المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

لماذا قررت ان لا أكون شجاعا

السبت 23 فبراير 2013

لماذا قررت ان لا أكون شجاعا
قررت ألا أكون شجاعا بالمطلق. وأغتسل من الشجاعة، كما يغتسل أجرب بدواء عاجل. كما يدخل غيفارا، إلى صالون عصري ، ويخرج حليق الذقن، ليلمع مثل حذاء إيطالي.
قررت ألا أكون شجاعا، منذ قرر غيفارا أن يسلم لحيته لحلاق في شارع محمد الخامس بالعاصمة، ثم يدخل، حثيث الخطى، إلى حمام اسيوي ويسلم حنكه إلى أصابع «لاني» القادمة من أدغال ميانمار، وينسى لمدة أربع ثورات أدغال بوليفيا.
عندما تنهمر عليك أصابع المدلكات، وأنت مسترخ فوق أريكة تستمع إلى نشيد الروح، وترخي بظلالك على ذكرى الصديقة البعيدة، وهي تلعب القيثارة، توشك أن تجهش بالثورة. لكنك تعدل سريعا عن هذه الفكرة التي أودت برفاقك إلى أدغال أمريكا اللاتينية: من الأفضل أن ترغي وتزبد في أدغال البرلمان، فذلك أليق بالأفكار التي تلتمع بها ملامح وجهك مثل عامود مرمر، غير إيطالي هذه المرة.
منذ أن أصبحت الشجاعة صفة، لمن يقتات من عرق الفليبينيات، قررت أن أكون رعديدا، كامل الأوصاف في الجبن: تلك صفة على الأقل سأمتاز بها مع السيدة الوالدة، في زمن الشجاعة المستوردة مع الشاي الصيني.. والمتلفزة، والمكتوبة للعميان بطريقة برايل.
منذ عقدين، تقريبا، كان الشجاع يقف في وجه الأسد ويخاطبه، واضعا يده على أنفه، فمك أيها الأسد رائحته كريهة.
واليوم تقتضي الشجاعة أن نقول له: لماذا تقبل أن تكون مروضا، مثل ثعبان جامع لفنا.
لم تعد الشجاعة عتبة ضرورية إلى السجن أو المنفى، إنها في أحسن الحالات أقراص يكتبها طبيب أخصائي، لمن أصيبوا بمرض المرارة، والنرجيسيا المتأخرة، لهذا، لا تتفاجأ إذا ما اتهمك أحد ما هذه الأيام «سير الشجاع ديال بوك»!!
انظر حولك، وتساءل: من هم الشجعان اليوم الذين يملأون الفضاء زعيقا؟ تساءل يرحمك ويرحمنا الله: هل تستحق أن تكون عنترة أو أخيل؟
هل تستحق أن تكون ابن محمد الخطابي أو المهدي بنبركة؟
انظر مليا في قسمات الوجوه المطلية بمساحيق الغرور وتأمل بصوت مسموع: لماذا أريد أن أكون شجاعا وأتأمل مثل صحن الطاووس في قمطر الأرامل؟
سأكون جبانا لأنني سأكون كل هؤلاء الشجعان.. بقرار من الآخرين، وبتوصية من جهات غامضة!
ومنذ لم تعد الأخلاق (وتلك قضية أخرى ) هي شجاعة الغير، قررت بالفعل أن الموقف السليم هو أن تكون جبانا إلى جانب كل الجبناء، أي الأخيرين البسطاء، الذين لا يملكون سوى أخلاقهم ورأسمال الحياء،
ومنذ أن صار الجبن هو شجاعة الآخرين الذين يقررون متى نكون شجعانا، قررت بإجماع نفسي، وبحضوري كليا،بعد استكمال نصابي أن أكون جبانا، لأن جبني هو قرار شجاع على كل حال أمام تماثيل الشمع التي تصطف في مقدمة المشهد وتملأ الفضاء بعطور ايف سان لوران، معتقدة بأنه دخان المعارك ورائحة العرق في إبط موحى وحمو الزياني!!
ومنذ أن أصبح بعض المغاربة يأخذ شجاعته بملء... قدميه، وهو هارب، في الملمات الكبرى، ومن الملمات الكبرى، وأصبحت الشجاعة تباع مع أقساط السلع المستوردة، ومع القطع الأرضية، ملفوفة في ورق مصقول بدون أن تحمل مفاجأة سارة( أو حتى غير سارة)، اعتقدت بأنه، ككثيرين، سأكون جبانا لأنني أملك.. الشجاعة لذلك.
الحد الأدنى من الشجاعة المطلوب في مغربي يحترم نفسه ويحترم أهله.
ومنذ أصبح الجبن هو الفوز بقلوب الناس، والجبن هو الهزيمة في عقر الذات.. صار الجبن بالفعل قيمة إضافية، في عالم يمشي على رأسه.
وككل غيفاري يحترم نفسه، فقد قفزت، سقف الثورة في أدغال بوليفيا إلى البنك المواجه للفيلا التي أسكن فيها.. جريحا، كنت أسير، والذئاب استعادت شجاعتها فجأة، وهي تشم رائحة دمي..
إنني أعدد جبني لكي أوجه صفعة مدوية لشجعان الساعة الخامسة والعشرين!!
لأنه ليست هناك شجاعة حزينة ويائسة وبليدة، فقد قررت فعلا أن أشفق على هؤلاء الشجعان، الملفوفين في ماء الورد، ومواد التجميل الخنثوية بهالات الملائكة التلفزيونيين!
طبعا، أنا لا أتحدث في هذه الحياة الدنيا، بل في حياة أخرى، ولا أتحدث عن المغرب، بل عن أطلانتيس المفقودة في أعماق المحيط..! 
عبد الحميد الجماهري
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الحميد الجماهري

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل