المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

لماذا ينساق العرب خلف أمريكا.. ألم يتعلموا ..؟

السبت 21 فبراير 2015

لماذا ينساق العرب خلف أمريكا.. ألم يتعلموا ..؟


ندرك جيدا أن الأردن يعيش ظروفا صعبة، ويتعرض لضغوط من أطراف عديدة، لخوض حرب برية ضد «الدولة الاسلامية» وجاءت طريقة الإعدام الوحشية البشعة لطياره معاذ الكساسبة لتوفر له الغطاء الشعبي للتجاوب مع هذه الضغوط، التي كان سيتجاوب معها أصلا، لأنه لا يستطيع أن يقول «لا» للولايات المتحدة زعيمة التحالف الستيني الجديد، وكل التحالفات الأخرى التي قادتها، سواء في ليبيا أو سورية أو العراق أو أفغانستان، وأي قول غير ذلك «مكابرة» لا تقنع أحدا، وتؤكد أن صاحبه لا يعرف المنطقة وأبجدياتها السياسية.
ولكن ما يصعب علينا فهمه وإدراكه هو التصريحات المتناقضة التي تصدر عن المؤسستين العسكرية والسياسية الأردنيتين هذه الأيام حول مسألة الحرب هذه، الأمر الذي يخلق حالة من البلبلة داخليا وخارجيا.
لنكون أكثر تحديدا، نضرب مثلا بتصريحين وردا أمس على لسان مسؤولين أردنيين يتضمنان تناقضا واضحا تجاه هذه القضية الساخنة التي ربما تكون هي وتداعياتها الأهم في تاريخ الأردن.
الأول: تصريح للسيد عبد الرؤوف الروابدة رئيس مجلس الأعيان الأردني (الغرفة الثانية في البرلمان) أدلى به أثناء لقائه بالرئيس التشيكي ميلوس زيمان الذي يزور الأردن حاليا قال فيه إن بلاده «لن تخوض حربا برية ضد «داعش»، وأضاف أن الأردن «مستمر في التصدي للارهاب ومواجهة تنظيم دولة «داعش الارهابي».• الثاني: تصريح الفريق أول الركن مشعل محمد الزبن رئيس هيأة الأركان المشتركة للجيش الأردني والمستشار العسكري للعاهل الأردني الذي أدلى به أثناء مؤتمر صحافي مع وزير الدفاع العراقي في بغداد وقال فيه «إن الجيش الأردني سيقوم بكل شيء لهزيمة «داعش» الارهابي بعد الجريمة الوحشية التي ارتكبها بحق الشهيد الطيار معاذ الكساسبة»، وأضاف «لن نتردد كقوات مسلحة أردنية والجيش العراقي الشقيق بأن نعمل معا، وفي نفس الخندق، حتى نهزم هذا التنظيم في داخل العراق أو سورية أو أي مكان»، فهل سيظل الأردن بعيدا عن الحرب لو لم تسقط طائرة الكساسبة، ولم يرتكب تنظيم «الدولة الاسلامية» جريمة قتله البشعه؟
نحترم السيد الروابدة، ولكننا نميل إلى رواية الفريق الزبن، لأن الرجل أدلى بتصريحاته التي تؤكد انطلاق العد التنازلي للحرب البرية من بغداد، وبلغة عسكرية شديدة الوضوح، ولا نعتقد أنه ذهب إلى العاصمة العراقية، وفي مثل هذا التوقيت، في زيارة «مجاملة» للسلام والتحية، وإنما من أجل التنسيق حول كيفية خوض هذه الحرب، ودور القوات الأردنية فيها، فقد تحدث عن خوض هذه الحرب ضد «داعش» ليس في العراق فقط، وإنما في سورية أيضا، ودون أي استشارة لحكومة الأخيرة، أو التنسيق معها، وكأنها حكومة غير موجودة أساسا، وإن وجدت فهي بلا سيادة وأرضها مشاع.
اللواء جون آلن منسق التحالف الدولي ضد «الدولة الاسلامية» أكد قبل يومين أن هجوما أرضيا سيبدأ قريبا من قبل 12 لواء عراقيا جرى تدريبهم وتسليحهم على أيدي خبراء عسكريين من عدة دول غربية إلى جانب أمريكا في أربع مناطق في الأنبار وأربيل وقوات حليفة وقوات حليفة من دول أخرى، ومن المؤكد أن وحدات أردنية ستكون العمود الفقري في هذا الهجوم.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتقدم الرئيس أوباما اليوم (الأربعاء) بطلب إلى الكونغرس للحصول على تخويل للقتال ضد «الدولة الاسلامية» دون أي قيود جغرافية، وهو تخويل يرتقي إلى مستوى «إعلان الحرب» على غرار نظيره الذي حصل عليه جورج بوش الابن قبيل غزو العراق.
الرئيس أوباما لم ينتظر الحصول على موافقة الكونغرس، وبدأ في تهيئة الأجواء، وتوفير الذرائع والأعذار والمبررات للحرب عندما أعلن البيت الأبيض أن «قوات برية قد تستخدم لإنقاذ الرهائن» وأن التفويض (المضمون) يمنح الجيش صلاحية ملاحقة الدولة الاسلامية في كل مكان»، ومن اخترع ذريعة أسلحة الدمار الشامل العراقية، يستطيع أن يفبرك «أكذوبة» أخرى خاصة أن هناك من العرب وغيرهم جاهز لتصديقها.
ما هو رد «الدولة الاسلامية» على هذه التحركات المتسارعة المتوازية مع قرع طبول الحرب البرية ضدها؟
الإجابة نجدها على مواقعها، أو المقربين منها، على «الانترنت» و»الفيسبوك» و»التويتر» وتتلخص بأنها تنتظر بلهفة هذه الحرب البرية وتعتبرها أمنية وتحقيقا لنبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم عن معركة «آخر الزمان» التي ستكون فاصلة بين المسلمين وأعدائهم في بلدة «دابق» شمال سورية قرب مدينة «أعزاز».
التحضيرات الأمريكية ضخمة بكل المقاييس ولا يمكن التقليل من أهميتها وخطورتها، ولكن ما يمكن أن ننبه إليه أيضا أن معركة أمريكا وحلفائها في الموصل والرقة قد لا تكون مثل معركتها في بغداد والبصرة أثناء غزو 2003، لأنها، أي القوات الأمريكية، لن تواجه جيشا نظاميا يمثل دولة محاصرة ومجوعة لأكثر من 12 عاما كان محرما عليها استيراد أقلام الرصاص، وإنما قوات عقائدية غير نظامية، تملك خبرة «متميزة» في حرب المدن والعصابات أيضا ومستعدة للقتال حتى الموت الذي تعتبره قمة أمنياتها.
بالأمس قال النائب الأمريكي بيتر كنغ الخبير العسكري في شهادته أمام الكونغرس أن تعداد القوات الأجنبية التي تقاتل في صفوف «الدولة الاسلامية» ارتفع من 16 ألفا العام الماضي إلى عشرين ألفا هذا العام، أي بزيادة 25 بالمئة، ونضيف إليه معلومة مؤكدة أن عدد العراقيين والسوريين المنضويين تحت لواء جيش هذه الدولة يزيد عن ثمانين ألفا، إن لم يكن أكثر.
نعرف دائما متى تبدأ الحروب الأمريكية، وكيف، مثلما نعرف أيضا أن نتائجها تأتي مختلفة كليا عن الأهداف التي بدأت من أجل تحقيقها في معظم الأحيان، والعراق هو خير مثال، فإذا كان الرئيس أوباما يريد تفويضا من الكونغرس لحرب تمتد ثلاث سنوات فهل يعرف بالضبط ماذا سيحدث في هذه السنوات الثلاث وحجم الخسائر فيها في الجانبين الأمريكي والعربي معا، وهل يستطيع أن يتنبأ بردود الفعل؟ فماذا لو امتلكت «الدولة الاسلامية» أسلحة كيماوية مثلا وقررت استخدامها ضد مهاجميها؟ وماذا لو طال أمد هذه الحرب لسنوات أخرى؟
نطرح نظرية استخدام الأسلحة الكيماوية لأنها، أي الدولة، استولت على قواعد عسكرية سورية ضخمة، في الرقة ودير الزور ولا يستبعد أن تحتوي على براميل من هذه الأسلحة الكيماوية، فمطار «الطبقة» وقاعدته تعتبر الأضخم في شرق سورية كانت تحتوي على كل أنواع الأسلحة ولا نعتقد أن الكيماوية منها كانت استثناء، وإذا كان النظام العراقي ومن بعده السوري وافق على تدمير أسلحته الكيماوية خوفا على سمعته ولشراء بعض الوقت، وتجنب ردا نوويا، فعلى ماذا ستخاف «الدولة الاسلامية» وجنودها؟ على أرواحهم وهم الذين يتوقون لمغادرة دار الفناء إلى دار البقاء وجنات عدن حسب إيمانهم المطلق؟
ما يحيرنا أن العرب، والعراقيين منهم خاصة، سنة كانوا أو شيعة، ما زالوا يثقون بالأمريكان ويصدقون وعودهم ويستقبلونهم بالأحضان، وينسون دروس الماضي القريب، والمآسي التي حلت بهم وبلدهم من جراء غزو هؤلاء الأمريكان وحلفائهم، وما يحيرنا أكثر أن الحكومات الأمريكية أيضا سريعة النسيان، وذاكرتها قصيرة جدا، مثلما ينسى الرئيس أوباما، أو يتناسى أنه حصل على جائزة «نوبل» للسلام لأنه قرر إنهاء عصر الحروب وسحب قواته من العراق وأفغانستان لتقليص الخسائر البشرية في صفوف قواته قبل الخسائر المادية التي تقدر بخمسة ترليونات دولار، وجعل العالم أكثر أمانا.
ندرك جيدا، أن من يطربون لأنغام طبول الحرب الأمريكية، ويرقصون الدبكة تعبيرا عن سعادتهم بها ودعمهم لقارعيها، سيؤولون كلامنا هذا، ويفسرونه تفسيرات عديدة وفق أهوائهم وسيكيلون الاتهامات إلينا، ولكن هذا لا يهمنا، فقد عارضنا الحروب الأمريكية كلها على العراق وليبيا وسورية (تم التراجع في اللحظة الأخيرة عنها أثناء أزمة الأسلحة الكيماوية) وقطعا سنعارض الحرب الأمريكية الجديدة، وهذا لا يعني أننا مع قطع الرؤوس وحرق الطيار الكساسبة حيا بطرق وحشية، لأننا كنا وما زلنا نعرف أن أمريكا لم تخض مطلقا حربا من أجلنا، وأننا كنا وسنظل الخاسرين في كل حروبها بشريا وماليا وجغرافيا، والأيام بيننا.
عبد الباري عطوان
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الباري عطوان

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل