المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

كرامات7 رجال/ أبوالعباس السبتي(2): 40 سنة في جبل جليز دون أن يدخل المدينة

الاحد 19 يونيو 2016

كانت للرجل ميول فلسفية وانفتاح فكري على جميع التيارات مما دفع مجموعة من المتصوفة إلى الاستقرار في مراكش، فخلال ولايته توفي مجموعة من رواد التصوف المغاربة؛ مولاي بوشعيب في آزمور (562 هـ/116 م)، ابن حرزهم في فاس (ت 569 هـ/1173 م) أبي يعزى (ت 572/1176 م). لكن الفترة الذهبية للتصوف في العصر الموحدي هي فترة يعقوب المنصور؛ فخلال ولايته توفي سيدي أبو عصفور (ت 582 هـ/86-1185 م) شيخ سيدي يوسف بن علي، وسيدي السفاج دفين باب الدباغ على الضفة اليسرى لوادي سيل، وسيدي يوسف بن علي(7) (ت 593 هـ/97-1196 م). ومن انعكاسات هذا الجانب الصوفي على الوضع اللغوي في القرن السادس تميزه باكتمال عملية التعريب في وسط المغرب.


 
لقد وقع التركيز على هذه المرحلة من حياة أبي العباس. ومن خلالها يتبدى لنا الرجل مستويا في العلوم اللغوية والفقه والولاية، ويواجه خصوما عنيدين؛ هم الفقهاء، والعامة، وسوء ظن الساسة وتربصات الفلاسفة. 
كانت التحديات كثيرة. ويظهر من خلال أخباره أنه اجتمع لديه من المؤهلات ما مكنه من تدليل جميع تلك العقبات.
فقد لبث في جبل جليز قرابة أربعين سنة من غير أن يدخل المدينة، علما بأن صيته وصلاحه هيمن لدى مختلف الفئات الاجتماعية المراكشية حيث امتلك مجموعة من السلط :منها سلطة اللغـة فقد كانت له فصاحة في اللسان وقدرة على البيان، يأخذ بمجامع القلوب، ويسحر العامة والخاصة ببلاغته، ومن نماذج نثره الفني ابتهالاته وأشعاره. 
وأتي بالإضافة إلى ذلك حسا نقديا مرهفا جعله ينحو بالشعر نحو أغراض النسك والمنحى العملي الأخلاقي. قال أبو بكر بن مساعد اللمطي " وما حضرت معه قط فأنشد أحد شعرا في الغزل إلا قال له : دعنا من هذا وخذ في مدح الله تعالى. وسمع منشدا ينشد من أبيات :رفعوا الهوادج للرحيل وسلموا
فقــال :
رفعوا الأنامل للصلاة وكبـروا فبدا الخشوع لخوفهم يترنــم
وبدت سواكب دمعهم مسبولة خوفا لما قد أخروا أو قدمـوا 
هذي صلاة المتقـين وغيرهـم نائي الفـؤاد وألسـن تتكلم .
وسمع بيتين من قصيدة ابن عمار التي أولها : 
أدر الزجاجـة فالنسيم قد انبرى
فقطع إنشاده وكره سماع القصيدة وقال: لابد أن أكفر عن هذين البيتين اللذين سمعتهما بهذين البيتين : 
أقم الصلاة مهاجرا سنـة الكرى واجعل صباحك عنده حمد السرى 
واطو المراحل بالعروج لمـن لـه لطف ينـزله إذا هجع الــورى 
مما يدل على ملكة شعرية مرهفـة، ويظهـر أن أبا العباس لم يستثمرها في هذا الفن، ولو فعل لوصلنا عنه شعر صوفي رقيق يكشف عن أبعاد تجربته الصوفية.
كما أنه كان لا يناظر أحدا إلا أفحمه، سريع البديهة، كان القرآن ومواقع الحجج على طرف لسانه عتيدة حاضرة. "يأتيه من يأتيه للإنكار عليه، فما ينصرف عنه إلا وقد سمع له وانقاد لقوله" ،إضفاء الصبغة الشرعية على مذهبه : وذلك بالاستدلال بالقرآن والسنة على مسلكيته، وبهذا يقعد تصوفه على رسوم الأصلين الكتاب والسنة؛ كالجنيد وأبي طالب المكي حتى يؤصل اتجاهه ويجعله موصولا "بالمحققين من المتصوفة الذين تمتد أصول طريقتهم إلى أيام الصحابة والتابعين وتابعيهــم ومـن بعدهم"ا
 حجية الكرامة الصوفية : 
ومن أدلتها أنه أصاب الناس قحط، فأمرهم أبو العباس بالصدقة أولا، ثم خرجوا بعد ذلك للاستسقاء. قال أبو الحسن علي بن أحمد الصنهاجي :" فلقينا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن جذع الجذامى، فنـزل عن دابته وسلم على الشيخ، فقال إلى أين خرجتم؟ فقلت:خرجنا نستسقي، فضحك بنا وقال:صدقتم هذا الشيخ الأحمق ارجعوا، فقلت له:أما أنا فلا يمكنني الرجوع، فتقدم أبو العباس وهو ينظر إلى السماء ويحرك شفتيه ثم قال لنا: قولوا سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فإن الخلائق يرزقون بهذا، فكنا نقول ذلك ونرفع به أصواتنا، وأقمنا على ذلك ساعة ثم قال لنا : بادروا المطر وخذوا نعالكم بأيديكم، فضحك ابن الجذع وقال : هذا والله هو الحمق، يقول لكم هذا القول والشمس شديدة الحرارة ! فقلت أما أنا فلا أكذبه، فأخذت نعلي بيدي، فوالله ما وصلنا باب الدباغين حتى غيمت السماء وانهمرت بالأمطار. فبقي ابن الجذع مذعورا فقال لأبي العباس: اغفر لي سيدي، فإني أتوب إلى الله تعالى مما ظننت بك. فقال له لن تقبل توبتك هكذا حتى تتصدق بشيء".ا 
فهذه المنقبة الحية بالحوار وتداخل الأصوات، تتنامى بالصراع بين العقل والحدس الصوفي، فأحكام العقل لا تسلم بانهمار المطر، فأسبابه غير موجودة" فالشمس شديدة الحرارة" ومدعي ذلك في عرف العقل "أحمق". ولكن سرعان ما تحدث المفاجأة، ويقع ما لم يكن منتظرا، حيث تجود السماء بماء منهمر. فلم يبق للعقل إلا الاستسلام أمام الكرامة الصوفية ويتوب إلى الله من سوء ظنونه.
  ومن أصول تصوفه  التوحيد: "توحيد الله بالتعظيم، دون أن تجعل معه إلها غيره من متاع الدنيا، فكل ما استولى على الإنسان فهو إلهه" أفرأيت من اتخذ إلهه هواه"  يقول" تنـزهت في أحديتك عن بداية، وتعاظمت في إلهيتك عن نهاية أنت الواحـد لا من عدد، والباقي بعد الأبد، لك خضع من ركع، كما ذل لك من سجد، بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم لولد ولم يكن له كفؤا أحد".ا 
التأويل : العبادات مناسك تشتمل على أقوال وأفعال، لكن بالإضافة إلى هذا الجانب التعبدي، فإن أثرها يظهر في مناحي أخرى اجتماعية وغيرها، لهذا كان أبو العباس يتأول الركوع بالمشاطرة، والسلام من الصلاة بالخروج من كل شيء، والزكاة إنما فرضت على المكلف في كل عام ليتدرب على البذل والعطاء، وإلاّ ففي الأموال حق سوى الزكاة وليس المقصود أن تعطي في وقت مخصوص وتمسك في غيره  " فهو هاهنا يجمع بين العقل النظري والممارسة العملية، بين الإيمان والعمل.
محمد السريدي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد السريدي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل