المراكشية : بوابة مراكش

قراءة في وثائق مخزنية صادرة عن مطبعة مراكش/2


العلامة محمد الطوكي / مراكش | حرر بتاريخ 29/04/2020



تأسيسا على الجزء الأول الطباعة-وبُعدها-الوطني-في-مراكش-في-الثلاثينيات-والأربعينيات سنحاول استنكاه الهم الوطني، من خلال قراءة تحليلية في اسم المشروع من جهة، ومن خلال مقاربة بعض ثمرات تلك المطبعة من جهة ثانية .


 

أ – قراءة تحليلية في اسم المشروع :
" مطبعة التقدم الإسلامية بمراكش مديرها محمد المهدي "
يشير هذا الإسم إلى هوية المشروع الذي أنشئ سنة 1932 ، ووظيفته – مطبعة -، مضافة إلى التقدم المنعوت بالإسلام، ومكان المشروع مراكش – وصاحبه محمد المهدي المركب بالطريقة المشرقية بحذف ابن فهو محمد بن المهدي .
فهذه الصيغة شرعية ، ذكر فيها  الشيء المتملك ووظيفته ، ومكانه وصاحبه ولعل إضافة اسم المالك بهذه الطريقة جاءت على اثر استقلاله بالورشة. فمطبعة على زنة مفعلة تقدم تعريفها. أما المضاف –التقدم- فدلالته مضادة للتخلف، ونعته بالإسلامية فيحيل على معتقد ديني، ثم إن المطبعة في حد ذاتها فهي أيقونة التقدم والحداثة، ومؤشر على النهضة. أو لم تحل محل حرفة الوراقة التقليدية وقضت عليها ؟ ! وها هنا أستدعي وأستحضر حملة نابليون على مصر واصطحابه للبعثة العلمية والطباعة، كما استحضر دور المطبعة في المشروع الحداثي لمحمد علي. ويأتي نعت الإسلامية في اسم المشروع بمثابة موضوع أمل وتطلع للتقدم.
فدلالة اسم المشروع إذا ربطناه بمقامه السياسي والاجتماعي والثقافي فإننا نجدها مستوحاة من الأدبيات السياسية، من التساؤل الكبير الذي هيمن على الفترة شرقا ومغربا، وهو لماذا تأخر المسلمون وتقدمهم غيرهم، وهو هم من هموم الحركة الوطنية، وقد قاربه الأمير شكيب أرسلان ( 1869-1946) في كتابه لماذا تأخر المسلمون ؟ فاسم المشروع حامل دلاليا لأبعاد وطنية سواء من حيث الشعور أو السلوك أو التطلع، فهذه القصدية الوطنية ليست بغائبة عن ذهن هذا الطالب اليوسفي صاحب المشروع وإن شئت عن ذهنه وذهن شريكه العلامة محمد بن عثمان. أما خصوصية وطنيته المغربية ومنها المخزنية فستظهر  في الأعمال والوثائق التي طبعها .
ب - : بعد هذا أنتقل إلى قراءة في ثلاث وثائق مخزنية طبعها محمد المهدي، وعمل على نشرها وإشاعتها بين الناس، وهي حاملة لهموم ومسلكية وطنية، ومحيلة على خلفية إيديولوجية مناوئه لإيديولوجية المستعمر، يرجع تاريخ إصدارها وطبعها ونشرها إلى سنة 1943 ، ومضمونها يأخذ بعين الاعتبار الهيمنة الاستعمارية، وظرفية الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها السلبية على المغرب.
1 – الوثيقة الأولى عبارة عن رسم عدلي مرفوع إلى الأعتاب الشريفة استجابة لظهير آمر: بكتب ما جاء في الرسم العدلي من بدع أعراس ومآثم مراكش .
2 – الوثيقة الثانية نسخة من كتاب وزيري متضمن لمزيد من الجزئيات التي فاتت الرسم العدلي وهي من المشمولات الكلية للظهير ، والكتاب صادر عن الأمر الشريف بتوقيع محمد المقري مؤرخ ب 7 صفر عام 1362 هـ .
3 – الوثيقة الثالثة عبارة عن نسخة من ظهير شريف مؤرخ في 28 محرم 1362، تحيل على الأخذ بما جاء في الرسم العدلي، فهذا الرسم يعتبر استجابة من جهة لظهير سابق، وبهذا الظهير الثاني يصبح ما جاء فيه من قبيل النصوص القانونية الآمرة.
- الوثيقة الأولى – الرسم العدلي :
ينص بعد الحمدلة على العنوان الآتي : 
"بيان ما يقتصر عليه من العوائد بمدينة مراكش، وما يمنع منها في الشورة وغيرها من الأفراح والأتراح حسبما اتفق عليه أهلها".
ويقع في ثلاث صفحات، وفيه أُمِر باشا مراكش – الطالب الحاج التهامي المزواري بجمع ثلاثة قضاة، والمحتسب وأعيان البلد ليتفقوا على اقتراح ما يتعين على أهل مراكش الأخذ به في أفراحهم وأتراحهم، وإسقاط العوائد المفضية إلى الخسارة والتلف في أحوالهم وأموالهم، وعمودها الفقري اقتراح منع البدع التي عمت بها البلوى، وبيان ما يقتصر عليه في تلك المناسبات السار منها والأليم.
فالرسم العدلي مفيد تاريخيا واجتماعيا وأنتروبولوجيا فهو يحيل على تاريخ الذهنيات،فقد تطرق إلى تسمية جزئيات تلك العوائد الضاربة في القدم بالفصحى وإذا اقتضى الحال فبالعامية، ففيما يتعلق بالزواج تناول الرسم بدع الخطبة، والصداق، وما يثقل كاهل الولي، والإشهار وطرقه، ومختلف مظاهر العرس سواء تعلق الأمر بالعريس أو العروس، وما يقتصر عليه من الأطعمة، إلى جانب بدع الاحتفال بالمولود الأول، والبدع التي جرت فيه بما يلزم أهالي الزوجة، وما يتعين الاقتصار عليه في هذه المناسبة، وما استتبعها من بدع الختان. وعلى كل حال فمجموع بدع هذا القسم ينيف على الخمسين بدعة.
كما تطرق الرسم العدلي إلى بدع المآثم ؛ بدءا من الاحتضار والغسل والجنازة والدفن، وما يتبع ذلك من بدع العشاء، وبدع المتوفى عنها وخاصة عند انتهاء عدتها. وقد نيفتبدع هذا القسم على عشر بدع. اعتبرنا كل ذلك فرحا ومأثما من قبيل تاريخ  الذهنيات ونعني بها ذلك النتاج العقلي والوجداني الذي كان معظمه شفاهيا ولم يدون منه إلا اليسير.
فالصيغ الدالة على اقتراح ترك تلك البدع عبر عنها غالبا بفعلين مضارعين دالين على الترك، هما يمنع ويسقط، كما عبر عن نفس الأمر بأفعال مضارعة مقترنة بلا النافية، وإذا كانت العادة مركبة من الجائز والمنافي فإنها تشذب مما علق بها من البدع، ويأتي فعل يقتصر
معبرا عن مظاهر الاقتصار فيها. 
فعلى سبيل المثال ينص الظهير ضمنيا، إلى الإحالة على الرسم العدلي، على إجراء الصداق في المسجد أو أحد الأضرحة، ومن أراد جمع الناس في داره ، يكون ذلك بلا مغالاة، وإن كان لابد من الطعام فيقتصر على طعام واحد. وفي المآثم يمنع الاحتفال بإتمام عدة المتوفى عنها، وتدعى تطيير الوقار. وإن كان ولا بد من فعل شيء فليقتصر على تفريق الصدقة على المساكين.
ب : الوثيقة الثانية عبارة عن نسخة من كتاب وزيري عدد 895، جاءت بين يدي الظهير، مخبرة عن وصول الرسم العدلي – المتقدم – إلى الأعتاب الشريفة،  وبعد حضوره بالبال، أخبرت الوثيقة أن جلالته أمر بإضافة  بدع أخرى فاتت الرسم العدلي، كما أمر بالسهر على تنفيذ ما نصت الوثيقتان على تركه.
وإذا كان الظهير قد خاطب متلقيه – الباشا الحاج التهامي المزواري (1878-1956)بعبارة واقعية وضعت المخاطب في حدود مقامه ؛ فهو باشا، طالب،  خديم، فإن الكتاب الوزيري – لمحمد المقري (1860-1957) قد خاطب نفس المتلقي – الباشا الجلاوي -  بعبارة ذاتية انفعالية فهو، أجل، وأمجد، أحظى، وسيد، وما ذلك إلا لعلاقة المصاهرة بينهما. فبنت المقري السيدة زينب، من زوجات الباشا الحاج التهامي المزواري. والمصاهرة لا تنشئ لحمة نسب فقط، بل هي حاملة لحزمة من الدلالات، ومحافظة ومحققة لجملة من الامتيازات.
ج : إذا كان الرسم العدلي وقسم من الكتاب الوزيري متعلقا بتتبع جزئيات البدع أي الفروع، فإن الظهير قد تفاداها وتطرق إلى الأصول ؛ أي الأدلة الإجمالية التي تشمل ما فصله الرسم العدلي وما فاته. فمن الأدلة الإجمالية التي استند إليها الظهير القاضي بترك البدع .
1 – الاستمرارية والتراكم : فقد سبق للمولى يوسف (1913-1927) أن أصدر ظهيرا مماثلا لأهل حاضرة فاس (17) في ربيع الأول عام 1336 هـ - 1917 – 1918  يجعل حدا للعوائد الضارة التي كثرت آنذاك، والأخذ بما يجب الاقتصار عليه، رغبة في الاقتصاد وسلوك سبيل الرشاد. وتاريخ هذا الظهير يحيل على ظرفية الحرب العالمية الأولى. و بتراخي الزمان وتولي أزمات تلك الحرب، عاد الناس تدريجيا لما منعوا منه من العوائد في أعراسهم ومآثمهم، فالعادة كما يقال محكمة، ولها آليتها وحيلها في الظهور والاختفاء، وهكذا ففي عام 1926 رفع قضاة فاس وعلماؤها ووجهاؤها رسالة إلى رئيس المجلس البلدي وأعضائه يلفتون فيها نظرهم إلى ماجد في المدينة  من استفحال تلك البدع، ويدعون إلى ضرورة تفعيل  الظهائر السابقة  المانعة لذلك. والرسالة المرفوعة إلى رئيس المجلس البلدي مؤرخة ب 8 جمادى الأولى 1345 هـ موافق 15 نونبر 1926. فتاريخ هذه الرسالة يحيل على ظرفية كتابتها، ففي هذه السنة عرف المغرب أزمة جفاف خانقة صاحبتها مجاعة خطيرة .
ثم أعيد نشر بدع المآثم والأفراح فيما بعد في عددين من مجلة المغرب، عدد غشت وشتنبر 1935، وعدد ديسمبر ويناير 1935-1936- وإعادة نشر هذه الوثائق، وفي هذا التاريخ بالذات له دلالته ، فقد عرف المغرب في تلك السنوات جفافا ومجاعة استمرت لغاية 1937 ، ومن ثم فقد اقتضى الظرف الأخذ بالاحتياط والاقتصاد فيالمعاش بدل الإسراف والتبذير. وفي نفس السنة 1937، ضربت الحركة الوطنية بكل قسوة على يد الجنرال نوجس، رغم طابعها الإصلاحي المعتدل ؛ حيث حرمت من قادتها الذين اودعوا السجن داخليا وخارجيا.
يقول المختار السوسي عن هذه الأزمة وبخاصة عن وباء مراكش الذي اكتسحها وهو بمنفاه في إيلغ :
يقولون شكرا إذ خـرجت من الحمرا      ولم تك ممن ذاق في مطبق ضـــــــرا
وشكـــــــــــرا عظيما بـعد ذاك ثانيا       إذ الرزء بالطاعون لم يصلك الجمرا 
فلو كنت فيها اليوم ما أنت فـاعـــل         بربك قل ماذا ألا تشتهي الصحـرا ؟(20)
ويقول أحد الرحالة الفرنسيين عن هذه المجاعة الكبرى. "أتذكر  تلك المجاعة الكبرى، حيث كانت موجات من القوافل البشرية تزحف من الجنوب متجهة نحو الشمال باحثة عما يقيم أودها وأود ماشيتها، كانوا يرتحلون وأمامهم سوائمهم مخلفين وراءهم مسالك متناثرة بجيف البقر والغنم، وقبورا تواري رفاة أطفال وعجزة وغيرهم ممن أنهكهم المرض، ونال منهم وعتاء السفر فقضوا نحبهم عبر تلك الرحلة اليائسة"(21).
2 - الأخذ بمقاصد الشريعة : ومن تلك الأدلة الاقناعية التي اعتمدها ظهير ترك البدع. فالظرفية التي احتفت بظهير 1943 ظرفية حرب، الحرب العالمية الثانية، فقد  فـُـقـدتمعظم الضروريات، وارتفعت أسعار الحاجيات. وهذا يدعونا إلى تعريف كل منالضروري والحاجي الذي نص عليه الظهير. فالضروري والحاجي عند المقاصديين، من أقسام المصلحة : فالمصلحة – كما عرفها العلامة الطاهر ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة . "هي وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائما أو غالبا للجمهور أو للآحاد.
وتقابلها المفسدة : وهي وصف للفعل يحصل به الفساد أي الضرر دائما أو غالبا للجمهور أو للآحاد.
والمصلحة الضرورية والحاجية من بين أقسامها.
فالضرورية هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام بإخلالها بحيث إذا انحرفت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش. وتتمثل في حفظ الدين والنفوس والعقول والأموال والأنساب. 
أما القسم الثاني وهو الحاجي فقد عرفه الشاطبي بقوله : هو ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الحرج، فلو لم يراع دخل على المكلفين الحرج والمشقة" (22).
وهكذا استند الظهير إلى الاهتمام بالمصالح والحرص على ما يتوصل به إلى المقاصد الشرعية ، كما استدل على منع الإسراف المنهي عنه بدليل شرعي وهو قوله تعالى :﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (الأنعام/141). يقول المختار السوسي : "ولما دبمفعول الكائنة العالمية الثانية إلى المغرب، وتراءى أن الوقت حرج، وأن رب العائلة يجب عليه أن يفكر في هذه الظروف في الضروريات أكثر من الكماليات ازددت سكونا وربوضا". ويقول في - نفس الموضع- عن مطبخ المدينة – الحاضرة تضع الموازين القسط إزاء المطبخ، فلا يطبخ فيه إلا بمقدار، وخصوصا في هذه الأزمنة التي عرفها الوقود، وقُسّط كل شيء بالبون، وهي كلمة فرنسية تطلق على ورقة التوصل  بالتموين ، فإذا كان العاشق الصب يقول : أعوذ بالله من البين ، فإننا نعوذ بالله من البون ، وأصبحت السوق السوداء ملجأ لكل مضطر ، فنعوذ بالله من كل سوداء وما كل سوداء تمرة" (22) م.
3 – الظهير حامل لخصوصية القواعد القانونية الصارمة، ومنها ثنائية الجزاء والعقاب "ونأمر خديمنا الباشا والقضاة والمحتسب بالسهر على تنفيذ مضمونه، والعمل بمقتضى  منطوقه ومفهومه...وأن يجعل شديد المراقبة على تطبيقه، وإجراء الكل على نهجه وطريقه".
فبالعودة إلى تلك الظهائر، ظهائر ترك البدع التي نصت عليها. ومن المعلوم أن الحديث عن البدع من خصوصية السلفية، يتبين لنا أن سلفية المغرب سلفية مخزنية متميزة لا علاقة لها بسلفية اليوم، حيث لاحظنا أن تلك الوثائق اعتمدت مباشرة على منطق الشرع المنصوص عليه في المصادر الأصولية ؛ أدلة واستنباطا، بالإضافة إلى الاستفادة المبكرة من مباحث المقاصد الشرعية كما نظر لها علامة الغرب الإسلامي الإمام المجتهد الشاطبي.
وفي هذا الصدد تساءل الأستاذ عبد الله العروي في السؤال رقم 70 من كتابه استبانة ، عن الحركة السلفية المغربية ؟.
فيجيب : " أشير بدءا إلى أن لا علاقة لها البتة بسلفية اليوم ، الاسم خادع. الحركة المعروفة بهذا الاسم، والتي تعتبر توطئة للحركة الوطنية، هي امتداد لحركة سابقة كان يغذيها المخزن، ويقوم بها العلماء الموالون له. كان الهدف منها توحيد الولاء، والظاهرة الجديدة في هذه الحركة هي طابعها الاجتماعي المدني، حتى محاربة الزوايا لم يعد هدفها الأول سياسيا بل عاد اجتماعيا ؛ لأنها تشجع على التبذير، وبالتالي على إهدار ثروات المغاربة المسلمين ومنعهم من منافسة أعدائهم على قدم المساواة. الجانب التجاري المدني واضح هنا (23) .
ينبغي إدراج وثائق 1943 الخاصة بالبدع في سياقها التاريخي الداخلي والخارجي؛ ليتبين لنا بعدها الوطني الذي تكتسيه في حد ذاتها، وكذا في إقدام مطبعة محمد المهدي على إذاعتها ونشرها بين الناس، فإذا بدا في قمع سنة 1937 وكأنَّ الحركة الوطنية قد هزمت، فقد تمكنت في سنة 1942 من استعادة نشاطها حيث استرجعتعددا من مناضليها (24) بعدما أطلق سراحهم، وفي نفس السنة زلزلت هيبة فرنسا زلزالا شديدا باكتساح الألمان لمعظم أراضيها، وعرفت نفس السنة اجتماع الحليفين الأمريكي والأنجليزي في أنـفا من أرض المغرب، وحضور السلطان سيدي محمد بن يوسف (1927-1961) وولي العهد مولاي  الحسن مأدبة عشاء إلى جانب كل من روزفلت (1882-1951) ، وتشرشل (1874-1965)، اللذين عبرا عن تعاطفهما مع الشعوب المستعمرة، وبهذه المناسبة استجاب السلطان سيدي محمد بن يوسف فسمح للحلفاء بالإنزال في التراب المغربي، ودعا المغاربة إلى الاتحاد مع الشعب الفرنسي والنضال بجانب الأمم المتحدة ضد الهتليرية. وقد رأت فرنسا في هذه المبادرة السلطانية تمردا عليها، باعتبار أن الحسم في القضايا الخارجية من اختصاصاتها. وهكذا نرى في سنة 1942 مناسبة للاستمرار الحثيث في استرداد السلط التي سلبها عقد الحماية من المخزن، وأن السلطان سيدي محمد بن يوسف سيسترجعها شيئا فشيئا انطلاقا من الشأن الديني الذي ترك للمخزن، ووثائق البدع التي درسنا تشي بذلك، فسنة 1943 ستفضي إلى وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11-1-1944 التي كان القصر أبا بكرتها ، والمحرك لخيوطها وذلك في تجاوب وتنسيق محكم مع الحركة الوطنية.
في عرضنا هذا تطرقنا إلى الطباعة وأنواعها، وكيف تعاطاها المغاربة بعد فترة جد متراخية من اختراعها، واعْتُبِرَ دخولها إلى المغرب مؤشر من أمارات ولوج المغرب إلى عتبة الحداثة، كما تناولنا مراوحة هذه التقنية الأوربية بين الهيمنة المخزنية وتخلي المخزن عنها بعد حين للخواص، مع بقاء مراقبته لها، وتأطيره إياها بمجموعة من القواعد القانونية ، إلى جانب استفادته مع ذلك من وظائفها، في أغراضه الدينية والسياسية والتعليمية.
وبخصوص البعد الوطني للطباعة في مراكش فقد اضطررنا إلى الوقوف عند تعريف المؤرخ الأستاذ عبد الله العروي لمفهوم الوطنية بصفة عامة، وخصوصية الوطنية المغربية، أما نموذجنا فقد التمسناه في مطبعة التقدم الإسلامية بمراكش، ومن خلال تحليلنا وسبرنا لدلالة الإسم، الذي اختاره محمد المهدي لمشروعه، فقد انتهينا إلى أن بنيته الدلالية العميقة وطنية بامتياز. كما حاولنا التماس نفس التوجه الوطني من خلال بعض الوثائق المخزنية التي نشرها، فعمدنا إلى إماطة اللثام عن أبعادها الوطنية في حد ذاتها، ثم جرأة الطباع على إذاعتها ونشرها في الناس في ذلك الظرف الاستعماري العصيب الذي مر منه المغرب.
وكان بالود التطرق إلى البعد الوطني في عمل ثان من ثمرات تلك المطبعة وهو عمل إبداعي شعري وطني جريء وأعني به ديوان أحلام الفجر لزعيم وطني يعد من مؤسسي جماعة مراكش الوطنية الأستاذ عبد القادر حسن (1914-1996)، فالعمل يرشح وطنية من عنوانه فما بلك في فحواه، ونظرا لأولويته في الطباعة في المغرب وتمرده الإيقاعي ورومانسيته فقد ارتأينا إرجاء معالجته إلى بحث مستقل إن شاء الله .
 

 




أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة