المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ما هي أهداف "إسرائيل" بكشف النقاب عن قاتل "أبو جهاد" بعد ربع قرن على الإغتيال؟

الاربعاء 7 نونبر 2012

ما هي أهداف "إسرائيل" بكشف النقاب عن قاتل "أبو جهاد" بعد ربع قرن على الإغتيال؟
يوماً بعد آخر يُكشف النقاب عن حقائق جديدة في ملف اغتيال الشهيد خليل إبراهيم الوزير "أبو جهاد" (الذي اغتيل على يد "الموساد" الإسرائيلي في تونس بتاريخ 16 نيسان 1988)، سواء لجهة:
- أهمية دوره القيادي، والذي تعدى مركزه كنائبٍ للقائد العام للثورة الفلسطينية وعضواً في اللجنة المركزية لحركة "فتح"، أو لجهة أنه كان أكثر القادة إيلاما للعدو الإسرائيلي بعمليات نوعية هزت كيانه وأوقعت قتلى في صفوفه من خلال توليه مسؤولية القطاع الغربي (الموكلة إليه العمليات الفدائية التي كانت تُعنى بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي)..
- أو أنه يكاد يكون القائد الوحيد، الذي يحظى بعلاقاتٍ ممتازة مع مختلف الأطراف المقاومة للعدو الإسرائيلي، حتى وإن كانت معارضةٍ لحركة "فتح"، وكذلك دعم العديد من الثورات ومنها الثورة الإيرانية..
- أن العديد من العمليات التي نفذت حملت بصمات "أبو جهاد"، وكثر يحفظون له مواقفه الشخصية تجاههم: سياسياً أو عسكرياً أو حتى اجتماعياً..
- أن عملية اغتياله، كانت الأكثر استنفاراً للعدو الإسرائيلي، الذي جنّد أكبر قوة لعملية أمنية في مهمة خارجية، أفضت إلى تنفيذ جريمة اغتياله..
أول الرصاص والحجارة، وهو الاسم الذي التصق بالشهيد "أبو جهاد"، أتى اغتياله في لحظة مفصلية هامة بعد تفجيره "الانتفاضة الأولى" - "انتفاضة الحجارة" بتاريخ 7 كانون الأول 1987، وحينها نفى المسؤولون الإسرائيليون المسؤولية عن اغتياله، فيما وجهت القيادة الفلسطينية أصابع الاتهام مباشرة إلى "الموساد" الإسرائيلي..
اليوم وبعد 34 عاماً ونيف على الاغتيال، سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر تحقيقٍ أجرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" يتحدث عن تفاصيل هذا الاغتيال، نقلاً عن لسان الجندي ناحوم ليف (قتل في حادث سير في العام 2000 وهو في طريقه إلى إيلات)، وهو الذي اعترف بأنه أطلق النار على "أبو جهاد"، وهي اعترافاتٍ كان قد أدلى بها إلى الصحافي رونيس بيرغمان قبل نحو 20 عاماً، ولكن الرقابة العسكرية الإسرائيلية منعت النشر ورفضت أي مفاوضات في الموضوع..
ويبقى التساؤل: لماذا سمحت سلطات الاحتلال بنشر هذه الاعترافات الآن في هذا الظرف بالذات، وما هي الأهداف والمآرب بحصر الجريمة بالجندي الإسرائيلي، علماً بأن مهمة التحضير للعميلة من قبل القيادة الإسرائيلية، قد أوكلت شخصياً إلى – وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك (الذي كان يتولى منصب نائب رئيس الأركان يومها)، وأشرف شخصياً على التنفيذ، بل أكثر من ذلك فإن كريمة "أبو جهاد" حنان، أكدت أنها "شاهدت باراك وهو يبدأ بإطلاق الرصاص باتجاه والدها قبل أن يُجهز عليه باقي أفراد الخلية"؟..
هل أن باراك يسعى إلى الهروب من المسؤولية، خصوصاً أن القيادة الفلسطينية وذوي الضحايا الفلسطينيين يستعدون لرفع دعاوى لدى المحاكم والمنظمات والهيئات الدولية لمقاضاة المسؤولين الإسرائيليين عن الجرائم التي ارتكبوها؟..
منذ اللحظة الأولى وجهت "أم جهاد" الوزير الاتهام إلى "إسرائيل" بالوقوف وراء الجريمة، مؤكدة "إن إرادة الشعب أقوى من كل المؤامرات وأقوى من كل رصاصات الغدر"..
بتاريخ 16 نيسان 1988، اغتيل "أبو جهاد" على يد "الموساد" الإسرائيلي في تونس، بإشراف مساعد رئيس الأركان - آنذاك إيهود باراك.
نفّذت العملية وحدات خاصة من الكوماندوس، تابعة لهيئة الأركان الإسرائيلية، وهي الأقوى في الجيش الإسرائيلي، وتم نقل المشاركين في الاغتيال على متن أربع سفن، من بينها اثنتان نقلت عليهما مروحيتان، لاستخدامهما في حالة الاضطرار لعملية إخلاء طارئة إذا حدث أي خلل أو طارئ غير متوقع، مع وجود غواصة، عبارة عن مستشفى ضخم، وقيادة تحكّم، وأربع طائرات من نوع أف 14 وأف 15، وطائرة بيونغ 707 للتزويد بالوقود.
وبذلك، تكون القيادة الإسرائيلية قد سخرت طاقاتها البرية والبحرية والجوية، وكان من بين الخطط المدرجة، احتلال منطقة سيدي بوسعيد، حيث إقامة "أبو جهاد"، وكل ذلك للتمكن من القائد الذي أوجع الاحتلال. وأفلت من الشباك التي رُصدت له مراتٍ عديدة.
 
"أم جهاد".. واللحظات الأليمة
عن تفـاصـيل الاغتيـال - التي وثقتها في كتابي بعنوان: "الأوائل على درب فلسطين" - تستعيد "أم جهاد" تلك اللحظات بالقول: "تلك الليلة سمعت "أبو جهاد" يقوم بسرعة من خلف مكتبه في غرفة النوم، فتحت عيني فوجدته يحمل مسدسه ويتجه نحو باب الغرفة، لحقت به ووقفت إلى جانبه، نهرني وطلب مني أن أبتعد عنه، وقفت في الزاوية الأخرى، ثوانٍ وشاهدت أمامي شخصاً على بعد متر واحد، كان في حوالى الثانية والعشرين من العمر، أشقر، يضع على وجهه قناعاً شبيهاً بقناع غرفة العمليات، ولم يتكلم أبداً، أطلق علـيه "أبـو جهـاد" رصاصـة مـن مسـدسـه، فـرد عـليه بـمشـط كامـل مـن رشـاشه، سقـط "أبو جهاد" على الأرض، جاء رجل ثانٍ، ظننت انه سيقتلني أنا، ولكنه أفرغ رشاشه بجسد "أبو جهاد"، جاء الثالث، وفعل الشيء نفسه، كنت أضع يدي فوق رأسي وأنطق بالشهادتين، وأنا أتوقّع قتلي، كنت أدير وجهي، يبدو أن الإنسان لا يحب أن يرى موته، وعندما جاء شخص رابع ليفعل الشيء نفسه صرخت بصوت عالٍ ومدوٍ (بس)، لكنه أفرغ رشاشه في جسده. ثم توجهوا جميعاً إلى غرفة النوم، ابني نضال (سنتان ونصف) ينام داخل الغرفة، فكرت به، شعرت بخوف شديد عليه، وبحركة عفوية حاولت أن أتحرك نحوه، لكن أحد المهاجمين وقف أمامي يهددني برشاشه كي لا أتحرك، دخل الثلاثة الآخرون إلى غرفة النوم، أطلقوا رشات من الرصاص، فتيقنت أن نضال قد قتل ولكنه كان يصرخ، وكان صراخه يُطمئنني. انسحبوا من غرفة النوم كانت حنان (15 سنة) قد خرجت من غرفة نومها لترى ما يحدث، فوجئت بالأشخاص المجهولين أمامها، وفوجئت بأحدهم يقول لها باللغة العربية: "اذهبي إلى أمك". وغادر الأشخاص الأربعة الطابق العلوي من المنزل".
تقول "أم جهاد": "انحنيت على "أبو جهاد"، ناديته، حاولت سماع تنفسه، حدقت في عينيه، حركتهما بيدي، فلم ألحظ أي أثر للحياة، كان الرصاص في وجهه وعنقه ويديه وجسده، وكان ينزف بشدة كمية كبيرة من الدم. دخلت غرفة النوم، حملت نضال بين يدي، وعدت وجلست معه إلى جانب "أبو جهاد"، قمت وذهبت إلى الشـرفة، نـاديـت بأعـلـى صـوتـي، لـم يجـبـني أحـد، شـعـرت بـأن كـلَّ ما حولي فراغ مُطلق، نزلت مع ابني الصغير نضال وابنتي حنان إلى مدخل المنزل، جلست هناك وأنا أحتضن نضال، وحنان تعانقني، كانت حولي ثلاث جثث، جثة "أبو سليمان" كريشان - الحارس، وجثة مصطفى عبد العال - سائق "أبو جهاد"، وجثة لشاب تونسي الحبيب الدخيلي - جنيناتي، جاءت الفتاة التونسية التي تُساعدني في عمل المنزل خائفة مرتعدة، روت لي أنها شاهدت أربعة أشخاص آخرين يطلقون النار في غرف الطابق الأرضي من المنزل، وقالت أن بينهم امرأة، وأن المرأة كانت تلتقط الصور، ولكنني لا أستطيع أن أؤكد ذلك. كان ابني الصغير يقول لي وأنا أحتضنه عند مدخل المنزل: "ماما أنا خائف هل أنت خائفة؟" - قلت له: "ماما أنا لست خائفة، أنت أيضاً لا تخف". تركته مع حنان، وصعدت لرؤية "أبو جهاد" ثانية، ومرة أخرى ناديت من الشرفة أطلب المساعدة، ولم يجبني أحد".
بعدها.. جاء الشباب ونقلوا "أبو جهاد" إلى المستشفى، وفي اليوم التالي، وصل أبناؤه الثلاثة: جهاد، إيمان وباسل من الولايات المتحدة الأميركية، حيث يدرسون هناك، عبر مطار روما، ووصل معهم المطران هيلاريون كبوجي، حيث قدّم التعازي وعاد إلى مقر إقامته.
 
حنان: باراك بدأ بإطلاق الرصاص
وتستذكر حنان (ابنة "أبو جهاد") ليلة استشهاد والدها "دخل مجموعة من الملثمين، عددهم أربعة إلى منزلنا، وأخرجوني أنا وأخوتي على البرندة، وأبقوا والدتي في الغرفة حتى تحضر المشهد, مشهد اغتيال أبي، حيث أطلقوا ما لا يقل عن 70 رصاصة في جسده، بدأ بإطلاقها إيهود باراك، الذي أفرغ الرصاص الموجود بحوزته، وأكمل الجنود بقية إطلاق الرصاص".
بعد اغتيال القائد "أبو جهاد"، نشرت "صحيفة يديعوت أحرونوت" تقريراً صحافياً للكاتب غونين بيرغمان تحت عنوان: "الجهاد لأبو جهاد"، والذي تناول اغتيال خليل الوزير بعد أطول مطاردة في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، أكد فيه أنه على الرغم من تأخّر التعرّف على "أبو عمار" و"أبو جهاد" على اعتبارهما "قوة إرهابية صاعدة"، فقد أُثيرت في آب 1964 فكرة اغتيالهما، حيث توجه رافي آيتان رئيس بعثة "الموساد" في باريس - آنذاك - إلى رئيس "الموساد" مئير عميت، وطلب موافقته على خطة اغتيال "أبو جهاد" أثناء "مؤتمر طلاب الجامعيين الفلسطينيين" في ألمانيا الغربية، لكن لم يتم الحصول على الموافقة.
على الرغم من أن قضية اغتيال "أبو جهاد" ليست جديدة، لكن الجديد فيما كشف عن طريق إعداد الجريمة، والتي تشير إلى أن - باراك (نائب رئيس الأركان يومها) هو الذي أشرف على وضع خطة الاغتيال وعلى قيادتها في مقر القيادة الميدانية على إحدى السفن الحربية التي كانت ترابط قبالة الشواطئ التونسية.
وأن باراك خلال عرضه خطة الاغتيال على رئيس الوزراء إسحاق  شامير ونائبه شيمون بيريز ووزير الدفاع إسحاق رابين، استعرض مجسماً مصغراً للحي السكني الذي كان يقيم فيه قادة حركة "فتح" في ضاحية سيدي بوسعيد في تونس، فأبلغه ضابط "الموساد" الذي كان قد عاين المنطقة، بأن البيت المجاور لمنزل "أبو جهاد" يسكنه "أبو الهول" المسؤول عن الأمن الداخلي في "منظمة التحرير"، وعاد باراك ليسأل مشيراً إلى أحد المنازل القريبة وليس الملاصقة لمنزل "أبو جهاد"، فأُبلغ بأنه منزل "أبو مازن"، فأجابه باراك: "إن بيته قريب جداً، فهو مسؤول عن العلاقات الدولية لـ "منظمة التحرير"، ولماذا لا نقوم بزيارته؟". فأجابوه: "نعتقد أن توسيع العملية قد يؤدي إلى تطورات غير مضمونة من شأنها أن تُربك قواتنا وتورطها".
وكان رد باراك: "ولكننا نرسل إلى تونس جيشاً عرمرمياً".. وهنا دار نقاش قصير، وكان ذلك جدالاً، حيث أصرّ باراك على استغلال الفرصة وضرب هدفين في العملية نفسها وإغلاق الحساب مع هدفين، واستنتاجاً "إن ضربة كهذه ستؤدي إلى تدهور حاد في معنويات المنظمة، وربما ستلجم الانتفاضة الأولى"، ولكن رجال "الموساد" والاستخبارات العسكرية اعترضوا بشدة قائلين: "لا يُمكننا أن نجد الهدفين داخل منزليهما في الوقت نفسه، ونحن نوصي بتركيز جهودنا على "أبو جهاد"، وإذا نجحنا في إغلاق حسابنا التاريخي معه، فسيكون هذا كافياً بالنسبة لنا".
هيثم زعيتر
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

هيثم زعيتر

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل