المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

لماذا لا زال الاعلام العربي يعاني الوصاية رغم التطور التكنولوجي؟

الخميس 7 فبراير 2013

.. هل أصبحنا نرى الآن، طغيان - الآخر- على الذات وتحكّمه في وعي الذات ووجدانها دون أن تُطرَف لنا عين!؟ وهل غدونا نذوب دون وعي منا في المفاهيم الثقافية الأمريكية التي لا تستسيغ وجود تنوّع ثقافي بين البشر بقدر ما تسعى إلى العودة بثراء الثقافات والحضارات إلى فقر النمط الواحد المفروض قسرا..!؟
كيف يمكن مسايرة نسق التطوّر التكنولوجي في مجال الإتصال دون الوقوع تحت سيطرته وتأثيره، خصوصا بعد أن أصبح سعر- اللواقط الفضائية - في متناول الأسر المتوسطة، حيث بالإمكان إستقبال كم هائل من المحطات الفضائية، لا تنافس القناة المحلية فحسب، بل تؤثّر في خلق الصّور النمطية وتعزيزها مما يشكّل تهديدات أساسية للثقافة العربية!؟..
هل بإمكان أي دولة، ومهما حاولت، الوقوف أمام موجات المعلومات المتدفقة من هنا وهناك، في ظل هذه الثورة التفنية المذهلة!.. فلماذا إذا، مازلنا نعيش بعض القيود المفروضة على الصحافة العربية ونعاني من فرض الوصاية على الإعلام العربي عموما؟
ألم تتكاثر - بعد حرب الخليج - الفضائيات التلفزيونية التي تدعمها أموال النفط لشراء التقنيات وتوطينها في بعض العواصم الغربية: لندن..باريس.. مما حدا ببعض الدول في منطقة الخليج مثلا، إلى العيش حتى بغير جيش عتيد، أو دون نظام إقتصادي له معالمه الواضحة، ولكنّها في المقابل تغدق الأموال الضخمة في سبيل التباهي بمحطة فضائية تستثمر 'أجمل نساء العرب' وأكثر' المثقفين وهجا وإلتماعا..! 
فهل تمكّنت هذه المحطات من الإرتقاء بالخطاب الإعلامي العربي إلى مرتبة التحديات التي أملاها الراهن الإعلامي الكوني، أم أنّها كرّست الرداءة والإلهاء النفسي من خلال 'الإستعراضات الغنائية والفوازير..' وإزدواجية الخطاب الثقافي؟
إنّنا نتساءل في ضوء هذا الواقع التلفزيوني العالمي الجديد، وحيث لم تعد الصورة بريئة بعد أن أغرقتها التقنيات الحديثة في عالم التوظيف السياسي، عن أدوار وتموقعات هذه الفضائيات العربية عامة والنفطية خاصة وعن مدى قدرتها على إرساء أرضية وفاق وحوار واستقرار تحمي أجيال المستقبل من مداهمات الثقافة المعولمة واختراقاتها بما يؤسّس لهويتنا العربية المستقلة.. ففي ظل هذا التطوّر التقني والتكنولوجي حيث الصّورة المتميّزة حد الإبهار، لم تعد قضية إمكانيات مادية وكفاءات فكرية وأدبية فحسب، وإنما بالأساس قضية وعي وطني قادر على لعب دور في التحديث والتضامن قصد تحقيق عناصر قوّة الشخصية الوطنية لمواجهة رياح الشمال - فالصورة العربية ما فتئت تتعرّض لتجريح ينال من كمال شخصيتنا التراثية والمعاصرة، وقد تمكّنت وسائل الإتصال الغربية من تكريسها، من خلال ما تنتجه من برامج ومسلسلات تباع وتبث في أرجاء المعمورة، وتبعا لذلك بدأت صورة العربي نمطية وفقا لإبتداع الغرب إلى حد أننا إنتهينا بالإعتقاد بأنّها صورتنا، وعجزت وسائل الإتصال العربية على الرد بالمثل، لتنشر صورة للغرب بهذه السمات فظلّت الهيمنة الغربية تشوّه صورتنا دون كلل أو ملل..
إنّ الغرب بقدر ما ساهم في تكريس هذه الصورة السلبية للعربي، بقدر ما كان لبعض العرب الدّور الخفي في تكريسها من خلال إنتاج أفلام ومواد إعلامية تسيء لنا، فلأثرياء النّفط من العرب محطّات فضائية ووسائل إعلام متعدّدة توكّد هذه الصّورة السلبية وتدعمها، فلم يعد الإعلام لهذه الأقطار مجرد 'وسائل' للتنمية الإجتماعية والإقتصادية بقدر ما أصبحت-وسائله- مقصودة لذاتها، بوصفها - رموزا- للتحضّر المرغوب وعلامات المكانة والإجلال..
إنّ سوء إستخدام وسائل الإعلام عامة يؤدّي بالضرورة إلى غياب المنافسة الحرّة حول الجودة والكيف، كما أنّه يسبّب في حالات أخرى، في تخريب العلاقات بين الأقطار العربية وإثارة النعرات العرقية والصراعات الإجتماعية داخل هذا القطر العربي أو ذاك، من خلال نشر الأكاذيب وأنصاف الحقائق بدلا من الإنصياع للأمانة المهنية ونشر الخبر الصحيح..
قلت هذا، بعد أنّ أطلّ علينا- مذيع القناة القطرية - 'الجزيرة'- بوجهه البشوش - السيد أحمد منصور في إحدى برامجه (شاهد على العصر) لينال من صورة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، من خلال مغالطات لا تخلو من حيف، أراجيف وافتراء يراد بها تقزيم -الزعيم الراحل، والحط من قيمة مشروعه المجتمعي التحديثي، وابرازه بالتالي كما لو أنّه معاد للقيم والأخلاق والإسلام - على حد تعبير الإعلامي المتميّز منذر بالضيافي- 
لم يتورط - صاحب هذه السطور- في أية ممارسة أو كتابة نفاقية للنظام البورقيبي، ولم يقترب منه أو من غيره، قيد أنملة. لكن مع ذلك أشعر أنّ الأمانة التاريخية تقتضي القول بأنّ -الزعيم الراحل - الحبيب بورقيبة لا يزال هاجعا خلف شغاف قلوب الكثير من التونسيين والتونسيات انتصارا مطلقا لفكره التنويري التحديثي، واعترافا نبيلا بالجميل لإنجازاته الرائدة في مجالات شتى ليس أولها التعليم ولا آخرها تحرير المرأة من عقال الترجرج والتخلّف، وما على الذين يحاولون الإساءة إلى محطة مشرقة في تاريخ تونس تتجسّد بالأساس- كما أسلفت - في الأنموذج المجتمعي التحديثي الذي يعود الفضل في تأسيسه إلى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، إلا أن يعيدوا قراءة هذا التاريخ- بعين بصيرة - انطلاقا من القرن التاسع عشر إبان الإشراقات الخلابة للحركة الإصلاحية، ووصولا إلى العناوين الصحيحة للمرحلة البورقيبية، علهم يدركون المغزى العميق للمثل القائل: 'من كان بيته من زجاج..لا يقذف الآخرين بالحجارة..'
أعود وأقول، إنّ العرب مدعوون إلى مزيد الأخذ بأسباب التكنولوجيا وإعتماد سياسة إعلامية عربية تضمن التعددية وحرية وصول المعلومة للمتلقي عبر وسائل متحرّرة ومستنيرة تعكس بدورها هذا التطلّع الإيجابي، وتستفيد أيضا من هذا التطوّر التكنولوجي في تنويع وسائطها وتعميق رسالتها وتوسيع شبكة إتصالها، إلا أنّ ذلك لا بد أن يرافقه تغيير في السياسات الإعلامية العربية الرسمية كي تتواءم بفعالية مع التغييرات الكبرى التي يشهدها العصر وتتوافق مع ما يعد به المستقبل من -صحوة عربية- تتبلور عبرها التنمية بكل أبعادها، في هذا الوطن الفسيح..
محمد المحسن / تونس
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد المحسن / تونس

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل