المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

للا عويش الصالحة التي كانت تصلي المغرب بمراكش والعشاء بمكة المكرمة !!ا

الثلاثاء 5 يوليوز 2016

 
كثيرون يربطون مراكش بسبعة رجال، وهم أولياء، لكل تاريخه وكراماته وطقوسه•• غير أن اهل مراكش لم ينسوا نساءهن الصالحات بما يليق بهن من تعظيم وتقديس وفق معتقدات موروثة كما هو شأن للا عويش التي يظن البعض أنها تشفي من بعض الأمراض وتحكم الجن••
 فضولنا المعرفي جعلنا نسبر أغوار هذا المعتقد الموشوم في الذاكرة الشعبية المراكشية• لم يكن الوصول إلى اللازهور الحضارة سهلا، فقد استدعى الأمر بحثا مضنيا عن شيوخ و عجائز لمجالستهم واستفسارهم و طرق أبواب و تردد مستمر على أمكنة بعينها و الاستماع لسيل من الكلام••
من "رياض العروس" إلى "ديور الصابون" إلى "للاعويش" إلى "درب المجاط" ب"باب أيلان" إلى "صابة بوجان" إلى "درب شتوكة" أمام ضريح مولاي علي الشريف، هكذا كانت مسيرة البحث عن السيدة الأكثر حفظا و صونالأنواع الذكر المؤداة في الحضرة بمراكش• بضريح اللاعويش، الذي ينتصب آمنا وسط باقة من منازل عتيقة بحي أسول، التقينا المقدم "المتفوق محمد" القيم على الضريح• كان من المتوقع أن نلتقي هناك اللازهور الحضارة بناء على موعد مرتب بواسطة إحدى السيدات، لكنْ لم تأت لسبب ما•
كان الوقت يمتد ما بين صلاة المغرب و العشاء، في القبة المقابلة لمدفن للاعويش، التففنا حول شمعة يمنحنا ضوءها الخافت المتموج بفعل حركة نسيم ليلي، إحساسا بأننا قد اقتطفنا لحظة خارج مجرى الزمن، فناء الضريح تسقفه النجوم المتلألئة في سماء صافية• كل شيء في المكان يزخر بذخيرة نوستالجية نحو شيء غريب ،ملتبس و مريح• أخذ المقدم "المتفوق محمد" الذي -كما قال- توارث هذه المهمة كمشرف على الضريح أبا عن جد منذ عهد السلطان مولاي عبد الرحمن، يتحدث عن الولية اللاعويش و عن كراماتها و عن الحضرة و طقوس الاحتفال الأسبوعي بذكراها •
ذكر أنها من أولياء الله الصالحين قدمت من سبتة إلى مراكش بعدما هربت من زوجها المخمر• " كراماتها كثيرة •• في مقدمتها إشفاء المرضى الذين يأتون لزيارتها ،يستحمون بماء بئرها و يظلون في الضريح لمدة ثلاثة أيام حتى يأتيهم الشفاء من عند الله••" و أضاف بنبرة فانتستيكة و نظراته تشرد بعيدا كما لو كانت تحفر في أنقاض ماض توارى خلف حاضر جحود: "لقد شاهدنا بأعيننا هنا أناسا يأتون و هم غير قادرين على الحركة و لم يتركوا هذا المكان إلا بعد أن تم شفاؤهم ببركة الولية الصالحة••" لم يقف عند هذا الحد بل توسع في ذكر هذه الكرامات التي اتخذت منحى غرائبيا: " للاعويش تحكم أربعة من ملوك الجن•
 و حسب ما يروى عنها -رحمها الله- كانت تصلي المغرب بمراكش و العشاء بمكة المكرمة•" لكل شيء قصة في هذا الضريح حسب ما أفاد به المقدم "المتفوق": فإقامة تابوت للولية كان مرتبطا بالوزير المقري الذي أتته الولية الصالحة في حلم واستشار الفقهاء فأشاروا عليه ببناء تابوت للاعويش• ووقفت عليه مرة ثانية في منامه و طلبت منه أن يبني لها حجابا يقيها من كل أنواع الأذى و الخبائث، فأمر بصنع التابوت بحي القصبة و نقله إلى الضريح في موكب مهيب تتقدمه فرقة الخمسة و الخمسين!!
 أما عن إقامة جلسات أسبوعية للحضرة في الضريح، فذلك يعود -حسب المقدم- إلى أمر من السلطان مولاي يوسف الذي أمر بإقامة احتفال بالولية الصالحة كل جمعة: حينها "كان يقام من 9 إلى 11 صباحا فتحول فيمابعد إلى ما بعد صلاة العصر و امتدت العادة إلى يومنا هذا•" لا تقام الحضرة بضريح اللاعويش فقط ولكن أيضابأضرحة أخرى، كزاوية مولاي عبد القادر بدرب الحلفاويين بباب دكالة التي لم يعد لها أثر اليوم، و للارقية وزاوية مولاي الطيب بمول القصور التي تقام بها الحضرة للرجال يوم الخميس و للنساء يوم الجمعة و زاوية مولاي عبد القادر بدرب ضباشي••
 أما اللاعويش فإضافة إلى الاحتفال الأسبوعي يقام بها موسم سنوي أربعة أيام قبل حلول شهر رمضان• تشارك في هذا الموسم وفود من أقريص و تحناوت و أيت إيمور و تمصلوحت و أولاد أحمد، يمثلون قبائلهم حاملين الشموع• و ينطلق الموكب من ضريح سيدي وحلال بأسول في الثانية عشر ليلا تتقدمه الحضارات اللاتي يبدأن بما يسمى بالتبييضة و هي الافتتاحية التي تبشر بقدومهن مشفوعين بالبخور و الشمع و الحليب، ويستمر الحفل إلى غاية الصباح• و بعد الفطور يقام ما يسمى بالصبوحي و هو نمط من الذكر تؤديه الحضارات ثم يليهن عيساوة• و خلال الموسم تذبح الذبائح و تقام الولائم•
الحضرة غناء روحي يتكون من متواليات من الأذكار التي تقوم على الصلاة على النبي و التشفع به و ذكر الأولياء الصالحين أي ما يسمى بالعتوب• تكون انطلاقتها في إيقاع منخفض ثم يبدأ في التصاعد بعد تدخل البندير لتنخرط النساء معه في الجذبة إلى أن تصلن أقصى تتويج و هو الساكن فتسقطن على الأرض و عندها تقام الفاتحة و تقدم الهدايا•
بعد رحلة بحث أشبه بالمتاهة، عثرنا أخيرا على منزل المقدمة اللازهور الحضارة بدرب شتوكة بباب أيلان• عمرها تجاوز التسعين و سمعها قل، ورغم ذلك ذاكرتها مازالت قوية• تذكرت "عام الجراد" و "عام التوفيس" و "عام الجوع"،تأسفت لأيام زمان التي كانت فيها مراكش جنة غنية بناسها و تألمت للاكتظاظ السكاني الذي اجتاح المدينة فتآكلت معه القيم النبيلة لأهلها•
في الطابق العلوي لمنزلها، جلست اللازهور أرضا تتوسطنا، و شرع السي محمد بوسكسو يستفز ذاكرتها• قالت: " آش من حضرة بقات منين ولى كل من يحمل الطريير و البندير يسمي راسو حضارة••" فاستحضرت ذكرى معلمتها المقدمة اللازبيدة الشريفة العلوية مقدمة اللارقية• و المعلمة القليعية أم الجيلالي الروابزي بأزبزط و اللاكبورة مراة الحارس، و اللاكبورة الشعايرة بدرب البرود و خديجة الرباطية بدرب مولاي عبد القادر و العابدية بتشنباشت•• " كنا نشتغل ليلا ونهارا•• لأن الناس كانوا يرغبون في الاستماع للذكر، أما اليوم فلا أحد يريد ذلك و يفضل الركيك"• و تقصد الأغاني الشعبية الخفيفة•
" الذكر بحر -قالت اللازهور- و من يدعي حفظ كل صنوفه فهو كذاب•• و منه التهامي و الجيلالي و المغاري و المختاري و العيساوي و الحمدوشي•• في زماننا كنا نطلب من معلماتنا أن يلقننا نوعا معينا من الذكر و عندما نحفظه ننحني و نقبل أرجلهن، لأن الذكر كنز ثمين ومعرفته نادرة••"• كانت الحضارات تشارك في إحياء كل المناسبات الاجتماعية من أفراح و"كماطة" و عقيقة و خرجة الحاج و دخلته•• إضافة إلى المواسم التي تقام بالأضرحة•
داومت اللازهور على إحياء الاحتفال الأسبوعي بللاعويش أزيد من أربعين سنة• قصتها مع تحضارت، انطلقت بدرب مولاي عبد القادر عندما توفي زوجها، فاقترحت عليها إحدى الحضارات مرافقتها إلى الحفلات التي تحييها إلى أن ادركت أسرار هذا الفن، فالتحقت بالمقدمة زبيدة الشريفة• أما حيها الأصلي فهو "درب قايد راسو" بباب أيلان، و كانت تشتغل في إعداد الفلفل الحار: " كنا نشتريها من باب الخميس و ننشرها في الشمس ثم نذهب بها إلى الرحى بأكدال••"•
توقفت قليلا و أخرجت كيسا أخضر حملته بين يديها بحنان كما تحمل الأم وليدها• فتحته فأخرجت منه آلة الطبيلات تبدو كتحفة موروثة من زمن عتيق، قالت اللازهور: " هاذ الطبيلات ما بقاش بحالهم•• مصنوعين من القرمود اللي كيقوي صوتهم•• ماتوا المعلمين اللي كانوا كي يصنعوها•• أما اليوم فما كاين غير الفخار العادي••"• كانت تتحدث كما لو كانت تشركنا في سر من أسرار مهنتها• و أخذت بصوت شجي تشرح بنية فرقة الحضرة و عناصرها المتكونة من " الفرادة" و "السراحات" و" الطرييرات"•
استعادت أجواء الحضرة بزاوية مولاي عبد القادر بدرب الحلفاويين قائلة: " في اليوم الأول يغسل القمح بالحضرة، و اليوم الثاني يهيئ "هربل" وهو أكلة من القمح المفلّق و الحليب•و في اليوم الثالث يقام الموسم و يشارك فيه سبع مقدمات يبدأن بالتبييضة حيث يدخلن بالصلاة على النبي و يطلبن التسليم ،يحملن الحليب و البخور و ماء زهر بأطباق•• فتدخل كل "مْقَدْمة" إلى قبة و تؤدي نمطا خاصا من الذكر••"
 لم تدعنا المقدمة اللازهور نودعها إلا بعد أن شنفت أسماعنا بأنواع مختلفة من الذكر برنة عذبة،شجية من مثل:: "باسم الله بديت في مديح الحرة هي بنت خيار الناس فاطمة الزهراء و أنا عيني حاروا زينها في الحضرة ماريت يا عاتق الأنفاس جيب لي نشرب شربة من يديها صلى الله على سيدنا محمد يا الشافع في أمتو•• 
المراكشية
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
المراكشية

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل