المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

قراءة في الوقفة الاحتجاجية للقضاة

الجمعة 19 أكتوبر 2012

قراءة في الوقفة الاحتجاجية للقضاة
 
عرف الأسبوع الماضي حدثا هاما يشكل سابقة في تاريخ المغرب المعاصر، يتجسد في خروج أزيد من 2000 قاض إلى شوارع الرباط ببذلاتهم الرسمية من أجل الإحتجاج بصورة حضارية والمطالبة بإستقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات والحد من تدخل الجهاز التنفيذي والتأثير في القضاء بواسطة تبعية سلطة الإتهام لوزارة العدل، إضافة إلى تحسين الأوضاع المادية للقضاة والحق في الكرامة، وذلك برفع لافتات أمام محكمة النقض بحي الرياض تحمل شعارات " لا للرشوة" و" لا للريع القضائي" و " كفى من الحكرة والتمييز بين القضاة"، مع التوزيع في عين المكان لوثيقة المطالبة بالكرامة والاستقلال الحقيقي والفعلي للسلطة القضائية.
وقبل شهور قام أحد القضاة  بتوجيه شكايتين إلى المحكمة الابتدائية بالرباط حول إهدار المال العام من طرف وزير الاقتصاد والمالية السابق والخازن العام للمملكة وأيضا مراسلة وزير العدل والحريات والرئيس الأول لمحكمة النقض بخصوص تهريب الأموال إلى الخارج وتفعيل إجراءات مكافحة غسل الأموال.
إن القراءة المتأنية لهذا الحراك الذي يعرفه الحقل القضائي في الأيام الأخيرة ، يستدعي تقديم بعض الإستنتاجات والملاحظات :
- إن القضاء يلعب دورا كبيرا في ضمان المساواة في توقيع الجزاء في إطار سياسة جنائية تحمي المصالح العليا للمجتمع، حيث أن آليات العدالة الجنائية تعتبر أهم عنصر في معادلة مناهضة الإفلات من العقاب وتحقيق نظام قانوني للعقوبة متوازن يضمن الانسجام بين الجريمة والضرر.
إن القضاء النزيه والمستقل يشكل قوام العدالة الجنائية الفعالة بتوظيف قانون العقوبات لمحاربة الإجرام، والقضاء على جميع أشكال الإفلات من العقاب من جرائم الفساد السياسي والاقتصادي، وجرائم المال العام وعرقلة التنمية بتفشي الرشوة واستغلال النفوذ والتملص الضريبي.
وعلى هذا النحو فمبدأ إستقلالية القضاء هو أداة فعالة للحد من تجاوزات السلطتين التشريعية والتنفيذية وإرساء دولة القانون، والتنصيص عليه في الدستور الجديد له قيمة قانونية خاصة ويجعله يكتسي نوعا من السمو بالنسبة للقواعد القانونية الأخرى.
إن دسترة مبدأ المساءلة في مجال المسؤولية العمومية في الوثيقة الدستورية لعام 2011 يخول جهاز القضاء سلطة المراقبة القضائية من خلال مراقبة دستورية للقوانين، فالتنصيص على مبدأ المساءلة في مجال المسؤولية العمومية بصفة صريحة في الدستور الحالي سيساهم في رفع  القيمة القانونية للدستور كعقد لا يهتم فقط بتنظيم السلطات وتحديد العلاقات بينها ولكن أيضا بضمان المساءلة وتوقيع العقاب ليشكل مكونا أساسيا في مكونات هذا العقد وينتقل بذلك مبدأ المساءلة من الشرعية إلى  الدستورانية، حيث أن مبدأ المساءلة يندرج في مفهوم جديد للديموقراطية الواسعة بتوزيع الصلاحيات بين القضاء والمجتمع المدني، حيث أن القضاء يبقى هي المسؤول الأول عن احترام سيادة القانون  الرقابة على حماية المال العام.
فحتى وقت قريب، كان القضاء يفتقد إلى مرجعية دستورية لتأصيل مبدأ الإستقلالية، وهو ما دفع  بجهات ولوبيات نافذة متعددة إلى التدخل في صميم سلطانه الداخلي، وتعطيل دوره كأداة فعالة لتكريس العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون، رغم أن التشريع الجنائي المغربي ينص على الجزاءات في حالة إرتكاب الجرائم الاقتصادية، ولكن إعتبار  الملك في خطابه لتاسع مارس التاريخي "آليات تخليق الحياة العامة مرتكز للتعديل الدستوري"، هو تعبير عن دعم صريح من الملك لإرساء دعائم المحاسبة والمساءلة و الشفافية و الحد من تدخل السلطة التنفيذية في جهاز القضاء لتأهيله على مواجهة الجرائم الاقتصادية.
وربما فهذه الضمانات الدستورية هي التي دفعت القضاة أولا إلى تفعيل حرية التعبير وإحداث جمعيات مهنية من أجل الانخراط الفعلي في دينامية الانتقال الديموقراطي ومناهضة الفساد، وثانيا المطالبة في وثيقة رسمية بإخضاع جهاز الشرطة القضائية بجميع مكوناتها وبشكل مباشر لسلطة النيابة العامة في سياق تفعيل مبدأ فصل السلط.
-قام بعض قيادي الاحزاب السياسية من الإتحاد الإشتراكي وحزب الإستقلال والاصالة والمعاصرة والتقدم والإشتراكية بتشكيل جبهة للتضامن والإحتجاج على إعتقال ومحاكمة الوزير والقيادي السابق في حزب الاتحاد الاشتراكي خالد عليوة وهو ما يشكل تدخلا في السلطان الداخلي والمجال المحفوظ للسلطة القضائية.
يبدو أن هذه المبادرة السياسية تؤكد على غياب الوعي الثقافي والسوسيولوجي لدى الفاعل السياسي بالمبادئ القانونية والقيم الأخلاقية لدور القضاء في حماية وترشيد المال العام كواجب وطني وديني  نحو أموال الأمة المغربية، وعلى هذا الأساس فالفاعل  السياسي هو معني بشكل مباشر بإعمال الشفافية والمحاسبة وترشيد دعم الدولة والحد من إهدار المال العام، وهي دعوة للأحزاب السياسية  بالمساهمة في تخليق الحياة العامة والكشف عن نفقات الحملات الإنتخابية والتوقف عن بيع التزكيات للمنتخبين وشراء الأصوات والذمم ومناهضة ظاهرة الترحال البرلماني.
فتكريس التأصيل الدستوري والمؤسساتي لمبدأ المساءلة في مجال المال العام يعتبر وسيلة ضرورية لإعمال سيادة القانون حيث أن توقيع العقاب على جرائم المال العام يشكل حجر الزاوية لتكريس سيادة القانون داخل المجتمع، فتوقيع الجزاء يضمن حماية المجتمع واحترام سيادة القانون.
وحتى يقوم مبدأ المساءلة في مجال المال العام بوظائفه الاجتماعية، ينبغي أن يتوفر على عنصر المساواة، حيث يفترض أن يضمن القضاء أثناء توقيع العقوبات المساواة بتحريك آليات المتابعة الجنائية واستقلالية وحياد سلطة القضاء من أي تدخل أو تأثير كيفما كان نوعه من السلطتين التنفيذية أو التشريعية.
فعرض قضايا نهب وإختلاس المال العام أمام القضاء وتحريك آليات المتابعة الجنائية في حق المفسدين، هي وحدها الكفيلة برد الإعتبار أولا لجميع آليات المراقبة المالية والإدارية، وثانيا ملامسة الجدوى من إصدار المشرع لقوانين مكافحة الفساد و الجرائم المالية ووضع الدولة لبرامج الإصلاحات الإدارية و الجبائية والإقتصادية لمناهضة الإفلات من العقاب في حالة التملص الضريبي و إستغلال النفوذ والثراء غير المشروع وتفويت الصفقات العمومية، وذلك بإعمال المراجعة القبلية والبعدية لمالية المسؤولين الممارسين لمختلف المهام الوزارية والإدارية ومجالس الوصاية والمنتخبين في المجالس الجماعية والبلدية و البرلمانيين.
ومن هذا المنطلق، فظاهرة جريمة المال العام في إطار الجريمة المنظمة ، أضحت أمرا مستفحلا وشائعا، حيث يبدو من خلال الملفات المعروضة على القضاء،  أن الأشخاص المتابعين يلجئون  إلى طرق ومناهج مدروسة بعناية للتحايل أو خرق القانون لاختلاس المال العام وإستغلال النفوذ والإستفادة من شروط إبرام صفقات الدولة أو القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها أو صياغة طرق محبوكة للحصول على الإمتيازات التي تمنحها الدولة بشكل غير مستحق.        
إن عرض هذه الملفات أمام القضاء هو تجسيد لسياسة الدولة المرتبطة بوجود قضاء مختص في مجال مكافحة الجرائم المالية والإقتصادية، تم إنشاؤه في افق تفعيل أقسام متخصصة في محاربة الجرائم المالية حتى يتمكن من تجاوز محدودية غرف الأموال المحدثة بمحاكم الإستئناف بالرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس، على إعتبار هذا النوع من جرائم المال العام  يستوجب تكوين خاص للقضاة لتقوية مناعة السلطة القضائية في مواجهة الفساد المالي، خصوصا وأن دسترة إستقلال القضاء سيقوي لا محالة من دورها في إعمال سيادة القانون ومناهضة إفلات مرتكبي الجرائم الإقتصادية من العقاب.
د. يوسف البحيري / كلية الحقوق بمراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : احتجاجات, الرميد, القضاء, وزارة العدل
د. يوسف البحيري / كلية الحقوق بمراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل