المراكشية : بوابة مراكش

مؤنس الملك لماحي بِــنْبِينْ .. أُذْنُ الملك / 6


المراكشية | حرر بتاريخ 17/05/2020



تنقل رواية "مؤنس الملك" للكاتب والفنان التشكيلي المغربي ماحي بنبين لـ "حكاية تفيض بسحر الحكايات الغابرة"، فيما "تغرق في كابوس مأساة إنسانية". هي أكثر من رواية تنحصر أحداثها ومصائر أبطالها بين دفتيها. رواية بقدر ما هي ممتعة بمضمونها، يمكن اعتبارها "وثيقة" يستعيد من خلالها القارئ أحداثا ووقائع وشخصيات مؤثرة طبعت التاريخ المعاصر للمغرب، خصوصا ما ارتبط منها بحكم الملك الراحل الحسن الثاني، من قبيل المحاولة الانقلابية الفاشلة في 1971 أو حدث المسيرة الخضراء في 1975.


يذكر السارد أن "الملك لم يكن ممن يمكن توقع ردّات فعلهم، فقد كان قادرا على إنزال قصاص عنيف لأتفه الأسباب، كما على المسامحة على أفدح الأخطاء"؛ قبل أن يعترف بأن قربه من الملك كان يمنحنه غرورا لا يمكنه إخفاؤه، ونوعا من السلطة كان يرى قوتها في نظرة خصومه الملتمعة. يقول: "الواقع أنني كنت أملك السلاح الأكثر إثارة للخوف في نظام الملكية المطلقة، أي أذن الملك. فالثناء على حسنات شخص ما أو القضاء عليه رهن بتلميح بسيط أدرجه في جملة عابرة. وملاحظة واحدة كانت تكفي لزرع الشك في ذهن سيدي. الوقت في وسط كهذا ضيق جدا ولا أحد يكلف نفسه التدقيق في تفاصيل الأمور. القرار يتخذ بسرعة، وغير مهم ما إذا تدرج رأس أو وظيفة في جزء من الثانية. من يملك أُذن الملك يساو الملك قوة. لذلك فهذا القرب الميمون من جلالته هو ما صنع مني ما أنا عليه اليوم. والله يعلم أي جهد بذلته على نفسي لئلا أسيء هذه الحظوة".
يشدد السارد على أن المكانة التي صار يحتلها بالقرب من ملك البلاد لم تكن محظ صدفة، قبل أن يشير إلى أن للنجاح متطلباته ومتاعبه، أعداؤه ومخاطره. يقول: "الموهبة شيء، أما استغلالها فشيء آخر. لعل بيع نفسي بقيمتها الحقيقية كان أولوية بالنسبة إلي في بداية مهنتي، لكنه لم يعد كذلك مع تقدمي في العمر. ومع هذا ظلت ثقافتي تورطني في المتاعب. لم يكن تعييني في وظيفة "مأمور نوم الملك" - التي رغب الكثيرون - هدية، ولا حتى تسمية لوظيفة تخلو من الجهد. فقدرتي على سرد الروايات بطريقة أفضل من رفاقي سببت لي المتاعب الكثيرة، وأججت غيرة لا يمكن تخيلها. كان غيظ أفراد الحاشية يحتدم لمعرفتهم بأنني في غرفة واحدة مع الملك، فينسبون إلي أغرب المكائد، أو طرد موظف مجهول، أو الموت المؤسف لأحد القادة العسكريين على الطريق، أو سقوط حاكم إحدى أبعد مقاطعات الصحراء ... كنت محط لوم الجميع، فبطريقة أو بأخرى خيم ظلي على كل القراءات الصارمة والعنيفة التي اتخذها الملك. وكانت تلك القرارات متعددة. نسب إلي شرف عظيم وهو أنني أؤجج دائما غضب سيدي. كان ذلك ظلما كبيرا. ومهما سعيت إلى المصالحة وتجنب الصراعات، فقد كانت الصراعات تلاحقني وتقض مضجعي".
محاولة انقلابية
يعود بنا السارد إلى فترة قال عنها إنها كانت الأشد ظلمة في حياته كأحد رجال الحاشية، تتمثل في انقلاب الصخيرات الفاشل وتداعياته على مستوى أسرته الصغيرة. يقول: "في بيت الملك لا وجود للحصانة، ولا أحد بمنأى عن أشد العقوبات. لطالما رفعت إلي مطالب في الأزمات الصعبة، وغالبا ما نجحت في تفادي المتاعب. ولكنني مع ذلك، تعرضت كالجميع إلى نصيبي من العقاب. دام ذلك عدة أشهر، وتلك كانت الفترة الأشد ظلمة في حياتي كأحد رجال الحاشية، بل في حياتي كرجل".
يشير السارد إلى أنه عوقب بسبب خطأ ارتكبه شخص آخر، هو ابنه. يقول: "نزل علي العقاب الشديد كالصاعقة غداة محاولة الانقلاب، حيث حام الشك حول مشاركتي في الجريمة. أتذكر ذلك اليوم المشؤوم حين أخذني السيد بريك من ذراعي، مبتعدا بي عن بقية أفراد المجموعة، قادني إلى غرفة مكتبه القريبة من جناح الملك، والتي تشبه صاحبها في برودتها وغياب أي طابع شخصي عنها، يكسو أرضها وجدرانها الخشب الفاخر، وتوحي بأنها محكمة عسكرية. كان بيننا مكتب يليق بشخص مهووس، ليس على سطحه المصقول أي ورقة أو ملف. قال لي السيد بريك: هل تعرف أنني أحبك يا محمد؟ لو كان علي أن أحتفظ بشخص واحد من بين أفراد الحاشية لما ترددت لحظة في اختيارك. هذا أمر يصعب عليك تصديقه، أليس كذلك؟ الثرثرة ليست نقطة قوتي، ومع ذلك فلدي من الفكاهة أكثر مما تتخيله. أنت رجل طيب يا محمد. عرفت ذلك منذ وصولك إلى هذا المنزل. وما يشغل بالك حاليا سيتبدد في نهاية المطاف، بدون أي شك. كلنا نعرف أن لا شأن لك في هذه القضية. لو أنك كنت مطلعا على أي شيء، لتمارضت وغبت عن القصر ليلة الهجوم. المنطق يقول هذا. لكنك كنت حاضرا في المجزرة شأننا كلنا. وكانت حياتك في خطر، مثلنا كلنا. سينصفك التاريخ لأنني كنت حاضرا حين واجهنا الموت، كلنا. كيف أنسى تلك القاعة الصغيرة في الطابق السفلي حيث أحطنا سيدي، وبقينا أسرى لساعات، متراصين، فيما أصوات الرصاص والقذائف الجهنمية تدوي بلا توقف في الطابق الأعلى؟ رأيتك ترتجف يا محمد، مثلنا رأيت الملك مرتبكا، يكاد يكون غائبا عن الواقع، فيما نحن نتلو آيات القرآن. وحين رأيت سيدي يفقد عزيمته ويعجز عن التفكير، قمت بواجبك لإعادته إلينا، فقلت له: 
- سيدي !
- الأسياد هم من يطلقون علينا النار !، أجابك.
- أود التعبير عن رغبتي الأخيرة قبل موتي ...
- عليك أن تتوجه إلى المتمردين يا محمد ! مليكك لا يستطيع شيئا لك.
- سيصغون إليك يا مولاي ! الملك مسموع الكلمة دائما ! قبل أن يطلقوا علي النار، قل لهم ألا يصوبوا إلى رأسي المسكين، فلا ذنب له. ليفرغوا رصاصهم في بطني الضخم، فهو وحده المسؤول عما يجري لي ! هذه المعدة التي لا تشبع أبدا تستحق أن تمزق إربا. وهي التي قادتني إلى هذا القبو حيث أختبئ كجرذ !
أجهل ما إذا كانت ضحكة الملك عصبية أو لا، لكنه قهقه ضاحكا، فأثار ذعر الموجودين لأن أمرنا يكاد ينفضح. بعد فترة قصيرة، وكمن عاد إلى صوابه، قرر سيدي أن نغادر مخبأنا، خلافا لرأي أحد الضباط ... وكان في ذلك القرار نجاتنا.
نعم لقد قمت بعملك حتى النهاية. وأنا مقتنع تماما بأن تدخلك أنقذنا. تحل بالصبر يا محمد، ودع العاصفة تمر".
 
عن موقع إيلاف
 



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة