المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ليل مراكش... جامع الفنا والملاهي..وداكشي

السبت 28 فبراير 2015

من جامع الفنا إلى الملاهي فمخافر الشرطة والمستشفيات

لا يعرف خبايا ليل مراكش إلا رجال الأمن ورواد الحانات والمقاهي والحراس الليليون وبعض أصحاب سيارات الأجرة وممتهنات الدعارة واللصوص أيضا.
الرحلة تكون من جامع الفنا، الساحة العالمية الشهيرة التي تغري السياح، وتخلق بحركيتها وهجا جميلا وجذابا، وتمر تفاصيلها في أحضان كباريهات وحانات وعلب ليلية، قبل أن تنتهي
في الشقق المفروشة، أو في مخافر الشرطة وأقسام المستعجلات. تفاصيل من هذا الليل كما عشناه في الربورتاج التالي:

إنجاز: محمد السريدي


ليل مراكش... جامع الفنا والملاهي..وداكشي
حالة استثنائية تعيش على إيقاعها ساحة جامع الفناء، القلب النابض لمراكش. حركة السير خارج مدارها كثيفة، وعلى طول المساحة التي تسيطر عليها هذه المعلمة، بدأت "اللمبات" الصغيرة تضيء، وبدأ الحكواتيون في سرد أولى حكايات الليل، أما حلقات الراقصين، فهي منذ الإطلالة الأولى للمساء، تكون أمنت نفسها وجمهورها، ومن هناك تنطلق "العيوط" والأغاني الشعبية التي تحكي ذاكرة الغناء المغربي "جيل جيلالة" و"الغيوان"، و"المرساوي"، و"الرعية" و"الحبلي" و"الحوزي". هنا يوجد كل ما يريده الزائر، وغالبا ما يلبى طلبه بسرعة، خاصة حين يضع أمام أحد أعضاء الفرقة المعنية بضع دريهمات. هنا أيضا يتنكر أمهر "الشطاحين" في ثياب النساء ويشرع في أداء حركات فاتنة، تكشف جانبا من الحياة السرية للمغاربة.
بعد مغادرة الساحة، يجد الزائر حفلات صاخبة سواء بملاه خليجية أو أخرى ذات طابع أوربي بالإضافة إلى "كباريهات" تقدم وصلات متنوعة، أغلب زبنائها مغاربة يعشقون أغاني محلية تترنح الأجساد المخمورة على نغماتها.
شارع محمد الخامس أشهر شارع في مدينة سبعة رجال، والأزقة المتفرعة منه، تقدم وجها آخر للمدينة، التي تتغير يوما عن آخر، الأمر الذي خلق ارتباكا لبعض سكانها، على اعتبار أن المدينة التي أحبوها لم تعد كما كانت، وأخذت تكتسب جوانب أخرى لم يعهدها فيها السكان.
 
صالونات ومقاه...
ينطلق الاستعداد للسهر من صالونات الحلاقة التي تعرف إقبالا كبيرا، خصوصا بعد الغروب. فتيات في مقتبل العمر يلجنها تباعا، بعضهن ينتظره "الطاكسي" فيما تركن سيارات خاصة بجانب هذه الصالونات، لنقل المتزينات، والتوجه إلى مكان السهرة.
أحاديث تجربة الأمس، وشهرة هذا المكان، وذاك، تجري بغزارة داخل هذه الصالونات، وتجري معها خيوط دخان كثيف تخرج من هذا الفضاء، الذي لا يمنع فيه التدخين. هنا أيضا تتبادل الفتيات أرقام الهواتف، بل منهن من تدل صديقتها على "فكتيم تيخلص مزيان" بأحد الملاهي الليلية.
ما يثير الانتباه في محيط مقهى قريب من المركب التجاري بحي جيليز، الشهير بفتياته المراهقات، والذي اكتسب شهرة كبيرة في أوساط الفتيات وبائعات الهوى والسياح الخليجيين في ظرف وجيز، هو وفود عشية كل يوم "سرب" فتيات فاتنات من مختلف الأعمار بملابس السهر و"النشاط"، ضمنهن قاصرات يرتدين لباسا كاشفا لمفاتنهن، يعرضن أجسادهن على الزبناء، لقضاء ليلة ماجنة. وفي المكان نفسه، تجري المساومات على سعر السهرة، وتحديد الملهى الذي سيقصدنه مع الزبون، قبل التوجه إلى مكان آخر.
مدارات مراكش الليلية، لابد أن تقودك إلى شارع محمد السادس، والحي الشتوي. شباب وفتيات ليل يتحلقون جماعات، قرب محلات الماركات العالمية، وفئة أخرى من الشباب يزينون آذانهم بأقراط، ويحرصون على تسريحات شعر جديدة، مثيرة، وأغلبهم يرتدي سراويل من نوع "طاي باص". غالبا ما تستمر هذه التجمعات إلى  ساعة متأخرة من الليل. تمرق بعض السيارات الفارهة بين الفينة والأخرى، وتنزل من جوفها فتيات في مقتبل العمر، قبل أن تنطلق مرة أخرى الى وجهات غير معروفة.
في حين يخيم على منطقة النخيل هدوء قاتل، تكسره بين الفينة والأخرى نغمات شرقية بملاه ضربت عليها حراسة مشددة.
تكمل جولتك في المدينة التي لا تنام، وأنت تصل إلى المركب التجاري بحي جيليز، يثير انتباهك تجمع آخر لشباب ومراهقين لا يتجاوز سنهم 16 سنة، حولوا المكان إلى فضاء لتفريغ نزواتهم ومحاولة إثارة الشغب، قبل أن يتدخل أمنيون ليجهضوا هذه المحاولات في مهدها.
 
حكايات فراشات ليل مراكش...
حنان، هي واحدة من بنات ليل مراكش، فتاة جميلة، في عقدها الثاني، تتحدر من أكادير، أوقفت دراستها في السنة الثانية ثانوي، بعد أن رأت عدم جدوى ارتداء الوزرة البيضاء كل صباح والتوجه نحو المدرسة، فبنات حيها هاجرن إلى الخليج بفضل وسيطة في "الفيزا"، وتغيرت أحوالهن المادية، واشترين سيارات وشققا.
تقول حنان، إنها طلقت المدرسة، لتتولى أمورها بنفسها، فالدراسة بالنسبة إليها مسار طويل، رغم أنها كانت تحصل على معدلات جيدة.
رغم صغر سنها، فإن حنان تجر خلفها حكاية جرح عاطفي، أوصلها إلى مستنقع اليأس، والارتماء في أحضان الدعارة الراقية. وتحكي حنان أنها عاشت تجربة غرامية فاشلة عندما أحبت شخصا بمدينة الدار البيضاء حبا جنونيا، وبعدما شعر بهذا الحب، تؤكد حنان، استغلها جنسيا، وعبث بجسدها الصغير، مستغلا تعلقها العاطفي به، قبل أن يتخلى عنها في أصعب اللحظات، بعدما استسلمت له في لحظة شهوة، فأحست بالضياع وقررت الرحيل والتوجه إلى إحدى الدول الخليجية التي سبقتها إليها رفيقاتها.
بعد عودتها إلى المغرب، أصبحت تنتقل بين مراكش وأكادير، لأن معظم زبنائها يوجدون بين هذين المحورين، تقول بمرارة ودخان السيجارة يغازل ملامحها الشابة، "أشعر بالضياع. فقدت الأمل في الرجال وفي الحب، ولم يعد يهمني سوى جمع المال".
كانت تدخن بشراهة، وهي تسرد قصة حياتها، تحاول أن تقدم نفسها على أنها صاحبة تجربة ومقام عاليين، فهي كما تقول عن نفسها "دوزتها في الخليج، وعشت مع ناس كبار وأثرياء، ودخلت إلى فنادق فخمة وركبت سيارات فارهة. أنا ماشي بحال هادوك المبهدلات لي خسروا الحرفة، أنا هاي كلاس، ولي بغاني خاصو يكون هاي كلاس".
تجلس حنان  في المقهى وفي ذهنها سؤال واحد، كم سيكون مدخولها الليلة. خطتها في الإيقاع بالزبائن، تبدأ بالحسم سريعا وعدم التردد. لا تترك مجالا للزبون، ولا تطيل الجلسة دون فائدة، همها أن تؤمن ليلتها، وأن لا تعود خاوية الوفاض، إلى غرفتها في الشقة التي تقتسمها مع صديقات لها.
ولا تختلف قصص فتيات أخريات يؤثثن فضاءات ليل مراكش، عن حنان، بين الإغراءات المالية وعيش تجارب قاسية، غالبا ما يكن فيها ضحية استغلال جنسي، ما يقودهن مباشرة إلى بساط الدعارة الراقية.
 
أمن...
لا يخلو ليل مراكش من مشادات، وصعوبات تواجه رجال الأمن، إذ تصادف  ضباط فرقة الاستعلامات العامة وهم يراقبون مدى احترام بعض الفضاءات مواقيت الإغلاق، وإيقاف الموسيقى، فيما تنتشر دوريات الشرطة في بعض الأماكن، وتتردد عليها بين الفينة والأخرى لجس نبض كل ما من شأنه أن يثير الفوضى والشغب أمام تلك الملاهي والكباريهات، التي تستقبل زبناء لعبت الخمرة برؤوس بعضهم وحولتهم إلى ما يشبه الذئاب الجائعة. وفي الوقت الذي يلتزم البعض بالتوقيت المحدد يجتهد آخرون في الاحتيال ويسرقون ساعات أخرى ينفق فيها زبناؤهم الملايين. 
فيما يتنقل الزبناء من مكان إلى آخر إلى الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي، ليختفوا عن الأنظار، ويتركوا مراكش لزوار النهار،في انتظار مغيب الشمس، والعودة من جديد إلى قض مضجع المدينة الحمراء، والعبث بسكونها.
 
ملاه بلباس خليجي
بمنطقة النخيل تنتشر العديد من الملاهي ذات الطابع الخليجي، أغلب زبنائها من شبه الجزيرة العربية، يقصدون المدينة الحمراء بحثا عن المتعة، ويقضون لياليهم مع فتيات، يؤثثن سهراتهم الليلية بشقق مفروشة. 
عبق الشيشة ودخانها المتسلل يكشفان أهم الأماكن التي تحتضن مثل هذه السهرات، سواء كانت شققا أو ملاهي تطلق العنان للأغاني الخليجية واللبنانية، فيما تملأ أجساد الفتيات، "البيست" بلباس راقصات يكشف عن معظم أجسادهن، يرقصن على ايقاعات الأنغام الخليجية، ويتنقلن بين الطاولات، مهمتهن تنشيط الجو، و"تسخين" الزبناء الذين يتلهفون وراء قاصرات، ويغدقون على المغنين أموالا طائلة لإثارة انتباه الفتيات اللواتي يتمنين مرافقتهم إلى مكان إقامتهم. فالعديد من الراقصات وبنات الملهى، يتنافسن على نيل إعجابهم، وكل واحدة تحلم بأن تقتنص فريستها من هذا المكان.
تقول هند، إحدى زبونات ملهى خليجي، إن زبناء بنات الليل من الخليجيين، أصبحوا أكثر ذكاء، ولم يعودوا كما كانوا في السابق "بوجادا"، ودون تجربة، فهم يعرفون سعر السوق الحقيقي، ويشترطون في مرافقاتهم أن يكن صغيرات السن، ولم يعودوا يقبلون بالمتاح، بل يضعون شروطهم مسبقا.
 
النهاية في المخافر والمستشفيات
 
لا تشرع أغلب الحانات والعلب الليلية في لفظ زبنائها المخمورين إلا بداية من الساعة الواحدة والنصف صباحا، لتبدأ مهمة رجال الأمن بشكل فعلي. أوامر متتالية تصل عبر جهاز اللاسلكي. عبارات تتكرر في الجهاز تحدد نقط التدخل، والعديد من المسؤولين الأمنيين الكبار والصغار يقضون ليلة بيضاء، يمكن أن يلطخها بعض المنحرفين بالسواد، في حالة خروج الوضع عن السيطرة. إذ غالبا ما تنشب شجارات بين مخمورين، أو بين متنافسين على فتاة معينة،لتبدأ جولة أخرى من المعارك التي تنتهي بأصحابها في مخافر الشرطة.
ولا يمر يوم دون أن يستقبل قسم المستعجلات بمستشفى ابن طفيل، التابع للمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس، هو الآخر مجموعة من المخمورين، انطلاقا من منتصف الليل، منهم من يتعرض لحادثة سير طائشة، وبعضهم يكون ضحية اعتداء جسدي من قبل لصوص وقطاع الطرق عبر دراجات نارية، يباغتون ضحاياهم بطعنات غادرة لسلب ممتلكاتهم والفرار إلى وجهة مجهولة.
عندما تطأ عتبة القسم نفسه، تعترضك أجساد منهكة، متناثرة على الكراسي والأرض، تبدو قاعة الاستقبال مكتظة، يملؤها صراخ رجل اشتد عليه الألم والصداع، وجرحى يئنون وآخرون ينتظرون دورهم لإجراء فحص بالأشعة داخل قاعة الفحص.
وحسب موظف بقسم المستعجلات بالمستشفى المذكور، فإن الممرضين والأطباء، يتعرضون لعدة مشاكل، خصوصا مع المصابين الذين يكونون تحت تأثير الكحول ويتلفظون بعبارات نابية، بل منهم من يحاول الاعتداء على الأطباء والممرضين، ومنهم من يطلب إسعافه أولا، قبل أي شخص آخر.
تنطلق سهرات مراكش باي نايت من ساحة جامع الفنا، مرورا بملاه وعلب ليلية، أحيانا تختتم بالشقق المفروشة، وأحيانا تلفظ البعض إلى أسرة قسم المستعجلات أو غياهب المخافر بولاية الأمن في انتظار المحاكمة.
محمد السريدي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد السريدي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل