المراكشية : بوابة مراكش

ما لا تعرفه عن قصر البديع: 5/ ‬ هذه قصة خراب‭ ‬قصر‭ ‬البديع


عبد‭ ‬المالك‭ ‬ناصري / كلية تازة | حرر بتاريخ 05/05/2020



مثل بناء قصر البديع بمراكش إشارة قوية لبداية عهد جديد في تاريخ الدولة السعدية، تجلى ذلك في تولي أحمد المنصور مقاليد الحكم، وفيالانتصار على البرتغاليين في معركة واد المخازن، التي دارت رحاها يوم الاثنين 30 جمادى الأولى عام 986هـ/ 4 غشت 1578م، وما أعقبها منمكاسب سياسية استفاد منها السلطان القائم، داخليا وخارجيا، إذ بعد خمسة أشهر على هذين الحَدَثَين البارزين، انطلقت أشغال البناء في شوال986هـ/ دجنبر 1578م.


5 / بعد وفاة أحمد المنصور، تعرض قصر البديع لأعمال التخريب المُسْتَتْبِعة للصراع المرير للسيطرة على مراكش العاصمة، وعلى دار الإمارة، وقد رافق ذلك أعمال نهب وهدم وحريق، ثم توالت سلسلة من الأوبئة والمجاعات على مراكش العاصمة خاصة، وعلى باقي المناطق المغربية عامة، وكان لذلك وقع شديد على السكان والعمران، فأُهْمِلت القصور، وانشغل الناس بمحنتهم وبما نزل بهم من البلاء.
لم يكن خلفاء أحمد المنصور في مستوى المسؤولية التي آلت إليهم، ولا التركة التي خلفها لهم سلفهم، ولا الوضع العام الذي كانت عليه الدولة السعدية التي دبت بعض عناصر الضعف المبطنة في الأبهة والبهرجة والمظاهر المصطنعة في أوصالها، فكان ذلك من العوامل التي انعكست سلبا فيما بعد على قصر البديع، حيث تحول إلى مكان للصراع والتناحر والتطاحن والتآمر للوصول إلى سدة الحكم، وأضحى عرضة للنهب والتخريب، ومرمى لكل متربص بالسلطة والنفوذ.
استمر قصر البديع قائما بعد قيام الدولة العلوية، رغم ما مر به من اضطرابات ومحن، وقد بَالَغَت الكتابات الأجنبية في تشخيص وضعه مع بداية الدولة العلوية الناشئة، حيث طبع كتاباتهم الكثير من التحامل فيما يخص علاقة العلويين بقصر البديع، فقد ورد عندهم أن المولى إسماعيل كان يحس بالغيرة من عظمة المباني التي خلفها المنصور السعدي، وأنه لم يهدأ له بال إلا عندما هدمه للتخلص من ذكر من سبقه، وقد دُونت هذه الأخبار دون مراعاة للسياق العام الذي نشأت فيه الدولة العلوية، فالمولى الرشيد اتخذ من قصر البديع مقرا لإقامته بعد دخوله إلى مراكش، بل إن وفاته كانت بإحدى الرياض التابعة له، وهو رياض «المسرة».
أما المولى إسماعيل، فبعد توليه الحكم كان يستقبل البعثات الدبلوماسية بقصر البديع عند وجوده بمراكش، ولم يقدم على هدمه وتخريبه إلا عندما تبين له أنه شكل ملجأ لكل ثائر رافض للنظام الجديد.
عرف قصر البديع في هذه الفترة الكثير من أعمال التخريب والنهب، مما جعل معالمه عبارة عن أطلال متداعية لحقها الإهمال، ونُهبت زينتها وجفت مياهها وذبلت رياضها، وأضحت مكانا موبوء لم يمر بها أحد إلا أصابته الحمى وأنواع الأمراض، حتى أمسى المولى إسماعيل يسميها بدار أُمِّ مِلْدَمِ (أي الحمى)، فخاف السكان على أنفسهم وذويهم. وتبعا لذلك، قرر السلطان هدم ما بقي قائما من قصر البديع. وقد استمرت العملية ما يربو عن العشر سنوات، فزالت كل محاسنه وتحول إلى خراب مهجور ترعى به الدواب، ومـأوى للكلاب وملجأ للبوم، «ومن العجيب أنه لم تبق بلد بالمغرب إلا ودخلها شيء من أنقاض البديع». وهكذا، تحول هذا القصر إلى كومة كبيرة من التراب كما تنبأ له البهلول الذي سأله المنصور الذهبي عن رأيه في قصره!
وبخصوص المدة التي استمر خلالها قصر البديع قائما، نجد الإفراني يُعد عدد نقط حروف لفظ البديع بحساب الجمل، فيتوصل إلى أنها مائة وسبعة عشر، فيستنتج أن هذا العدد هو نفسه عدد السنوات التي استمر فيها القصر عامرا، حيث كان انتهاء البناء به سنة 1002 هـ/1594م، وبدأت عملية الهدم عام 1019هـ/1707م، «فمدة بقائه، بعد تمام بنائه، مائة وسبعة عشر سنة على عدد اسمه، وذلك من غريب الاتفاق».
وهناك إشارات، في بعض المصادر، أن المولى إسماعيل عندما هدم قصر البديع نقل بعض مواد بنائه لإعادة استعمالها في تشييد حاضرته بمكناس، وكانت هذه المواد تتشكل أساسا من أعمدة الرخام، غير أن ما يمكن التأكيد عليه أن القصور الإسماعيلية لم تكن متوقفة على تلك المواد، لأن أغلبها اكتمل بناؤه قبل هدم قصر البديع.
وبفضل الأبحاث والتنقيبات الأثرية التي أجريت بقصر البديع سنة 1953م، أمكن الكشف عن الكثير من المواد الأثرية، وهي عبارة عن قطع من المرمر والرخام الأبيض والأسود، إضافة إلى أجزاء من معجون الرخام، وتيجان الأعمدة وقطع من الزليج والفسيفساء، وبقايا بعض النفورات والبرك.
لم يبق من هذه المعلمة اليوم سوى أجزاء من الأسوار، وساحة فسيحة مكونة من صهريجين وحدائق، وبعض الأجنحة وآثار أعمدتها وعناصرها الزخرفية المشكلة من الرخام والزليج والجبص.
وقد عرف قصر البديع، في الآونة الأخيرة، أعمال ترميم لأطلاله، لتهيئته للزوار الراغبين في الاطلاع على ما تبقى من معالمه، واستكناه بعض من جوانب التاريخ العمراني للمغرب.



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة