مدونة مؤقتا لنكون معكم داخل البيوت … لنكن متفائلين
المراكشية : بوابة مراكش

مؤنس الملك لماحي بِــنْبِينْ .. العلاقة مع الشاعر ابن ابراهيم / 4


| حرر بتاريخ 15/05/2020



تنقل رواية "مؤنس الملك" للكاتب والفنان التشكيلي المغربي ماحي بنبين لـ "حكاية تفيض بسحر الحكايات الغابرة"، فيما "تغرق في كابوس مأساة إنسانية". هي أكثر من رواية تنحصر أحداثها ومصائر أبطالها بين دفتيها. رواية بقدر ما هي ممتعة بمضمونها، يمكن اعتبارها "وثيقة" يستعيد من خلالها القارئ أحداثا ووقائع وشخصيات مؤثرة طبعت التاريخ المعاصر للمغرب، خصوصا ما ارتبط منها بحكم الملك الراحل الحسن الثاني، من قبيل المحاولة الانقلابية الفاشلة في 1971 أو حدث المسيرة الخضراء في 1975.


لا تستعيد رواية "مؤنس الملك"، فقط، علاقة الفقيه بنبين بالملك الراحل الحسن الثاني. في واقع الأمر، تبقى علاقة المؤنس بالملك حصيلة علاقات سابقة، لعل أبرزها علاقته بالشاعر محمد بن إبراهيم، وهي العلاقة التي يقر السارد أنه قد كان لها دور مؤثر في حياته، حيث يقول: "بدأ كل شيء بصداقة لا تخطر ببال"، في إشارة إلى علاقته بـ"شاعر الحمراء"، الذي يقول عنه إنه "كان ومن دون أي منازع أكبر شاعر عرفته بلادنا"، قبل أن يقترح علينا لمحة عن الوجه الآخر من شخصية وحياة هذا الشاعر، حيث يتوسع في استعراض بداية صداقتهما، قبل التوقف عند "العلاقة التجارية" التي نشأت بينهما، حيث يقول: "كيف أقول ذلك من دون أن أبدو في نظركم نصّابا؟ كنت أحفظ تماما كل القصائد التي ينشدها وهو في حالة سكر . وحين يستعيد وعيه في اليوم التالي في مطبخ الباشا، أبيعه إياها بسعر باهظ".

يواصل السارد استحضاره لابن إبراهيم، "الرجل الاستثنائي" الذي، بغير معرفة منه، ترك في مسار حياة الفقيه بنبين "أثرا عميقا". يقول موضحا: "يمكنني أن أقول اليوم، برغم شعوري بشيء من الخجل، إن هذا الرجل هو صانع ثروتي بكل ما في الكلمة من معنى. برؤيته تعلمت أن أعيش وأضحك وأغني. وأخذت عنه دهاءه. تعلمت كيف أباغت من يناقضونني، فأهاجمهم وأحول حججهم الواهية إلى موضوع هزء، حتى إنني أحيانا كنت أثير صدمة الآخرين من دون اكتراث، راسما على فمي ابتسامة زهو كابتسامته".
يحسب لرواية "مؤنس الملك" احتفاؤها بشاعر كبير لُقب بـ"شاعر الحمراء"، وهو اللقب الذي سمى به نفسه، في مختتم قصيدة "من المغرب الأقصى أتتك تحية"، التي ألقاها، خلال زيارة للبقاع المقدسة، في 1937، أمام الملك عبد العزيز آل سعود، حيث نقرأ: "من المغرب الأقصى أتتك تحية / يبلغها عن أهله شاعر الحمرا".

لم تكن لبن إبراهيم، كما يقول الدكتور أحمد شوقي بنبين في مقدمة "روض الزيتون .. ديوان شاعر الحمراء"، مكانته المميزة وبصمته الخاصة بين معاصريه، فقط، بل كان نمطاً وحده في شعراء المغرب الحديث. ردد أشعاره وتملى بنوادره الكبير والصغير، والمثقف والعامي، ففاقت شهرته حدود مسقط رأسه، وذاع صيته في مدن المغرب، وامتد إلى دول المشرق".
يستعيد أحمد شوقي بنبين، الذي قام بالضبط والتنسيق والتعليق على "روض الزيتون"، ضمن منشورات الخزانة الحسنية بالرباط، ما ميز حياة بن إبراهيم، فيقول إن "المتتبع لحياة شاعر الحمراء والواعي بما أحاط بها في كل مراحلها من دقيق المناسبات والظروف، يجد أنها سلسلة جلسات من السهر والسمر، وحلقات من لقاءات متواصلة مع الأحباب والخلان، يتبادلون خلالها النكتة البارعة، والمثل الشارد، والبيت المأثور، ويتجاذبون فيها الأحاديث الرائعة، والألغاز المعبرة، وقد تتمخض أحياناً عن مساجلات للشعراء غالباً ما يكون بن إبراهيم الموحي بها، أو الداعي إليها. فراجت أشعاره، وذاعت نوادره في الناس حتى نسب إليه الكبير من الملح".

عاكس ابن إبراهيم، الذي ولد سنة 1900 بمراكش حيث حفظ القرآن في صغره بروايتي ابن كثير وأبي عمر البصري كما حفظ كثيراً من المتون العلمية قبل أن يتابع دراسته في ابن يوسف والقرويين، رغبة والده، الذي كان يريده أن يصير رجل دين. يقول أحمد شوقي بنبين: "كان أبوه شديد التدين، متمسكاً بالشرعيات، فأراد أن يكون ابنه محمد فقيهاً، وربما متسماً بما يتسم به الفقهاء من الورع والوقار".
في هذا، كتب الوزير والأديب أحمد التوفيق، عن "شاعر الحمراء"، في تصدير "روض الزيتون": "شاعر تأدب بين الفقهاء ولكنه أبى أن يسمع الفقيه الذي هو تحت برنوسه، لأنه آثر أن يكون نائماً عندما يستيقظ الواعظ، وأن يكون ثملاً عندما ينام الناسك (...) كان له في تقاليد الشعر الذي استلهمه أجداد من المستهترين والقلقين والمجانين والوصافين والمداحين والهجائين والبكائين ذوي الحنين المملقين، ولكنه استقل بأسلوب خفيف طريف نقل به هذه الأغراض إلى عصره وبيئته، فهو شاهد عن البيئة والوقت بحق، وهو لسان ذلك الوجع ومرآة تلك المحنة في الفهم. وهو كأي شاعر أصيل محشو بالمتناقضات المنطقية، لأنه أنبوب شديد التوصيل، يحمي وطيس نفسه ويبرد بسرعة ناشزة عن التوقعات".
كوكب الشرق
يحضر "شاعر الحمراء"، الذي يشير السارد إلى أن شعره بقي، بعد موته يوم 27 سبتمبر 1954، محفوظا في ذاكرة الناس وبعض الأوراق التي توزعت هنا وهناك، حين سيأتي السارد في رواية "مؤنس الملك" على ذكر زيارة كوكب الشرق أم كلثوم إلى مراكش، نهاية ستينيات القرن الماضي، حيث يقول: "تسنى لي شرف أن أكون دليلا لها. تلوْت على مسمعها كثيرا من قصائد ابن إبراهيم، "شاعر الحمراء" – كانت مراكش، التي ينتمي إليها كلانا، تلقب بالمدينة الحمراء. تأثرت المطربة الكبيرة بهذا الشعر الفريد من نوعه، والذي جادت به قريحة رجل استثنائي". وزاد السارد أنه بعد أيام قليلة ستحيي "الست" حفلة غنائية خاصة للملك. يقول: "في تلك المناسبة أتت على ذكر ابن إبراهيم الذي بقيت أعماله مبعثرة وضحية الإهمال.

كما عبرت للملك عن إعجابها بذلك الشاعر الذي يضاهي عمر الخيام برأيها، وعن رغبتها في أن تغني قصائده وتحتفي بعبقريته الفذة. شعر الملك بالمفاجأة وبشيء من الصدمة، فوعدها بأن يعالج بسرعة هذا الخطأ الذي لا يغتفر. وبعد رحيلها، استدعى في الحال كل الذين اطلعوا من قريب أو من بعيد على أعمال ابن إبراهيم الأدبية. وسمح لهم بدخول مكتبة الباشا التي صادرتها السلطات، وأمرهم بأن يجمعوا في أسرع وقت أعمال الشاعر المبعثرة. وهو ما تحقق في الأشهر القليلة التالية. ولا شك في أنني كنت أحد الذين أوكلت إليهم هذه المهمة. حين قدم ديوان ابن إبراهيم إلى الملك، أقام على شرفنا مأدبة عشاء فاخرة. كان جلالته يشعر بالسعادة والضيق في الوقت عينه، لأن الشاعر قد ألق قصائد كثيرة جدا في مدح الكلاوي، الذي كان ألد أعداء الملكية. في خلال العشاء خاطبني الملك:
- أسمعني هجاء نظمه ابن إبراهيم بحق ذلك الباشا المتعاون.
ساد صمت القاعة.
- يا صاحب الجلالة، أجبته، لا أتذكر أنه فعل ذلك، ولا أظن أن ثمة قصيدة هجاء بحق الباشا. ولكن لو فعل ابن إبراهيم ذلك، لما حفظت قصيدته.
- ولماذا؟، سألني الملك مستهجنا.
- لأنني أكلت في منزل ذلك الرجل، ونشأت في ظل حمايته. لقد مات طبعا، ولكنني لن أكون من يلطخ ذكراه.
آنذاك ساد القاعة صمت أشد وقعا. أيقن رجال الحاشية الذين يعرفون الملك أن نهايتي وشيكة. ثم علت همهمات احتجاج سرعان ما أخرسها الملك فجأة. والتفت إلى زمرة المتزلفين المحيطة به، وقال لهم:
- هذا رجل مخلص، ولن يكون أحد منكم مثله أبدا.
غارت الرؤوس بين الأكتاف، وارتسم في تلك الوجوه التي اعتادت تغيير ملامحها بسرعة تعاطف مفاجئ. لقد أكسبني إخلاصي خمسة وثلاثين عاما في القصر. رافقت الملك ليل نهار في مدن المملكة كما خارجها".

ما جاء على لسان السارد في "مؤنس الملك"، يحضر في مقدمة ديوان "روض الزيتون"، الذي أعيد نشره، في طبعة ثانية، من جزأين، في 2002، متضمناً عدداً من أشعار "شاعر الحمراء"، بالإشارة إلى أنه جمع وطبع بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني. يقول أحمد شوقي بنبين، في ذات المقدمة: "إن قصة جمع ديوان شاعر الحمراء ترجع إلى سنة 1968، حينما قرر جلالة المغفور له الحسن الثاني أن يجمع ديوان شاعر الحمراء الذي ما فتئ الناس يرددون شعره، ويتندرون بنكته في المجالس والمنتديات وفي المنتزهات والأسواق. فانتدبت للقيام بهذا العمل لجنة علمية من علماء مراكش وأصدقاء الشاعر، وهم على التوالي: أحمد الشرقاوي إقبال، والطيب المريني رحمه الله، ومبارك العدلوني، ومحمد بنبين، وعلي بلمعلم التاورتي رحمه الله، وبعد جهد كبير استطاعت اللجنة جمع ما بقي من شعر الشاعر عند الخاصة، وما كان منشوراً في الصحف والمجلات، وقدمته ديواناً مخطوطا لجلالة الملك في أبريل 1969، وحفظ بالخزانة المولوية(الملكية). وبعد مرور حوالي ثلاثين سنة ارتأى جلالته أن يطبع الديوان، فأنيطت بي مهمة إعادة قراءته، وتخريج مضامينه، والقيام بكل ما تدعو إليه عملية الضبط والتنسيق والتعليق من جهد علمي مضن يعرفه ذوو التجربة في هذا المجال".

عن موقع إيلاف
مؤنس الملك لماحي بِــنْبِينْ .. العلاقة مع الشاعر ابن ابراهيم / 4



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة | Almarrakchia






8CD913E4-4BFE-4976-92FC-EA44C3DB4263
8AEED751-C7FD-4F63-AD20-3129E4E08440
A9C2ADA5-0811-4D26-A569-FA64141F1A54
DE154AFC-C74B-462C-B721-115006ECAF3D
FA6F3194-2A29-4353-8F6E-0985EEAD7431
81DCF7E5-174A-4E08-80E7-692A8557DAC7
9FAE6B31-4524-41A2-8300-5B6281F674E1
161F1C35-837C-4728-813D-E27E3D726E3B

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة