المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

قصة السيارة ٠٠٠

الجمعة 8 مارس 2013

قصة السيارة ٠٠٠
 
هذا السور المحيط بالمدينة العتيقة بُني في العهد المرابطي، كان "ابن رشد" هو الذي أشار على الخليفة علي بن يوسف ببنائه عندما استفحل خطر الدولة الموحدية. صمد السور طويلاً بعد زوال الدولة المرابطية والموحدية ودول أخرى. ظل يقاوم الزمن وهو ماانفك يحيط بأكبر مدينة مسوّرة بدول الحوض المتوسطي؛ قد لا يظهر هذا السور من القمر، غير أنه والقمر أقرب من الجيران.
 
كان جزءا ظاهرا من جانب السور قد تهدم، الجزء المحاذي لباب دكالة. كل أسفل السور يهدّده رشاش البول، فيما يتهدد أعلاه ببصاق الطيور كما أفادت دراسة علمية حديثة. كُوّاته ملجأ الحمائم والسّنونو، وأعشاشه الضخمة دار دائمة لهجرة اللقالق؛ لكن، أتهاجر اللقالق حقا؟ إنها هنا دوماً، لا تبرح الأعشاش. وساحة باب دكالة موقِف عشرات العمال يوميا، والذين يخيب أمل معظمهم غالباً، لا تحوي مرحاضاً عموميا بالرغم من أن أسلافنا -على حدّ تعبير المقررات الدراسية - كانوا أول من أنشأ الحمامات العمومية بالأندلس!
 
انطلقت سيارة رباعية الدفع من قبالة باب تاغزوت بالزاوية العباسية، يسوقها أحد أولئك الأجانب المتقاعدين الذين سحرتهم مراكش بعجائبيتها وإيقاعها البطيء. كان قد ابتاع دارا متهالكة على مقربة من ضريح سيدي أبي العباس السبتي، فرممها لتنطلق من جديد.
 
كانت عملية الترميم دائرة عند السور، كان العاملان المساعدان يرفعان المرقاة الخشبية التي يقف عليها مُرمّم المباني التاريخية، عندما وصلت المرقاة إلى منتصف ارتفاع السور أمرهما بالتوقف، كانا لا يجذبان الحبلين النافذين من البكرتين في آنٍ واحد. نهرهما المرمّم في تهديد:«سوف تخربان عملي، أنا اقل العمال وزتا ومع ذلك لا تستطيعان رفعي!». وأخيراً، أمر المرمّم مساعديه بتثبيت الحبلين ومدّه بعجين الجير والآجر الأحمر.
 
لما بلغ الأجنبي بسيارته حومة "رياض العروس" كان مستمتعاً بسماع أغنية "الحياة وردية" ، ولكن قبالة دار الباشا اضطرّ الأجنبيّ أن يتريث ريثما تعبر زُفّة تتصاعد منها الزغاريد والفرح حاملة -بلا شك- هدية عروس؛ استبطأهم كثيراً.
 
انحلّت عقدة أحد الحبلين فخرّ المرمّم على الأرض فجأة كمثل ما تسقط آجُرّة حمراء من السور. هرع المساعدان إليه. لحسن حظّهم لم يصب بسوء، أو بالأحرى بسوء كبير، نهض واقفا، ألح عليه المساعدان حتى يمضى لشراء قنينة مشروبات غازية، نَخْب نجاته.
 
في هذه الأثناء، انتهت السيارة إلى عرصة الحامض تسبقها أغنية مُتصاعدة لإديث بياف. مارقاً كالسهم من باب دكالة تحت تأثير الإيقاع المتسارع للأغنية، صدم الأجنبيُّ بسيارته مُرمّمَ المباني التاريخية.
ـ ياله من رجل مستعجل جدا..
 
تمتم المرمم وهو متمدّد على الإسفلت، أطلق المرمّم رشقاتٍ من عينيه الخاملتين متواترة وكأنه يأبى إلاّ أن يستنفد ذخيرته: رأى ببصره جانبًا من السور المتهدم، لن يكتمل أبدا؛ رنا إلى الأجنبيّ وهو يترجّل من سيارته، شاهد الشراب المنسكب على الأرض، بحث عبثاً بين وجوه عمال الموقِف المتعبة المساعدين اللذين شاهدا نجاته الاولى، لم يعثر عليهما. تاهت وجوه العمّال تدريجيا واستأثر البياض الساطع اللامتناهي بكلّ شيء. عندئذ حملتهُ اللقالق على بساطٍ، عرفها من مناقيرها، لقد خلّت أعشاشها أخيراً.
 
أغمض المرمم عينيهَ في تسليم بالقضاء والقدر.

نص منشور في موقع ال بي بي سي
ياسين أبو الهيتم / نص فائز بجائزة
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : مراكش
ياسين أبو الهيتم / نص فائز بجائزة

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل