المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مات الشيخ.. ماذا عن مستقبل جماعته؟

الخميس 20 ديسمبر 2012

مات عبد السلام ياسين تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.. هو ابن مدرسة صوفية عريقة.. انخرط في حضن الزاوية البودشيشية القادرية سنة 1965 قضى خلالها مدة ست سنوات في صحبة الشيخ الحاج العباس إلى أن بدأت بوادر الاختلاف مع الزاوية تظهر خاصة بعد ولاية الشيخ حمزة بن العباس شؤون الجماعة بعد وفاة والده. 
حسب بعض القراءات فإن عبد السلام ياسين كان يعتقد بأنه أجدر بولاية شؤون الطريقة، بينما فضل الشيخ العباس أن يوصي بالسر لابنه حمزة وهذا، ربما، قد يكون السبب وراء مغادرته للجماعة..
بينما تروي مصادر جماعة العدل والإحسان أن بوادر الاختلاف مع الزاوية ظهرت بعدما شرع الأستاذ ياسين يقدم النصح والتوجيه للمريدين بسبب ما صار يغزو الزاوية من مظاهر التعلق بالدنيا وإهمال بعض الواجبات الدينية..
دشن عبد السلام ياسين مسيرته الحركية بتأليف كتابي:'الإسلام بين الدعوة والدولة'سنة 1971 و'الإسلام غدا' سنة 1972 أبرز فيهما قناعاته المذهبية التي ظلت مطبوعة بمسحة صوفية واضحة.
وفي سنة 1974 وجه عبد السلام ياسين رسالة مفتوحة إلى الملك الراحل الحسن الثاني تحت عنوان 'الإسلام أو الطوفان'في حوالي 120 صفحة، وهي عبارة عن 'نصيحة' قوية تدعو الملك إلى التوبة والرجوع إلى الإسلام وشريعته على غرار توبة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ... 
كما وجه عبد السلام ياسين نسخا من هذه الرسالة إلى مجموعة من العلماء والمثقفين وهو ما دفع بالملك الراحل إلى اتخاذ قرار بسجن الرجل لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر قضى منها حوالي سنتين بمستشفى الأمراض العقلية. 
وبعد خروجه من السجن، كان عبد السلام ياسين ينهل من نبع المدرسة الصوفية التي كانت لها صراعات تاريخية مع الاتجاهات السلفية في الفكر الإسلامي..فقرر تأسيس جماعة جديدة رفقة بعض أصدقائه، فتم الإعلان عن تأسيس 'أسرة الجماعة' سنة 1981، وإصدار مجلة 'الجماعة' ابتداء من فبراير 1979 ثم صحيفتي 'الصبح' و'الخطاب' وقد تعرضت جميعها للمنع والمصادرة بسبب النقد المباشر الذي كانت تتوجه به للملك الحسن الثاني كما تعرض عبد السلام ياسين للاعتقال مرة أخرى لمدة سنتين قبل أن يتم فرض نوع من المراقبة الأمنية على بيته ابتداء من 30 دجنبر1989 استمرت لمدة'عشر سنوات.
ومع ذلك فقد ظل عبد السلام ياسين هو أبرز شخصية داخل الجماعة، كما تميز بحضوره الدائم عبر الكتابة الغزيرة وعبر إطلالاته المتكررة عبر الموقع الإليكتروني للجماعة على الأنتيرنيت وعبر موقعه الشخصي أيضا.
كما أقدم على توجيه رسالة ثانية إلى الملك محمد السادس مباشرة بعد توليته العرش سنة 1999 يعيد فيها تذكير الملك بضرورة التوبة والعدل مع الرعية على شاكلة توبة عمر بن عبد العزيز،'مع حثه على ضرورة تسوية المظالم المرتكبة في عهد أبيه.
تعامل الملك محمد السادس جاء مختلفا وأقدم على رفع الإقامة الجبرية المفروضة على عبد السلام ياسين منذ عهد والده..
توفي الأستاذ المرشد بعد مسيرة طويلة من الدعوة في سبيل الله..أزيد من أربعة عقود قضاها في التربية والتأليف والتنظيم والجهاد ورص صفوف الجماعة عن طريق التوجيه والإرشاد والحث على التربية ثم التربية ثم التربية..
ورغم أن الجماعة أخذت صبغة مؤسساتية شورية فإن مركزية الشيخ عبد السلام ياسين كانت تظلل جميع الخطوات في مسيرة الجماعة.
طبعا، قراءة الأفكار السياسية والتربوية للمنظر الوحيد داخل الجماعة لا تكفي لوحدها لرسم صورة جامعة حول التعقيدات التي تحيط بالمواقف السياسية 'التكتيكية'، فهناك عوامل أخرى مرتبطة ب'سيكولوجية الجماعة' وبالتقاليد التنظيمية الظاهرة والخفية التي تتحكم في التنظيم لا يستطيع المراقب الخارجي الإلمام بتفاصيلها الدقيقة، لكنها بالتأكيد موجودة داخل الجماعة وإن كان من الصعب أن تكشف عن خريطتها الفكرية والسياسية داخل تنظيم حريص على إبراز صورة متماسكة أمام الرأي العام الخارجي ويمارس اختلافاته الداخلية باحتشام كبير. ظلت الجماعة تثير الكثير من التساؤلات لدى المتابعين لحركية الإسلام السياسي في العالم العربي، فهي جماعة مختلفة في أدبياتها الفكرية عن باقي الحركات الإسلامية في العالم العربي«'
كما يلاحظ العديد من المراقبين بأن تموقعها السياسي المعارض معارضة صريحة لطبيعة نظام الحكم في المغرب، لا يواكبه وضوح كامل حول طبيعة النموذج السياسي الذي تسعى الجماعة لتحقيقه على الأرض.
بالمقابل يسجل للجماعة وضوحا كاملا في المواقف المرتبطة بنبذ العنف والسرية والتعامل مع الخارج، ذلك أن الأستاذ عبد السلام ياسين كان سباقا إلى نبذ العنف وإلى التنبيه إلى آثاره المدمرة على مشروع الدعوة، وهو بذلك يكون من المساهمين في ضمان الاستقرار في البلد وإنقاذ آلاف الشباب من الوقوع في براثين الغلو والتطرف..
عبد السلام ياسين كان سباقا أيضا إلى نبذ السرية والتنبيه إلى خطورة التنظيمات السرية وأثرها على الدعوة، كما يسجل للرجل رفضه الاستعانة بالخارج في التدافع السياسي الداخلي..
ورغم ما يظهر على الجماعة من تشدد في المواقف السياسية ومن عنف لفظي في بعض الأحيان فهي تبقى جماعة مسالمة تؤمن بالحوار وتدعو إليه.. 
بالمقابل هناك ثلاثة تحديات أساسية ترتسم أمام الجماعة في اللحظة الراهنة: 
ـ التحدي الأول هو النجاح في تدبير الانتقال بطريقة ناجحة، ليس فقط تدبير الانتقال في من يخلف المرشد على رأس الجماعة ، ولكن أقصد بالانتقال: انتقال وعي الجماعة من جماعة متمركزة حول محورية الأستاذ المرشد إلى تنظيم مؤسساتي يتمثل قيمة الشورى والديموقراطية بشكل حقيقي.
ـ التحدي الثاني هو تحدي الحفاظ على المخزون التربوي الذي سطره الأستاذ عبد السلام ياسين وتحصين الجماعة من الفتن التي يمكن أن تعصف بها نتيجة التنازع، الذي يمكن أن يدب إلى الجماعة بعد رحيل الأستاذ المرشد الذي كان يمثل ضمانة للتوازن داخل الجماعة، ومرجعية لتذويب الخلافات وتهدئة النفوس في لحظات الأزمات والعواصف، والعض بالنواجذ على التربية ثم التربية ثم التربية...
ـ التحدي الثالث هو تحدي التجديد الفكري والاجتهاد السياسي، وامتلاك القدرة على تحويل الأفكار النظرية التي بسطها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى برامج عمل قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وهو ما يتطلب اقتحام عقبة الإشكاليات الكبرى ومناقشتها بكل جرأة وشجاعة، من قبيل علاقة الدين بالدولة أو علاقة رجال الدعوة برجال الدولة بتعبير الأستاذ المرشد، وفي ارتباط مع ذلك مناقشة علاقة الجماعة الأم بالدائرة السياسية، هل هي علاقة تبعية 'رجال السياسة' ل''رجال الدعوة'، أم إن مجال السياسة بطبيعته مجال مختلف؟ ومن تم تدقيق العديد من الإجابات المرتبطة بنموذج الدولة التي تؤمن به الجماعة وتخطط لإقامته على الأرض.. 
كل ذلك مرتبط بالوعي السياسي للجماعة، ولكن مرتبط أيضا بالظروف السياسية في البلاد ومدى تقدمها في المسار الديموقراطي.. هذه جملة من التساؤلات والإشكاليات الكبرى التي تطرح على جميع الحركات الإسلامية في العالم وليس فقط على جماعة العدل والإحسان، ويمكن للجماعة بما تمتلكه من خزان بشري أن تبدع العديد من الأطروحات النظرية والبرامج العملية التي تمكنها من التحول إلى فاعل مؤسساتي مباشر خصوصا في ظل المتغيرات الجديدة المرتبطة بمرحلة الربيع العربي الذي لم يستكمل دورته بعد...
عبد العالي حامي الدين
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد العالي حامي الدين

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل