مائة عام على ولادة البير كامو

الاثنين 11 نونبر 2013

مائة عام على ولادة البير كامو
اظن اني لا ابتعد كثيرا عن الحقيقة ان قلت ان كامو كان من اهم فلاسفة القرن العشرين تاثيرا. من (اسطورة سيزيف) الى (الطاعون) الى (الغريب) المثقلة بالاسئلة الوجودية نجد انفسنا في قلب فكر التمرد لدى كامو حيث الاسئلة الكثيرة حول الوجود الانساني وحول المفاهيم الكبرى مثل الحرية الخ. اسئلة تدور حول الشقاء الانساني الذي انشغل به كامو الذي يعبر عنه في اسطورة سيزيف اليونانية التي تمثل صعود سيزيف الى الجبل وما ان يصل اليه حتى يسقط لكي يعود ثانية وهكذا دواليك.. وهكذا هو فكر كامو خليط من التمرد والعبثية.
وربما البحث عن التماسك او عن مرجعية ما في ظل هذه العبثية، لان حياة الانسان كما يراها كامو هي شقاء متواصل لا بد من مقاومته وبالتالي ان يموت وهو في حالة تمرد على كل شيء. وقد قرأ وعلى الاغلب تأثر بفكر الفيلسوف الالماني شوبنهاور الذي عرف بفلسفة التشاؤم حيث رأى الوجود كله عبارة عن شر وغياب تام لفكرة السعادة.
على خلاف سارتر صديقه اللدود، كان كامو من اسرة فقيرة ولد في الجزائر من اب فرنسي وام اسبانية لا تعرف القراءة وتعمل في تنظيف بيوت الاغنياء من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر. انضم كامو للمقاومة الفرنسية عام 1942 وكان يحرر صحيفة (كومبا) اي الكفاح السرية. كما كانت له مواقف ضد الشمولية الستالينية .
لكن يبدو ان كامو رغم فكره المشبع بالتمرد وتعاطفه مع الشعب الجزائري، لم يصل لمرحلة يؤمن فيها تماما بحق الجزائر في بناء مستقبل بعيدا تماما عن فرنسا . الامر الذي جعله يصمت في اواخر حياته عن الادلاء برأيه في هذه القضية التي قسمت النخب الفرنسية يومها. لكني اعتقد انه لو عاش عامين فقط ليرى استقلال الجزائر عام 1962 لكان على الاغالب من اول المرحبين به.
كان كامو يعيش في زمن لم يكن الغرب قد وصل فيه لمرحلة يتنازل فيها عن (الايغو الاثني) وكان الغرب (و ربما ما زال الى حد ما) يتحدث بلغتين: لغة الديمقراطية لشعبه وممارسة سياسة الغاء حق الاخرين ان يعيشوا بحرية ويقرروا حياتهم بعيدا عن المركزية الغربية.
لكن كامو كان يجد نفسه دوما في صف العدالة (ان منطق التمرد هو الرغبة في خدمة العدالة كي لا يزيد في ظلم الوضع .. والسعي الى الكلام الواضح كي لا يُكثف الكذب العام) وهي جملة تذكرني بجملة جورج اورويل الرائعة (في زمن الخداع العام يصبح قول الحقيقة عملا ثوريا! ).
في مسرحية كاليغولا التي يبدع فيها كامو ويصورا ملامح الشخصية المريضة للامبراطور الروماني الذي كان يملك خيالا رهيبا يتفنن من خلاله في كيفية القتل حيث يقول كامو على لسان الامبراطور (لا ارتاح الا بين الموتى!) وفي جملة اخرى يتماهى الامبراطور تماما مع الموت القاتل ليعلن انه الطاعون نفسه الذي يقتل البشر! 
و في رواية الغربيب لم تكن فقط عن ذلك الاوروبي الذي قتل ولدا عربيا على شاطى بحر الجزائر، بل ربما اعلانا من كامو على تمرد عام ورفض لكل الحدود الوهمية التي تربط البشر.فقد عاش زمن الحرب الثانية عندما كانت جثث الاصدقاء والاعداء بالملايين تنتشر رائحة الموت في في عموم القارة. في زمن باتت فيه اوروبا ارض خراب حسب قصيدة ت.س. اليوت المشهورة. كان ربما موقفا حاسما ضد النيتشوية والهيغيلية اللتين تمجدان ثقافة القوة. وبلغ هذا التمجيد ذروته عندما وصلت سنابك خيول نابليون اوروبا واعلن هيغل (نهاية التاريخ. (
وربما فكر كامو بنفسه كغريب وهو يكتب هذه الرواية. فقد كان يعرف ان مرض السل قد لا يمهله كثيرا. وكان عليه ان يكتب بسرعة وهو مدرك لعبثية الحياة في ظل موت قد ياتي في اي لحظة!
د. سليم نزال / فلسطيني


معرض صور