لون مراكش الأحمر محمي بقانون منذ 1939

الاحد 28 ماي 2017

لون مراكش الأحمر محمي بقانون منذ 1939
في مراكش، يبدو اللون الأحمر والنخيل الممتد في كبد السماء كما لو أنه يتكفل بالترحيب بزائر المدينة، سواءٌ جاءها عبر طائرة تنزل من فوق أو راكباً قطاراً أو حافلة.
واللون والنخيل يتجاوران في مراكش، مع شعور غريب يتملك القادم إليها من دون أن يستطيع إلى وصفه سبيلاً، مهما حاول، الشيء الذي قد يجبره على معاودة الزيارة أملاً في القبض على ما يبني لذلك الشعور الغريب ويؤثث له. بعضُ الزوار يتخلون عن ألقاب مراكش المعروفة، ليستبدلوها بتسميات وألقاب خاصة بهم، يربطون بها مع هذه المدينة الساحرة علاقة عشق فاتنة، فتصير هي "الفردوس الأفريقي"، عند البعض، كما قد تصير الكتبية هي "برج إيفل مراكش"، عند البعض الآخر. 
ورغم أن مدينة مراكش قد توسعت معماراً، فإنها قد حافظت على نوع من التجانس المطلوب وهي تتوسع في الجغرافية المحيطة بأسوارها وأحيائها ودروبها العتيقة. الأمر، برأي البعض، يشبه "المعجزة"، في استحضار لكل التخريب الذي طال كثيراً من المدن العتيقة عبر العالم. فهل هي غواية وسحر المكان ما جعل الفرنسيين أيام الاستعمار يوظفون نفس المواد الحمراء لبناء مقرات المؤسسات العمومية، حيث نكون مع التخطيطات المستطيلة، والمكعبات الجميلة، والأقواس العربية، والأعمدة النحيفة التي نصادفها في مساجد المدينة العتيقة أو في قصبات الأطلس؟ 
من المؤكد أن كل الكتابات التي تناولت مثل هذه الأسئلة ظلت تخرج بنفس الاقتناع بصدد الحظ الذي توفر لمدينة مراكش. 
من جهته، الحاضر يعلن أن المدينة تتمدد في الجغرافية المحيطة بها بشكل متسارع، ورغم كل الكلام الذي قد يثار عن استراتيجيات هذا التوسع، تبقى الفتنة المرتبطة بثلاثية الألوان (الأزرق/ السماء، والأخضر/ النخيل والحدائق، والأحمر/ الأسوار والبنايات) تُراكم إعجاب الزوار، فيما تهيمن على بانوراما المدينة، متخذة من انتصاب صومعة الكتبية، جنب ساحة جامع الفنا الشهيرة، مقياساً لضبط المسافات. 
لكن، الجميل أنه سواء تعلق الأمر بمنازل الميسورين، أو بمنازل متوسطي الحال أو الفقراء، أو بمقرات المؤسسات العمومية والخاصة، فإن كل البنايات ظلت تتقاسم نفس اللون الذي غطت به المدينة حيطانها ونفسها أول مرة مع مؤسسها يوسف بن تاشفين. 
والحمرة في لون مراكش ليست من نفس المميزات والحدود التي تلخص لكل الألوان التي نميزها عن بعضها بعضا حين نتحدث عن الأحمر في علاقة بالأصفر والأخضر والأبيض والأزرق، مثلاً. الحمرةُ، هنا، في حكاية مراكش، هي بمقياس لون صومعة الكتبية وتراب الأرض التي شيدت عليها المدينة، وهو التراب الذي انتصب، منذ البداية، أسواراً ودوراً وصوامع. 
كل بنايات مراكش حمراء اللون. الكثيرون لا يتوقفون عند الاختلافات البسيطة التي يمكن ملاحظتها على مستوى لون هذه البناية أو تلك. والواقع أن اللون الأحمر الذي يمنح المدينة لقب المدينة الحمراء ليس لوناً واحداً في خصائصه، بل هو يتعدى العشرين اختياراً في تنوعه وأشكاله التي تشترك كلها في الاقتراب من لون الطين. ومن بين الاثني وعشرين اختياراً في الألوان تشتهر تسعةٌ منها فقط بين الناس، وهي "أحمر مراكش" و"أحمر المامونية" و"أسمر طان طان" و"وردي الكتبية" و"وردي المأمونية" و"أسمر مامونية" و"أحمر خنيفرة" و"أسمر الصحراء" و"سومون الناظور". "أحمر مراكش"، على مستوى الألوان، يمكن في بعض الاقتراحات والاختيارات أن يقترب من البني الغامق، كما في "ورزازات" و"الناظور"، كما يمكن أن يتحول إلى بعض الصفرة الفاتحة، مثل "أصفر أوكسيد" و"أصفر كْريم" و"أسمر فوسفاط". كما أن هناك ألواناً وأشكالاً لونية أخرى تأخذ من كل هذه الألوان انطلاقها وتوحدها مع لون الطين، مثل "وردي البركة" و"وردي الناظور" وأسمر المتوسط" و"العاجي المفتوح" و"كْريم الناظور"، مثلاً. 
وللون الأحمر المراكشي تنويعات تعارفَ عليها أهل المدينة وسكانها الجدد، كما أن له، أيضاً، نصوصاً قانونية تحميه، لعل أهمها إشارة وردت في "قرار بلدي مستمر" يحمل توقيع الباشا الكَلاوي، ويعود إلى سابع يونيو 1939، وكان وُضع "لتحسين المدينة والبناءات والطرق". 
الفقرة الوحيدة التي تتحدث عن لون مراكش، تأتي تحت "الباب الثامن"، الذي يحمل عنوان "تنظيف وتجيير وإصلاح الواجهات"، ضمن الفصل 153، حيث نكون مع عبارة من جملة واحدة تختصر تاريخ المدينة وتحافظ على امتداده في الحاضر، حيث نقرأ : "فإن حيطان العقارات المبنية بالحجر والبوصلانة يجب أن تُلون بلون يقرُب بأكثر ما يُمكن للون الآجور والطين". 
ويبدو أن "القرار البلدي المستمر" لم يفعل أكثر من حفظ سيرة واختيارات المرابطين المؤسسين الذين جعلوا طين المكان مادة ولوناً للبناء والزينة. لكن، الفرق الوحيد يبقى هو في مادة البناء، فإذا كان الطين مادة بناء مع المرابطين المؤسسين ومن تلاهم من الأسر التي تعاقبت على حكم المدينة والناس الذين عمروها وسكنوها، فإن سنوات الاستعمار والتطور على مستوى مواد البناء قد نقلنا إلى الحجر و"البوصلانة" (أي الإسمنت). لكن الجميل أن وصولنا إلى الاسمنت، بحسب مضمون القرار البلدي المستمر، لن يكون سبباً للتخلي عن الطين لوناً وتميزاً وذاكرة. 
ورغم أن حمرة المباني ليست خاصة بمراكش وحدها، إذ ان هناك مدناً وقرى يتوزعها الجنوب المغربي بكامله، مثل قلعة السراغنة وتارودانت وخنيفرة، حمراءٌ مبانيها أيضاً، فإن شهرة اللقب واللون ظلت من نصيب مراكش، لأنها الوحيدة التي نبع لون حيطانها من لون ترابها وطينها، ولأن اللون الأول ظل يحتفظ لزمن التأسيس بكامل البهاء وللمؤسس، يوسف بن تاشفين، بكامل الأرقام التي تنقل للتاريخ وأحداثه. 
واليوم، لايتخيل المراكشيون مدينتهم بلون آخر غير اللون الأحمر، الذي عرفت واشتهرت به. فهل هي العادة والألفة التي جعلتهم يتوجهون بأعينهم إلى لون يقترب من لون بشرتهم المتآلفة مع الشمس التي تسكن سطح المدينة معظم العام؟ أم هو الدفء الذي قد يلخص له هذا اللون الساخن؟ أم هو الوفاء لـ"مول (سيد) لبلاد" يوسف بن تاشفين، وهو يضع الأساس لأول بناء في هذا المكان الذي صارت تؤمه أفواج السياح من كل فج عميق، والذي تنقل كتب التاريخ أنه كان عبارة عن "موضع صحراء رحب الساحة، واسع الفناء ... خلاءٌ لا أنيس به إلا الغزلان والنعام، ولا ينبت إلا السدر والحنظل"؟ 
كانت هذه خريطة مراكش قبل أن يحفر يوسف بن تاشفين الآبار ويجلب المياه، وقد حدث هذا قبل نحو ألف عام. 
في مراكش يبدو لون المباني كما لو أنه تتويج جميل لمجهود بناء يبتدئ مع وضع الأساس، قبل أن يغادره العمال وقد جعلوا اللون زينة تؤكد انتماء البيت للمدينة التي تحتضنه. اللون الأحمر، بهذا المعنى، يتحول إلى شهادة اكتمال البيت، كما يصير شهادة قبول ورقماً وعنواناً يُضافان إلى باقي أرقام وعناوين بيوت دروب وأحياء المدينة المترامية الأطراف. 
ومراكش بغير لونها الطيني لن تكون هي مراكش التي تسحر زوارها وتغمرهم بدفئها.
عبد الكبير الميناوي


معرض صور