كلّ مراكشيّ «شريف» ... إلى أنْ تثبت «براءته»ا

الاثنين 10 ديسمبر 2012

كتب ادريس الخوري في جريدة لاتحاد الاشتراكي تحت عنوان مراكشيات:


كلّ مراكشيّ «شريف» ...  إلى أنْ تثبت «براءته»ا
1
أنْ تكون في مراكش، زائرا عابرا، سائحا أو مدعوّا إلى نشاط ثقافي أو فنّي، فأنتَ حتما منظور إليك من زاوية «النهْب» المُمنهج الذي لا ينتهي، ابتداء من سائق الطاكسي الذي يختبئ وراء «قوانين» سياحية، إلى حارس الفندق، إلى نادل المطعم، إلى ماسح الأحذية، إلى المرشد السياحي المزيَّف الخ. هذا يعني أنك، في نظرهمْ، مجرّد « أجنبيّ» مغربيّ، وأجنبي أوربيّ يتهافت على خدمته كلّ موظفي الفندق وعمّاله وعاملاته، ذلك أنّ مجيئك عندهم يعني أنك رصيد ماليّ مليء بالنقود، وأنك ستكون كريما معهم إلى أقصى حدّ، بخلاف السائح الفرنسيّ البخيل الذي يعود متأخرا إلى غرفته بقنينة ماء معدنيّ، ذلك لأنّ ثمنها داخل الفندق جدّ غال بالنسبة إليه ولشرذمته البخيلة مثله.
في مراكش، أنت مستهدف من نظرات الآخرين، العابرين والقارّين، المتفحّصة بفضول زائد سحنتك المغربية المختلفة. إذ أنك لستَ إلا سائحا عابرا يجب حلْبه مثل بقرة حلوب، هذا يعني أنك «أجنبيّ». هكذا تحضرُ اللغة الفرنسية والإنجليزية في القاموس السياحي اليومي، عبْر أرباب ومستخدمي السياحة، عبر الفنادق والمطاعم، عبر البازارات والإقامات الخاصّة. إن السياحة هي العنصر الاقتصاديّ اليوميّ الدالّ على «الحركة» السياحية، لقد جعل هذا العنصر جلّ المراكشيّين يتهافتون عليه بشكل هستيريّ حتى فقدوا معه طيبوبتهم وإنسانيتهمْ ومرَحهم التلقائيّ، تماما مثل المصريّين.
ليست السياحة، في مراكش، عاملا تنمويّا فقط، بلْ هي عنصر احتيال وابتزاز ومنافسة شرسة بين أصحاب المصالح والرّياضاتْ والصفقات، هنا تحضر الدّعارة بشكل واضح لمزيد من الرّبْح، وبهذا المعنى، فإنّ السياحة، بغضّ النظر عن جانبها الفرجويّ، ومتعها الحسّية، لهي دعارة في نهاية المطاف، لذلك كثر في المدن السياحية في المغرب السماسرة والوُسطاء والقوّادون والقوّادات من أجل الفلْس!
- Bonjour monsieur
- صباح الخيْر
عندما أجبتُ بالعربية، استغربتْ عائلة الفندق التي كانت تنظّف رخامَ البهو الصقيل، في نظرها أنا مجرّد سائح أجنبيّ فقط لا غيْر.
- Bonsoir monsieur
- مساء الخيْر
نفسُ المشهد يتكرّر كلّ يوم هنا وهناك.
في مرّاكش، عندما تهمّ بامتطاء طاكسي رابض جنْب رصيف الفندق، وتسلّم عليه بالعربية، يقول لك «عفوا أنا أنتظر زبونا»، لكن هذا الزّبون ليس مغربيا، إنه أوربيّ يريد الذهاب إلى «جامع الفنا» للتفرّج على رواة الحلاقي، حدثَ هذا لي في السنة الماضية، إذْ عندما انسحبتُ منكّس الرأس، وقطعت مسافة أمتار، تبعني السائق وطلب منّي الركوب فرفضتُ، إلى أنْ بلغت رصيفَ مقهى معروف بالشارع الكبير، هنا جلستُ لأرتشف فنجان قهوتي. هكذا تفعل السياحة بالمراّكشيّين المغلوبين على أمرهم، مثل كلّ المغاربة، المكتوين بنار فواتير الماء والكهرباء، الباحثين عن رزقهم بالرّيق النّاشف، البائتين على الطّوى، لقد أفسدتهمْ هذه السياحة الخبيثة.
- ساعة مبروكة نعامْ أسّْ، لم أجبْ، وعندما نزلتُ من الطاكسي قال لي بالفرنسية:
- Bonsoir monsieur
عندها أجبته بلغته المراكشية: - تباركْ الله علْ الشّْريفْ.
إنّ كلّ مراكشيّ «شريف» إلى أنْ تثبت «براءته».
2
مراكش السينما، السينما في مراكش: كلاهما يفضي إلى الآخر. ثمّة نجوم دوليّون ونجوم مغاربة يستعرضونَ عضلاتهم فوق البساط الأحْمر كلّ ليلة بثيابهم الفاخرة وقفاطينهنّ المزركشة. لا شيءَ في مراكش الآن غير السينما: غذاءات وعشاءات مخملية، تبارك الله علْ الشريف، وفينكْ آمولايْ؟ كنتُ عند فلانة، والبارحْ؟ كنتُ فْ «لابواطْ» حتى الصباح، فكيف لمخرج مغربيّ ما، وليكنْ زيدا أو عمرواً ألاّ يؤدّي أتعاب ممثليه وهو في «لابواطْ» كل ليلة، فكيف يدّعي الأزمة؟ هي مراكش في نهاية المطاف، إذْ لا يمكن لسينمائيّ مغربيّ أنْ ينام باكرا، ذلك أنّ ليل مراّكش يغري بالانزياح التامّ، والانزلاق وراء الرغبات، والتماهي مع هذا الطقس الفنّي الذي يخيّم على مرّاكش كلّ سنة.
3
يستطيع الرسام محمد المرابطيّ، صاحب «مقام» بتحناوت، أن يكون موازيا لمهرجان السينما بخلقه حدثيْن ثقافيين: معرض فنّي لكلّ من ابن اسماعيل وبنجكان ونور الدّين الشّاطر والعربي الشرقاوي، وتوقيع رواية الكاتب محمد ندالي، الفائزة بجائزة «المامونية» للرواية الفرنسية «بؤس الشباب». كان زوال السبت، في فضائه الواسع، غذاء ثقافيا وفنيّا بامتياز. فإذا كانت مراكش تعيش على الصورة والتمثيل والإخراج، فإنّ «مقام» المرابطيّ كان، وما يزال، يعيش على الصورة التشكيلية والأدبية.
فتيات متحذلقات يثرثرنَ بالفرنسية، شبّان كذلك، أكْل وشرْب حتى النّخاع، المرابطيّ وماحي بنبينْ حاضران يوميا في «المقام» ومن تحنّاوت إلى مراكش، كان بنجكانْ قد أتحفنا بأغانٍ قديمة لحميد الزّاهر لم أسمعها من قبلُ، وقد اشتراها من باريس، شكرا له.
مرّاكش السينما والكتابة والرّسم، مرّاكش التسوّل وماسحي الأحذية، والاحتيال تحت غطاء السياحة. فهل ما يزال الرّهان قائما على ملايين السيّاح في أفق السنوات القادمة؟ لقد فقدت مراكش بريقها الإنساني وصارتْ فماً مفتوحا على جيوب الأجانب.
ادريس الخوري


معرض صور