المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

كاميرا التلفزة : ثم ماذا بعد دفن الموتى؟

الاربعاء 9 أبريل 2014

كاميرا التلفزة : ثم ماذا بعد دفن الموتى؟
 
الأجواء هي نفسها،الخطاب ذاته،الوجوه عينها.لكن،ماذا بعد؟يموت الواحد،تتلاحق المراثي من كل حدب وصوب،نحو جهة واحدة : كان الرجل،ثم كان… ،فجأة لم يكن.لقد رحل بعيدا جدا إلى عالم ثان، لانعرف عنه شيئا،اللهم حفنة من القصص والحكايا،كل يؤولها حسب رغباته الشخصية.
نولد،نتقنع،نموت.هل الحياة، مجرد مقدمة أم نهاية؟هل الموت، بداية للانهائي؟هل الحياة، عبور والموت مستقر؟هل الموت صرخة اليقظة الفعلية؟أسئلة وغيرها كثير،مؤرقة جدا لذلك قال كونفوشيوس :((إننا لانعرف شيئا عن الحياة،فكيف نعرف عن الموت)).ربما،لا يشفي غليلها إلا الذوبان والتماهي مع الموت نفسه.
كلما تابعت على شاشات تلفزتنا،مراسيم التوديع الأخير لمشاهير مجتمعنا،إلا وتقاطرت ناحية رأسي كومة من الأسئلة،ساعيا أن أربطها بالمغزى والعبرة من الموت ومختلف سلوكات الوضوح،  وضوح قدرية  الموت، الواجب التزامها حتى يتطهر المجتمع،فأنتهي إلى لازمة: ثم ماذا بعد؟ما الغاية من الاحتفاء الجماعي بطقوس الموت تلك؟حيال "أعدل قسمة'' بين البشر وهي الموت.الفرد يولد وحيدا،يموت وحيدا،ثم يصمت داخل لحده وحيدا،فالموت مصير فردي لذلك ردد كائن من عيار غيفارا :((لايهمني متى وأين سأموت؟))،فيجيبه سلفادور دالي في موقع آخر:((العظماء لايموتون)).غيرأن مقتضيات،تفعيل وتعميم العبرة من الموت،سرعان ما تأخذ صيغة جماعية،لأن وقعها يحدث رعبا لدى باقي الأحياء.  
يبدو المشهد ثابتا لايتغير: سيارة إسعاف،تدور عجلاتها ببطء شديد.تحوي داخلها،تابوت ميت. يسير خلفها حشد، يختلف حجمه ونوعه،حسب مقام الرجل إبان حياته، ضمن نسيج علية القوم.وزراء،كبارموظفي جهازالدولة،إضافة إلى بعض من أسرة وأقارب الميت. سيرتدي جلهم، غالبا اللباس التقليدي الوطني. نظارات سوداء، من الطراز الرفيع تغطي مساحة واسعة من وجوههم.يكشف ماترسب من ملامحهم، عن قنوط ويأس.يجترون الخطى بتؤدة ، كأن على رؤوسهم الطير.يلاحقون بجوارحهم السيارة، وعبرها ربما، يستغرقهم على الأقل خلال تلك اللحظة، مصير الرجل المسجى وسطها.تقاسيم ناعسة ومتعبة،ينبعث منها خوف ورعب ودلالات المباغتة،كأنهم يتناظرون همسا : أحقا نحن ميتون، مثل هذا في يوم من الأيام؟هل سيدركنا الموت،بدورنا؟هل ستصبح حياتنا،وكل ما نرفل فيه من نعيم وجاه وسلطة، تحت وطأة شر ميتافيزيقي اسمه الموت؟.
طبعا،الموت فيصل شديد البأس بين ماقبله ومابعده. الأجواء الجنائزية الحزينة،التي تجمد الدم في عروقنا،فتشدنا متسمرين مع الدافنين عبر بوابة التلفزة،إلى جلال الواقعة ومايميزها من طهر آدمي مطلق،ستمثل بكل المقاييس أكبر محكمة وجودية لما صنعناه سابقا،ثم طبيعة المسار الذي سنختاره بعد ذلك.يقول توفيق الحكيم :((لاشيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم)). أما سقراط ،فقد اعتبر:((الحياة بدون ابتلاء لاتستحق العيش)).لاشك،أن المعنى الأول والثاني،سينتهيان كليهما إلى عظمة الموت وجلالها وقعها وألمها على الذات والآخرين،وأن أكبر ابتلاء يعيشه الإنسان في هذه الحياة،يبدأ بالموت وينتهي عندها.
كم من سياسي محترم،دفناه جميعا تلفزيا تحت الأضواء المنبعثة لموقف عام مؤثر،ودبجت عند رأسه لما صمت،اعترافات مطولة؟ لكن إلى أي حد اعتقدنا صدقا،أننا سنجتاز نفس التجربة في يوم من الأيام،بالتالي تحفزنا وشمرنا على سواعدنا،كي نخلد بموتنا دون أن نموت أبدا.مرجعية، يتقاسمها المؤمن وغير المؤمن ،أو بلغتنا المتداولة حاليا،المتدين والعلماني،فالأول يسري عليه ماقالته، الأم تيريزا :((علينا أن نأتي بشيء جميل من أجل الله)).والثاني،سوف يجد مع حكمة شكسبير:((السبيل الوحيد لجعل البشر يتحدثون خيرا عنك هو قيامك بعمل طيب)) ،أو تلك التي شكلتها عصارة التجارب المختلفة لقائد في وزن ونستون تشرشل :((سوف يذكرني التاريخ طالما أنني سأكتبه بيدي)) ،نبراسا لحياة مابعد الموت.
كم من مثقف معتبر،استمرت الدولة لدواعي سياسوية ضيقة،في تبخيس وتهميش رمزيته والحيلولة دون أن تعثر أفكاره على سبيل مجتمعي؟صبيحة موته،وبسرعة البرق يعاد إلى الذاكرة المشوهة بريقها المفترض،فتدرجه خطب المرددون، ضمن زمرة الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون،فصار منهم وإليهم. طيب، لامشكل ، لكن بعد انتهاء طقوس الوداع تحت أنظار كاميرا التلفزيون،وتفرق الشمل،سيلقى ثانية بسيرة ذلك المثقف وإشعاعه إلى غياهب النسيان الكامل،حتى مناسبة موت آخر لمثقف آخر.فإلى أي حد،يستلهمون ويستثمرون النموذج الفكري لذاك المثقف؟كي يحصنوا الجماعة،من الميتات المجانية التي يزخر بها الواقع الهش المغيب للأفق المعرفي.
كم من رياضي أو فنان،حققا أعظم المنجزات بعصامية نادرة،لكن تواطؤ لامبالاة المكان مع نوائب الدهر،جعلتهما مهملين،لم يسندهما في محنتهما غير رصيف قارعة الطريق؟قد يموتا،قبل موعدهما،وهما يتجرعان مرارة ظلم ذوي القربى.ساعة إلقائهما في الحفرة الترابية،ومكونات الحشد دائما نفسها،الحيثيات ذاتها،الديكور ذاته ،الكلمات عينها،فيرتقيان وقتها إلى مرتبة آلهة الإغريق. بعد مواراتهما الثرى ،وانتهاء التصوير التليفزيوني، يطرح السؤال الحقيقي : هل ستشكل تجربتهما فعلا وماديا،قطيعة فعالة بين ماقبل موت البطل أو الفنان،ثم مابعد الاحتفال الرسمي بموتهما،يعني تأبيد حياتهما؟فتتبنى السياسات العامة للدولة مع طهرانية بكائيات الموت، نهجا رياضيا وفنيا واضح المعالم،هدفه خدمة الشباب فيزيائيا وميتافيزيقيا بتوجيه طاقاته نحو الإبداع والخلق،عوض تركه لقمة سائغة للعنف والإجرام والإرهاب والضحالة.
كم صاغ الرسميون من مراثي جياشة،تأبينا لهذا الراحل أو ذاك،فتأسفوا وتحسروا على ما لحق بالبلاد والعباد من هول الفقد. لكن ماذا بعد،ماذا يتأسس على أرض الواقع؟تحضرني هنا وصية لأديسون تقول:((كن شجاعا تحلى بالإيمان وانطلق)).كثيرا،ما يؤاخذ على العرب عموما ومن بينهم المغاربة طبعا،أنهم لايهتمون ولا يكترثون قطعا بمن تميز منهم في أي ميدان من الميادين،لكن بمجرد موته، ستقال في حقه المعلقات الطويلة،بل ستأدلج الموت وتغلف بأغلف السياسة، بشكل يثني على التوجه العام للبلد،بحيث لن تترك الطقوس لمنطق الصدفة،لكن ستكتسي التفاصيل ماكبر منها وماصغر،دلالة أيديولوجية معبرة يتوخى منها بث مجموعة من الرسائل المشفرة كالواضحة. هكذا،تلوث الموت وتغتال في عريها الشفاف،ويتم تزيفها بسيميائيات الديماغوجية.
نولد،نتقنع،نموت.كل منا يمارس أقنعته بالطريقة التي تشبع نزوعاته الشخصية،خلال لحظة من اللحظات نعتقد بصحة تلك الأقنعة،ونستمتع بهذا الوهم الكبير.وحدهم عظماء البشرية والراسخين في العلم،من يمتلكون القدرة على العيش بحرية متجردين من كل أنواع الأقنعة،لذلك استحقوا حياتهم حقا مثلما خلدهم موتهم.
         
1
 
سعيـد بوخليـط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيـد بوخليـط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل