المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ما جدوى التأهب للانتخابات المقبلة؟

الثلاثاء 28 أكتوبر 2014

ما جدوى التأهب للانتخابات المقبلة؟

حينما يتابع الواحد،مايجري حاليا على الساحة المغربية من استعدادات،سواء لدى الدولة أو ضمن صفوف الأحزاب، للانتخابات المقبلة،وإذا اتصف ذلك الواحد بالحد الأدنى من الصدق،فحتما سيقفز إلى ذهنه سؤال سريع : ماذا حققته كل الانتخابات السابقة،كي نسرع نحو اللاحقة؟هل أرست فعلا،تلك التجارب دعائم ممارسة سياسية ديمقراطية حقيقة ،ودفعت نحو تكريسها وتدعيمها على أرض صلبة؟أم الأمر، لاينزاح عن كونه مجرد اقتضاء روتيني، يبتلع أموالا طائلة، دون مفعول فاعل على أرض الواقع،بخصوص مجموعة أهداف :تحديث المنظومة السياسية،خلق ثقافة سياسية بناءة تعكس التطورات السريعة التي يعيشها العالم،تنمية الذكاء السياسي عند المواطن وجعله محور العملية الديمقراطية ،إرساء مرتكزات حقل سياسي ينتقل من تدجين النمطية، إلى بواعث الإبداع والخلق والسؤال والتفكير الحر والمساهمة الايجابية حسب القناعات الشخصية لكل فرد.
سعي، يقتضي أولا، وقبل استشراف أية انتخابات أخرى،ثم كي تكون الأخيرة منسجمة مع سياقها وذات نفع،مساهمة جميع الفاعلين بمسؤولية والدولة  في طليعتهم،بهدف تقوية وتعضيد ركائز ثقافة سياسية ،لأنها النسغ وجوهر النواة وأس المبتغى،بينما تبقى الانتخابات مجرد تقنية شكلية وجسد بلا روح،إذا جفت التربة الصالحة التي تخصبها التفاعلات الكيميائية،المفترض اشتغالها باستمرار داخل العمق المجتمعي.
لم يعد كافيا أن تضمن الدولة نزاهة الانتخابات،لأن مانعاينه بعد ترسيم  نتائج الأخيرة،عندما يتم سحب البساط من تحت أقدام الجميع، بطرق أكثر سلاسة وليونة وسحرية ولولبية و"عفريتية وتمساحية "(نسبة إلى الخالدتين العفاريت والتماسيح) ،يؤكد بوضوح أن الأفق الحدي للانتخابات كما الوضع في الضفة الشمالية،لازال متعثرا عندنا شديد التعثر.ببساطة،نظرا لانتفاء إطار الثقافة السياسية المكتملة والمتكاملة عناصرها،حيث الدولة للمواطن والأخير للدولة، وفق جدليتي الحق والواجب.
ليس جديدا،ولعل التنكيت السياسي يتداول الأمر بكثافة،أن مرافق الدولة مستمرة في جفائها نحو هذا المواطن،طيلة الفترة الفاصلة بين المواعد الانتخابية،مصطدما بصعوبة أسطورية في نيل أبسط حقوقه من خدمات،دون مزيد من التفكه بقضية مضغ الأرض مضغا، لمن رشحتهم أصوات الناخبين،فتغدو اللعبة كأنها مقلب يتكرر وضحك على الذقون. لكن، ما إن نستشرف تباشير اللحظة الانتخابية الآتية،حتى تقذف الأرض من جوفها بهؤلاء نحو ظهرها ثانية،فيزيلوا لفترة التراب عن ذاكرتهم ويعيدوا تشغيل ذات الأسطوانة،المستمرة في الترهل  جراء انتصاب المرايا حاليا في كل مكان،نتيجة الإشعاع الإعلامي الهائل،مقارنة مع مجريات الزمن السابق، لما كانت السلطة قادرة على تحصين  أطروحتها المطلقة، بالأساليب التقليدية المباشرة لاسيما الأجهزة القمعية ،أما آنيا فالنوافذ والشرفات، متعددة.  
مامعنى أن تكون الانتخابات نزيهة؟وماضرورتها؟إذا كنا سنوزع يمنة ويسرة ثروات من قوت الشعب،وتجيش الجيوش،وتتعبأ كل الأجهزة،وتستهلك كميات لانهائية من شعارات الإغريق والرومان والهند والسند،وتقرع أبواب منزلك دقات جائرة في أوقات غير مناسبة، فيباغتك حشد من الشباب يحملون على أكتافهم شخصا يحرك ملامحه كرجل آلي ،لايكترث أصلا بهم وبك،فيخبروك جمعا،أنه من سيغير مصيرهم ومصيرك ومصيرنا،وتحصي عددا فلكيا من الأحزاب يرددون خطابا فضفاضا واحدا، يتناوب على إلقائه من باب الموضة الوقتية فتيان وليس شيب،وتتابع على التلفيزيون المناظرات تلو المناظرات التي ستراوح مكانها للترافع دفاعا عن استثنائية التجربة بلغة خشبية،وتستبدل الجرائد الورقية خطها التحريري فتنأى تحت داع شرط المناسبة،عن حشو صفحاتها بمساوئ المعتوهين والحمقى و''المقرقبين"، وتفاهات فناني الدرجة العاشرة،كي تعاود استحضار النقاشات الكبرى للفكر السياسي ونظريات تحديث البنى الأيديولوجية والمعرفية،فيتهذب وعي الناس على الأقل ظرفيا إلى رقي المفاهيم والأفكار، والترفع عن بلادة الأحداث،ثم تشحذ الهمم ويؤمنون بإمكانية التغيير، ويسرعون صبيحة اليوم الموعود إلى مكاتب التصويت،ويغمسون أصابعم في قارورة الحبر السري ،فينتابهم إحساس غريب أنهم حقا كائنات حية….
أقول،مامغزى كل هذا الخضم،وبين طياته معطيات شتى؟ إذا كانت الأوراق سيعاد خلطها،بعد حين على وقع رفة الجفن، فنسمع عن حكومة الظل بدلا من حكومة الشمس والوزير الجلي والخفي والجماعة الكبيرة التي تسوق للاستهلاك، ثم الفريق الضيق صاحب المفاتيح ،بل والأنكى من ذلك، أن يعلن في الأخير أطر تثقيفنا السياسي،أنهم تماما مثلنا نحن  الصغار،لايملكون شيئا من أمرهم وأمرنا.،بالتالي، أن تنتخب أم لاتنتخب ! فالكائن هو الممكن.
جميعنا يعلم، أن انجلترا لاتتوفر على دستور مكتوب،لكنها تمثل إحدى معاقل الديمقراطية في العالم الحديث،سر ذلك،تعاقد عرفي يحضر بوعي لدى كل المكونات المجتمعية،من أجل استتباب لبنات ثقافة سياسية مستندة على مبادئ وأصول وقواعد يقدسها المجتمع  برمته ويراعيها في جل تصرفاته ماصغر منها وكبر،انطلاقا من القناعة الراسخة الحاضرة عند كلية المجتمع،بأنها عند البدء والمنتهى،الضمانة المثلى لبقائه وازهاره ونموه وإيمان أهله به.
إجمالا،الانتخابات تقنية لاغير ضمن آليات أخرى،فيما يتعلق بالإرساء الديمقراطي.ميكانيزمات تظل جوفاء ومنخورة،في حالة توقف تقدم السياق السوسيو-سياسي المؤطر لها.وإذا كانت الدولة عندنا تنحو بجل ثقلها، صوب ثقافة الشكل و "البريستيج" مع ضعف المضمون،فلا محالة أن التدبير بهاته الطريقة،يشكل مزيدا من تبذير الزمان وإهدار فج للتطلعات المشروعة.    
 
           
1
 
سعيـد بوخليـط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيـد بوخليـط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل