والليل، فإنهم يعلمون اننا لن نفلت منهم• اولئك الاطفال ليسوا زينة مستحبة بالنسبة لصاحب المطعم الذي يريد أن يظل محله محترما• ولذا فإنه كان يطردهم ان هم ا قتربوا كثيرا من الباب• لهذا يفضلون الوقوف بمواجهة المطعم، هناك عند زاوية الشارع• ومن عاداتهم حين يشاهدوننا نقترب من المطعم ان يرتموا علينا ويحيطوا بنا• الكثيرون منا، وخاصة اولئك الذين امضوا عدة شهور في المدينة (يقصد مراكش) وتعبوا من منح الصدقات، يحاولون أن يبعدوا الاطفال• آخرون يترددون قبل ان يهبوهم شيئا ما لأنهم يحسون بالخجل امام اصدقائهم• وأخيرا لابد ان يتعلم الانسان كيف يعيش في مدينة كتلك• لا يلتفت الفرنسيون المستقرون هناك الى الشحاذين اطلاقا ولا يهتمون بتوسلاتهم، كما لا يستسلمون لإلحاحهم•• كنت احب حركاتهم السريعة والرشيقة واحب اصابعهم الصغيرة التي ينعتون بها افواههم وهم يئنون بملامح تثير الشفقة• "اريد أن آكل• اريد أن آكل" كانت وجوههم حينئذ تبدو حزينة جدا الى درجة ان الانسان يتصور أنهم سينهارون من الوهن والجوع• وأنا احب شيطانيتهم المجنونة حالما يحصلون على شيء، وتعجلهم الضاحك حين يجرون فارين، وفي ايديهم تلك المليمات القليلة• أحب ايضا ذلك التحول المدهش في وجوههم• من موتى يتحولون فجأة الى سعداء• احب ايضا حيلهم الصغيرة حين يحملون على ظهورهم رضعا ويمدون ايديهم الصغيرة التي لا تعرف التسول ويئنون: "لهذا الصغير الجائع ايضا• لهذا الصغير الجائع ايضا!" هؤلاء الأطفال كثيرون••
يعود ما كتبه إلياس كانيتي الى سنة 1953 اثر زيارته لمدينة مراكش رفقة بعض اصدقائه لتصوير فيلم حول المغرب• والمشهد الذي يصفه هو تركيب يومي لحدث حي وقع في مكان ما بالمدينة الحمراء: الشحاذون الصغار الذين يبتكرون لانفسهم مختلف الحيل لاستمالة عطف المارة وانتزاع مليمات من جيوبهم• في هذا المقطع يستعمل صاحب اصوات مراكش الحائز على جائزة نوبل لسنة 1981 عبارة جد مفزعة تقول: "هؤلاء الاطفال كثيرون"•
اليوم توجد بيننا وبين ما التقطته عين كانيتي بمراكش مسافة تبلغ 53 سنة، لم تكن كافية ابدا لتطوي نهائيا هذا الواقع البئيس المؤسف الذي ركبته مشاهدات عين، من فرط دهشتها، لم تفلت شيئا من فظاعته• فالمتسولون الصغار المتحلقون حول مطعم يؤمه الاجانب أضحوا بمدينة يوسف بن تاشفين قوافل تزحف في كل مكان ومن مختلف الأعمار من الطفل الرضيع الى العجوز المسن المتلاشي• في الازقة و "الحومات" والاسواق والشوارع والمساجد والمقاهي والحافلات وقرب المدارس والمعامل والحانات، في احياء الفقراء وتجمعات الاغنياء• في كل شبر يزحف الشحاذون نساء ورجال في تكاثر سخي غير مفهوم•
لا يقل وضع مراكش عجائبيا عما تصور به في معمل الخيالات الاجنبية• فبقدرما ترتفع ارقام التداول المالي بالمدينة ويزداد حجم الاستثمار بها بقدر ما تتفاقم كذلك مظاهر التسول وتتنوع فنونه، كما لو كانت الثروة لا تخلق إلا نقيضها بمراكش• والخصب لا يثمر الا نتائج الجفاف بها، قد لا نستطيع التقليص من الثقل الاخلاقي الناتج عن قولنا إن التسول اضحى فنا بمدينتنا ومع ذلك فواقع الحال أقرب بكثير مما تنطوي عليه هذه العبارة من مضامين• فكل هذا الذكاء الموظف في اخراج المواقف الدرامية للمتسولين والاشكال المتقنة في صياغتها والبلاغة المرصوصة المنسوجة في كلامهم وتفانيهم في تجريب اشكال جديدة تفلت من الابتذال الحاصل في المواقف المكرورة الجاهزة•• كل ذلك يحوك فنية خاصة تستعمل بتلقائية ليس لانتاج جمالية ممتعة وإنما لترتيب موقف بئيس مدر للشفقة وفي أحيان كثيرة للخوف والفزع•
لا تكاد تخطو خطوة واحدة في محيط محطة باب دكالة، دون ان يستوقفك نداء مستجد، بفم اتقن بمهارة امكانات التأثير الصوتي في العواطف• وعلى الجدار الخلفي للمحطة المقابل لموقف الطاكسيات الكبيرة، لا تستطيع العين ان تلتقط سوى ذلك الطابور الطويل المنسوج بكثافة من المتسولين والشحاذين• امرأتان واقفتان بجلبابيهما الانيقين الواحدة تكبر الثانية سنا• حيث تكون المبادرة دائما من الصغرى التي تطبع حروف وجهها بلمسات احمر الشفاه وكحل العينين ورتوشات الخدين وكل ما يفيد في ترتيب تفاصيل الابتسامة الممزوجة بحياء مصطنع بشكل مفضوح: "اسمح لي يا أخ، لحظة فقط من فضلك" وعندما تستسلم لدبلوماسيتها تهاجمك بلا تردد "نحن سيدتين محترمين، هذه امي وأنا ابنتها•• جئنا الى مراكش من سيدي بنور• فضاعت محفظة نقوذنا•• ولا أقارب لنا بهذه المدينة، فهل يمكن ان تحمينا من اولاد الحرام وتساعدنا على العودة الى بيتنا• يلزمنا فقط عشرون درهما• ساهم معنا جازاك الله خيرا•• نحن محترمتين من عائلة محترمة ولا نستحق كل ما اصابنا" في تلك الاثناء تكون السيدة التي برفقتها تصوب اتجاه عينيك نظرات التودد المشحونة بمعان مبهمة• متر أو أقل بعدهما• تجلس امرأة اخرى متشحة ببياض الحداد•• وعلي الارض بجانبها تتمدد طفلة صغيرة بنظرات تائهة مرددة عبارات تحمل براءة منسية وأمامها طفل صغير آخر يلعب بقذارات الطريق المتسخ الى حد التقزز• ترفع السيدة صوتها: "يا ابني مات زوجي ولم يترك لهؤلاء الاطفال ما به يسدون رمقهم، ساعدني على اطفاء جوعهم•• الله يرحم والديك• ساعدني ولو بثمن خبزة واحدة"• يتواصل استعراض الشحاذين• بنفس المكان• وخلف نفس الجدار• وغير بعيد عن الارملة المزعومة الايتام الجوعى• يستلقي رجل باعاقة دائمة يكتفي بالنظر اليك• لا ينطق بكلمة• فاليد اليمنى المبثورة تفي بالغرض المطلوب•
يخيل اليك ان "كانيتي" عندما قال "هؤلاء الاطفال كثيرون" كان يتجول برفقتك في بداية الالفية الثالثة وليس سنة 1953ربما لو شاهد ما تشاهده اليوم لأضاف: "انهم كثيرون•• كثيرون جدا الى حد الإدانة" خلف بائع الموز تترصد المارة فتاة قد لا تتجاوز عمرها 10 سنوات تحمل على ظهرها طفلا صغيرا يئن باستمرار: "ارجوك امي في البيت مريضة• ستموت اذا لم اشتر لها الدواء• أعني رجاء على انقاذ حياتها• ولو بدرهم واحد•• درهم الله يرحم" طفل آخر يتسلل وسط زحام الطاكسيات وعربات بيع الفواكه وباعة السجائر بالتقسيط واللصوص والعاهرات والمسافرين الذين انهكتهم فوضى السكان وتسيب الاشياء فيه• ليطلب منك: "عفاك•• عفاك منذ يومين لم اذق طعاما• اكاد أموت جوعا• اعطني درهما لاشتري خبزة• عفاك•• عفاك• الله يستر عليك"• وفي قلب مهرجان "الكورتية" وصياحهم الذي لايكل وتسابقهم لاصطياد مسافر وإرغامه على ركوب الحافلة المرابطة أمام المحطة، يباغثك شاب بعضلات قوية وجسم سليم بعاهات ولا أمراض ولا نقص: "يا أخي، أنا مثلك متعلم، وحاصل على شهادة، لكنني معطل، اعتصمت أمام البرلمان بلا فائدة، لا أحب أن أتحول إلى لص مثل أولئك•• (يشير اتجاه جماعة من الشبان) أسلب الناس أموالهم، بإمكاني أن أحمل سكينا مثلهم، لايهمني السجن، لكنني مثقف، ومبادئي لاتسمح لي بذلك، إذا تفهمت وضعي ساعدني، أريد فقط أن اقتني سيجارة•••"• أما الأكثر صدقا منهم فهم "الشمكارة"، مدمني "التيبا" (مادة السيلسيون)• الذين يقفون أمامك بأعين شبه مغمضة، لايستعرضون مهارتهم في التمثيل أو في اختلاق موقف درامي بئىس، لأنهم مأساة حية متحركة• كل مضامينها المؤلمة مكشوفة، وأبطالها ليسوا في حاجة لكثير من التكلف• بل يكتفون بالوقوف أمامك والإشارة بيد مرتعدة• كل المواقف والقضايا قابلة للاستثمار من قبل المتسولين بمراكش، لم يُفلت الشحاذون السياسة من قبضتهم، ولم يتركوا المواضيع الأكثر حساسية المحتكرة في سجالات منابر البرلمان ومنصات تجمعات الأحزاب وثرثرات المعلقين في صفحات الجرائد وذبذبات الاذاعة وبلاتوهات التلفزات، بباب دكالة دائما يظهر من حين لآخر وبشكل متقطع يستنتج منه أنه ينتقل إلى أماكن أخرى، رجل في الأربعين من عمره• وبصوت هادئ ونظرات وقورة وبعبارات منتقاة بعناية فائقة من معجم السياسة المغربية، يستوقفك كما لو كان تائها يبحث عن عنوان خاص• ويسألك في البداية: "مقر الولاية في هذا الاتجاه؟•••" تجيبه بنعم، يشكرك على تعاونك برزانة قبل أن يستدرك: "أرغب في مقابلة الوالي• فأنا معتقل سياسي سابق غادرت سجن الجديدة منذ مدة• لم يعد لي أقرباء، أنا وحيد والدي متوفيين• لا عمل لي• وعندما كانوا يعوضون المعتقلين كنت نزيلا بالمستشفى•••" حينها يخرج ورقة رثة لاتكاد تتبين مما كتب عليها شيئا سوى عبارة "مستشفى ابن طفيل" الموجودة في أعلاها• ويستأنف "لم أتمكن من تقديم ملفي، أنا ذاهب لطرح قضيتي على الوالي•••" في هذه اللحظة بالضبط تلمع عيناه لينقض عليك "أنا مفلس•• والتعب أنهكني من فرط المشي• هل يمكن أن تساعدني بـ 10 دراهم لأستقل سيارة أجرة؟"•
بمستشفى ابن طفيل تكاثرت هذه الظاهرة ، أثناء الوقت المحدد للزيارة• يستوقفك رجل أو امرأة شاب أوعجوز، في أروقة المستشفى "أرجوك ابني نزيل هنا في حالة خطيرة، أتيت به أمس والأطباء يطلبون هذا الدواء على وجه السرعة• وعندما ذهبت إلى الصيدلية وجدت سعره يتجاوز 500 درهم• وأنا قادم من البادية، ولا أحد لي هنا، ساعدني على إنقاذ حياة ابني"• يشهر أمامك ورقة طبية لا وقت لديك لتفحص مضمونها• وعندما يلتقط إشارات ترددك يداهمك "باش ما سخاك الله ولو بـ 30 درهما••" زوار المستشفى يجدون أنفسهم في حيرة من أمرهم لأنهم لايعرفون إن كان الشخص الطالب للمساعدة في وضعية حرجة يحتاج للدعم أم أن كلامه مجرد مناورة من متسول اكتشف أن المكان الذي يصبح فيه الناس أكثر هشاشة وتعاطفا بفعل ما يشاهدونه من آلام وضعف هو المستشفى• إنهم كثيرون بمراكش• الخيريات مملوءة بهم• والسجون مكتظة• والشوارع مزدحمة بإلحاحهم الجارح• فمن أين يأتي كل هذا الفيض؟!
عبد الصمد الكباص
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : تاريخ مراكش, مراكش
عبد الصمد الكباص

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل