المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

"ماتبوسوش التلاميذ : ماتبوسني مانبوسك"

الخميس 17 أبريل 2014


 
منذ أيام قليلة،نبعت فتوى دينية غريبة المنحى والمبنى، من قلب البيوت الهارونية نسبة إلى هارون الرشيد،لفقهاء النفط،مفادها تحريم الاختلاء بغلام وسيم،والجلوس معه بشكل منفرد،لأن من شأن ذلك،أن يقطع فراملك الجنسية،فتنقض عليه،وتقضي حاجتك…،ياسلام !على فطنة أهل علم آخر الزمان.
ومن بين أخبار دولة الإمارات العربية المتحدة،وصلنا واحد منها،مفاده منع ثلاث فتيان في غاية البهاء والحسن،من حضور مهرجان،بهدف الحيلولة دون حدوث الفتنة،لأن نساء ذلك البلد قد يقدمن على إشعال ثورة،إذا رأين عن قرب طلعة هؤلاء الشباب… .أي جماعة إنسانية هاته،التي لازال همها الوجودي منحصرا عند القضيب والمؤخرة؟اللهم نسألك،سلامة العقل والكفاف والعفاف والتنزه عن الدنايا .فمسؤولوا تلك البلدان،المتباهين بالأبراج الصاروخية وناطحات الشمس وكواكبها،والملاعب الرياضية السابحة وسط مكيفات هوائية،عليهم أولا بالمطلق،التفكير في إقامة أبراج بشرية تتطاول عقلا وليس إسمنتا،قصد الارتقاء بالبشر نحو المنطقة العليا وتذكيرهم بأن ماتحت الحزام،مجرد ممكن ضمن إمكانيات لانهائية لكائن اسمه الإنسان.
أستحضر في هذا السياق أيضا،واقعة بل هي طرفة بالأحرى،حكاها إلي أستاذ،تؤرخ لأول يوم من التحاقه للعمل بإحدى ثانويات المغرب العميق.فقد أوصاه مدير المؤسسة من بين أشياء أخرى،بعدم التحدث إلى التلاميذ خارج الفصل الدراسي أو مصاحبتهم في الطريق،ثم خاصة ضرورة حرصه الدقيق أن لايربت على كتف أحدهم، فما بالك بإحداهن، ولو استحسانا لموقف من المواقف؟لأن من شأن هذا،أن يحسب له بالمقلوب ويعود عليه بنتائج عكسية.بمعنى،قد يدخل في عداد ما بات يعرف حاليا عند الجميع ب"التحرش".المدير،لم يشر تحديدا إلى المفهوم،غير أن المدرس بحدسه استوعب سريعا خلفيات الوصية،مع العلم والعهدة على الراوي دائما،أن الجماعة موضوع التحذير،لا يمكنك حتى أن تتخيل مجرد التخيل، إن حدث وكنت شاذا،أن تترصد أجسادهم ولو نظريا،مادام أصغرهم سنا وأضعفهم شكيمة،يفوق في تصحره تصحر حيوان الجمل.
إذن،"ماتبوسوش الأطفال"؟تداعى إلى ذاكرتي على ضوء هذه "الحكمة"،ألبوم بعض الديكتاتوريين الدمويين،الذين كانوا يعدمون معارضيهم كل صباح،وخلال مراسيم الاحتفال،يعمدون عمدا إلى التقاط صور لهم،محاطين بمجموعة من الأطفال،وسيحتضنون واحدا منهم فيقبلونه أو "يبوسونه" بكل وداعة وحنان،ثم يذيعون تلك الصورة إلى عموم الشعب كي تعلق في دور الشباب والحضانة والمستشفيات ومحلات البيع.الرسالة واضحة :الديكتاتور،ليس شرسا كما تظنون ،بل طيب صاحب قلب،يهيم بالأطفال،والأخيرين باعتبارهم رمزا للبراءة الكاملة،لايعرفون سبيلا للنفاق والكذب والخداع،بالتالي، إذا افتتن بك الأطفال،فأنت جدير بالحب.
عندما كنت صغيرا،في سلك الابتدائي وبالضبط مطلع سنوات الثمانينات ،أظهرت باستمرار عن صنيع جيد في التحصيل العلمي،فأستظهر عن ظهر قلب إحدى السور القرآنية أو قصيدة شعرية أو نشيدا بالفرنسية،يقف المعلم بجانبي ملاحقا دقائق أنفاسي كي لا أخطئ،موجها نحوي  بعصا زيتون من النوع الممتاز،وأنا أتلصص بين الفينة والثانية على بوصلة تقلبات إيماءات وجهه الطافحة ملامحه،الشبيهة بملامح صعيدي مصري.ذلك،أن مصيري عالق بمدى تقلص أو انبساط أساريره،بحيث غالبا ما تنتهي النتيجة لصالحي.وقتها،يمرر المعلم أنامله رغم خشونتها بحنان على رأسي،فأبدي انقياذا مثل قط ناعس.غير ما مرة ،يستفيض في مدحي أمام الجميع بزهو،ويخبرهم بأني مثل ابن له بل أنا كذلك وهو في مقام والدي.كم،كنت أستعيض بدفء يده على شعري،على فقد الأب ورحيله قبل الأوان،فأستعيد توازن الحنان الغائب،وتغمرني طاقة لامثيل لها. !كم أحن في اللحظة الحالية، إلى حجرات مدرستنا الابتدائية،وأجواء تلك الأيام!
اليوم طبعا،اختفت هذه الحميمية المقدسة،العادية والصافية،لأن العالم تغيرا جذريا نحو الأسوأ،فتلاشت القيم بشكل مريب،ولم يعد المعلم معلما والتلميذ تلميذا،تداخل كل شيء بكل شيء،بالتالي مانسمعه حاليا من فظائع على جميع المستويات،لايدعو في الحقيقة إلى حرب أهلية بين الأطفال والكبار بناء على حل "ماتبوسوش الأطفال" ،لكن على النقيض من الدعوة كليا،نحن في أمس الحاجة إلى منظومة مجتمعية محكومة بفلسفة الأطفال،حيث الصدق والوضوح والصفاء الروحي،مادام أنه كلما تقدم بنا العمر في ظل سياق سوسيو-تربوي،كما الشأن مع واقع مجتمعنا،إلا وازددنا جبنا ونفاقا وبهتانا وكذبا وتملقا ومداهنة وارتداء للأقنعة،من أجل مصالح عابرة، لاغير.
"ماتبوسوش الأطفال"،خوفا من التهمة الجاهزة،يعني أننا غدونا نعيش بألف وجه،فاختفى تماما البعد الإنساني من حياتنا،المستند على عفوية المشاعر وانسيابها الطبيعي،فانتهينا إلى عالم بوليسي، أصم، أبكم، أعمى،لاحياة فيه،محكوم معه الفرد برعب أجهزة التصنت والمراقبة،كما وصفها جورج أورويل في روايته الشهيرة.
أن يبقي كل واحد منا على طفل نقي يسكن دواخله،هو مابوسعه إعادة المجتمع إلى رشده،ويسرع به نحو أن يكبر مع الكبار،مثلما ينبغي وكما يجب.أما فوبيا،"ماتبوسني مانبوسك"،فهي هستيريا مرضية تحتاج إلى جرعة علاجية على وجه السرعة.      
 
1
 
د. سعيــد بوخليــط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د. سعيــد بوخليــط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل