المراكشية : بوابة مراكش

مؤنس الملك لماحي بِــنْبِينْ .. المسيرة الخضراء / 11


| حرر بتاريخ 28/05/2020



تنقل رواية "مؤنس الملك" للكاتب والفنان التشكيلي المغربي ماحي بنبين لـ "حكاية تفيض بسحر الحكايات الغابرة"، فيما "تغرق في كابوس مأساة إنسانية". هي أكثر من رواية تنحصر أحداثها ومصائر أبطالها بين دفتيها. رواية بقدر ما هي ممتعة بمضمونها، يمكن اعتبارها "وثيقة" يستعيد من خلالها القارئ أحداثا ووقائع وشخصيات مؤثرة طبعت التاريخ المعاصر للمغرب، خصوصا ما ارتبط منها بحكم الملك الراحل الحسن الثاني، من قبيل المحاولة الانقلابية الفاشلة في 1971 أو حدث المسيرة الخضراء في 1975.


المسيرة الخضراء
يعيدنا السارد، في "مؤنس الملك"، إلى حدث تاريخي مفصلي في تاريخ المغرب المعاصر. يتعلق الأمر بـ"المسيرة الخضراء"، التي قال عنها إنها "حادثة على جانب كبير من الأهمية والصخب".
ثم زاد: "غيرت شخصية سيدي بشكل ملموس".
خلال حديثه عن حدث "المسيرة الخضراء"، سيقول السارد إن "ثمة قرارات لا أحد يرغب في أن يرغم على اتخاذها"، مشيرا، في هذا الصدد، إلى أن إرسال آلاف الأشخاص إلى الصحراء، سلاحهم الوحيد قرآن وعلم، "مسألة كفيلة بأن تثير توتر أي إنسان".

قبل أن يواصل: "لا، لا يمكن الخروج من مغامرة كهذه بدون آثار ... منحتني مهنتي الفرصة لكي أكون شاهدا على حادثة تاريخية، غيرت البلاد تغييرا جذريا. كانت الاستعدادات لعملية بهذا الحجم تشغل بال مولاي ليل نهار. فلم يكن يعيش، أو يفكر، أو يتنفس إلا من أجل تلك المغامرة التي رأيتها تبصر النور وتنضج وتسري في أنحاء المملكة كالنار في الهشيم".
يعود بنا السارد إلى الأجواء التي طبعت حدث "المسيرة الخضراء"، محليا وعالميا، مشيرا إلى أن البلاد كانت تعيش فورة وغليانا، والأغاني الوطنية صدحت على موجات الأثير حيث وضع الفنانون المتحمسون مواهبهم في خدمة الأمة، فوجهوا جهودهم وأنظارهم كلها، على إيقاع التاريخ، نحو هدف وحيد هو الصحراء، فـ"باتت القضية أولوية وطنية، وتوحدت الصحف على صوت واحد يلهب حماسة الجماهير، ويؤجج مشاعرها الوطنية لاستعادة المقاطعات الجنوبية"، ووسط تلك الحركة الدائبة "استعادت بوابات الجنوب عزها السابق وأمجادها، ورجع إليها زمن الازدهار حين كانت شحنات الذهب والسكر والتوابل تمر عبرها".
يتحدث السارد عن مهندس "المسيرة الخضراء" وطريقة تفاعله مع التحضيرات التي كان يتابعها، حيث نقرأ: "كانت الآلة المشحونة بالخطر والتي ابتكرها سيدي تستعد للسير. وكان حجمها يجعله يتصبب عرقا بادرا برغم ما كرس له من تفكير، كان سيدي يتابع التحضيرات دقيقة بدقيقة، ويشرف على العمليات بدقة كبيرة، وتوقف عن النوم والأكل، وراح يدخن السيجار تلو السيجار، ويشرب القهوة بلا توقف، ويتحدث عبر الهاتف بلغات متنوعة وكثيرة. إن عملا كهذا لا يمكن أن يأتي به إلا شخص مجنون أو عبقري. ولكن الرهان قد حسم ويجب السير حتى النهاية. حلت التوقعات المتشائمة محل تفاؤل الأيام الأولى: ماذا لو أن جيش المستعمرين المذلول أطلق النار على الحشود ...؟
لا يمكن استثناء احتمال كهذا. آنذاك سيعد سيدي مسؤولا عن مجزرة مروعة. فالرجال والنساء الذين أتوا من كل أنحاء المملكة، حالما أيقنوا أن سلامة أراضي المملكة في خطر، سيموتون لأنهم لبوا نداء ملكهم !".
يقربنا السارد من الحالة الذهنية للملك الراحل، خلال التحضير لهذا الحدث التاريخي، ومن ذلك إشارته إلى مضي "أيام ثلاثة لم يظهر خلالها الملك"، وكيف أنه "حبس نفسه في مكتبه، رافضا رؤيتنا، مبتعدا عما يقلقه، ويعذبه، ويثير اضطرابه"؛ قبل أن نكون مع حوار جمع السارد بالملكة الأم، جاء فيه:
- مضت أيام ثلاثة لم يأكل الملك خلالها.
- أعرف يا لالة.
- ما فائدتك إذا لم يكن بوسعك حل هذه المشكلة يا محمد؟
- لا يريد أن يرى أحدا يا لالة.
- أنت تعرف أن حججك مرفوضة ! أنا أنتظر معجزات من شخص له مهارتك. استيقظ يا محمد ! شغل رأسك.
- أبذل قصارى جهدي يا لالة.
- المسيرة التي يُعد لها لن تلقى النجاح إذا توقف ملكك عن الأكل. هذا الصيام قد يفسد كل شيء !
- سيدي يهدد بمعاقبة من يخالف تعليماته !وهو يرفض لقاءنا.
حدقت لالة في عيني اللتين حاولتا التهرب من نظراتها.
- انظر إلي يا محمد. اجعل مولاك يأكل. عليهم أن يجلدوني قبل أن يمس أحد شعرة من رأسك". 
نجحت "المسيرة الخضراء" في ربط شمال المغرب بجنوبه، غير أن السارد لم ينس أن يضعنا في صلب سؤال آخر، يفسر الحالة الذهنية التي كان عليها الملك قبيل إعطاء انطلاقة هذه المسيرة، والتي تتعلق بالنتائج التي يمكن أن تتمخض عن الفشل، إذ يقربنا من الأفكار التي كانت تراود الملك الراحل، حيث نقرأ:"كنا وقبل أيام من المظاهرة، نشرب الشاي في باحة القصر، فأطلعني سيدي على هذه الفكرة بكلمات لا تشبهه: "إذا فشلت هذه المسيرة، فما علينا إلا أن نجمع حقائبنا ونرحل !"، أجهل إذا ما كان الملك يتوجه بتلك الكلمات إلى خادمه أو إلى نفسه. غير مهم ! انطلقت بي مخيلتي إلى طرق الشمال، فرأيتني أحمل على ظهري حقيبتي وحقيبة مولاي، هاربين من انتقام شعب غاضب. رأيتني أسير خلف سيدي حاني الرأس، بين صفين من الرجال والنساء، يبصقون علينا ويشتموننا ويرموننا بالحجارة".

عن موقع إيلاف



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة