المراكشية : بوابة مراكش

ما لا تعرفه عن قصر البديع: 2/ الهندسة ووفرة‭ ‬المال‭ ‬والعمال


عبد‭ ‬المالك‭ ‬ناصري / كلية تازة | حرر بتاريخ 30/04/2020



مثل بناء قصر البديع بمراكش إشارة قوية لبداية عهد جديد في تاريخ الدولة السعدية، تجلى ذلك في تولي أحمد المنصور مقاليد الحكم، وفيالانتصار على البرتغاليين في معركة واد المخازن، التي دارت رحاها يوم الاثنين 30 جمادى الأولى عام 986هـ/ 4 غشت 1578م، وما أعقبها منمكاسب سياسية استفاد منها السلطان القائم، داخليا وخارجيا، إذ بعد خمسة أشهر على هذين الحَدَثَين البارزين، انطلقت أشغال البناء في شوال986هـ/ دجنبر 1578م.


 

2/  اجتمع في أحمد المنصور السعدي المهندس وصاحب المشروع، فقد كان يسهر بنفسه على سير أشغال البناء، وتنفيذ التصاميم بدقة، مع الحرص على إنجاز ما ارتسم في ذهنه من أشكال عمرانية مستوحاة مما هو محلي مع حضور التأثير الأندلسي.

كانت مصادر التمويل تتشكل أساسا من ذهب السودان الغربي، ومن عائدات تجارة السكر، ومن الجبايات والاكتتابات النقدية أو العينية، ومن لم يستطع الإيفاء بذلك كان ينخرط في عملية البناء لزمن معلوم، أو يسهم في نقل المواد الأولية من أماكن مختلفة.

شارك في أشغال البناء جمع غفير من العمال، استقدموا من مختلف مناطق المغرب ومن أوروبا، فكانت هذه الجموع من أصحاب الصنائع ومن ذويالمهارات في البناء والتشييد ومن المستخدمين، يجتمعون كل يوم بباب القصر في سوق عامرة يقصدها التجار ببضائعهم من كل الجهاتولتحفيز هذه الجحافل من الناس وخاصة منهم الصناع والحرفيين، على المثابرة في العمل، دأب السلطان على إحسان الأجر وإجزال العطاء إليهم، مع القيام بمؤونة أسرهم، حتى يجعلهم لا ينشغلون بهمومهم، ويركزون فيما كلفوا به.

أما مواد البناء، فتنوعت مصادرها حيث جلبت من أرجاء المملكة، وتم استيراد ما لم يتوفر محليا من السودان الغربي أو أوربا أو الهند، فقد جُلب الرخام من إيطاليا حيث كان المنصور يقايضه بالسكر المصنع بالمغرب، وزنا بوزنأما الجبص والجير وباقي المواد الأولية، فقد جمعت من مختلف المناطق والجهات «حتى إنه وجدت بطاقة فيها أن فلان دفع صاعا من جير حمله من «تينبكت»، وُظِّف عليه في غمار الناس».

عندما اكتملت أشغال بناء قصر البديع، وأصبح بالصورة التي ارتضاها المنصور الذهبي له، أقيمت احتفالات ضخمة مواكبة لافتتاحه، استدعي إليهاكل أكابر وأعيان المملكة، كما حضرها الشعراء الذين أنعم عليهم السلطان بسخاء، نظير ما نظموه من أشعار في جمال القصر وعظمة مؤسسه، بلإن المنصور السعدي أنشد في وصف محاسن القصر وجماله قائلا:

بُسْتان‭ ‬حُسنِك‭ ‬‮«‬أَبْدعَت‮»‬‭ ‬زَهْراتُه‭  ‬

‭ ‬ولَكَم‭ ‬نَهِيت‭ ‬القَلب‭ ‬عَنْها‭ ‬فما‭ ‬انْتهى

وقِوَامُ‭ ‬غُصْنِك‭ ‬بِـ»المَسَرَّة‮»‬‭ ‬يَنْثَني‭  ‬

‭ ‬يـَا‭ ‬حُسْنَه‭ ‬رُمَّــــانَة‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬المُشْتَهــــى‮»‬

استقبل المدعوون بأطباق الذهب والفضة المستوردة من مالقة وفلورنسا ومن بلاد الأتراك وحتى من الهند والصين، وقُدمت ضروب الطعام وصنوفالموائد، ووهبت العطايا ومنحت الجوائز، و شمل كرم السلطان كل الحضور، حيث وزعت الأموال والهدايا والعطايا، فامتزج لدى الضيوف الشعوربتحقيق الأمنيات مع الإحساس بروعة وجمال المكان، وأذكى من ذلك شعر الشعراء، الذين تغنوا بعظمة السلطان وانتصاراته، ووصف ما تفرد به قصرالبديع في صنعه وإتقانه.

وممن كان بين الحضور رجل من البهاليل، كانت له شهرة في زمانه بالصلاح، فقال له المنصور مازحاكيف رأيت دارنا هذه يا فلان؟ فأجاب: «إذاهدمت كانت كُدْية كبيرة من التراب، فوَجَم لها المنصور وتطير منها»، وكأن الرجل تنبأ بمصير هذا القصر.




أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة






الأكثر قراءة

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة