المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

قراءة في الحملة الوطنية للحكومة للتوعية في مجال الرشوة

الثلاثاء 11 ديسمبر 2012

قراءة في الحملة الوطنية للحكومة للتوعية في مجال الرشوة
يتتبع الرأي العام الحملة التحسيسية الوطنية للتوعية ضد الرشوة التي أطلقتها قبل أيام وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، والتي تعتمد على إعلانات إشهارية في القنوات التلفزية الوطنية. إن هذه الحملة رغم أهميتها، فهي تستهدف المواطن فقط "بصفته الراشي" بشكل أساسي من خلال التركيز على تمرير خطاب أخلاقي في الاعلام المرئي، يرمي إلى تحسيس المواطن بعدم تقديم الرشوة في الادارة مقابل الحصول على الخدمات والوثائق الادارية. ولكن  ما أغفلته الحكومة الحالية في هذه الحملة التحسيسة هو أن إشكالية الرشوة في المغرب يجب وضعها في إطار أكثر شمولية يرتبط بغياب الوعي الثقافي والسوسيولوجي بالمبادئ القانونية والقيم الأخلاقية لتخليق الحياة العامة  لدى الموظف والمسؤول "بصفته مرتشي".
وعلى هذا النحو، فالموظفون في الادارة وممثلي الدولة في مراكز القرار، هم المعنيون بدرجة أولى بهذا النوع من الحملات الوطنية لأنهم يساهمون بدرجات متفاوتة في إفساد الحياة العامة، مستغلين في ذلك تقاعس سلطات الرقابة في إعمال تدابير الإفتحاص والمحاسبة .
هذا مع العلم أن التشريع الجنائي المغربي يتوفر على مجموعة من القوانين لتكريس مبادئ المساءلة والشفافية في إطار حماية المال العام مثل القانون الإجباري للتصريح بالممتلكات ومدونة المحاكم المالية وقانون مناهضة جرائم غسل الأموال، كما أن  القانون الجنائي الحالي الذي يتضمن بابا مستقلا يهم زجر الجرائم المالية واستغلال النفوذ والرشوة.
لقد أقدمت الدولة المغربية على إنشاء العديد من المؤسسات الوطنية لتخليق الحياة العامة، مثل الهيئة المركزية لمناهضة الرشوة ومجلس المنافسة، دون إغفال الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى للحسابات في الكشف عن الإختلالات في العديد من المؤسسات الوطنية والمجالس الجماعية.
ولعل السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا السياق، ما هي قيمة هذه الترسانة التشريعية والمؤسسات الوطنية في ظل غياب  وجود سياسة نشر ثقافة إقرار السبل القويمة لسيادة القانون و مناهضة الإفلات من العقاب في مجال الرشوة وحماية المال العام.
-  سيادة القانون : حلقة أساسية لمناهضة الرشوة  والاختلاسات
إن سيادة القانون ومناهضة الافلات من العقاب هي الكفيلة بتنمية القيم والسلوكيات المتعلقة بثقافة مناهضة الرشوة وهو ما يستدعي قيام الحكومة الحالية بتفعيل الضمانات الدستورية والتشريعية التي تروم تخليق الحياة العامة وإتخاذ  مجموعة من التدابير المتعلقة بتنزيل الدستور الحالي لتفعيل استقلالية القضاء وتكريس العدالة الاجتماعية.
وإشكالية تخليق الحياة العامة أضحت تشكل موضوعا للتجاذب السياسي العقيم و المزايدات السياسوية للحكومة الملتحية التي تهدد كل مرة بنشر لوائح المستفيدين من مأذونيات النقل عبر الحافلات واستغلال رمال الشواطئ. و هذه مؤشرات سيئة ستلقي بظلالها على التحسيس  بقيم  ثقافة حماية المال العام، والتي قد تدفع إلى فقدان  الثقة لدى المواطنين في الاليات المؤسساتية والقضائية لحماية المال العام، ولكن في ذات الوقت تطرح العديد من الاسئلة المتعلقة بمدى تفاعل الفاعل السياسي مع الوثيقة الدستورية الجديدة في الشق المتعلق بالدور الرقابي الجديد على  حماية المال العام وإعمال مبدأ سيادة القانون و المحاسبة في إطار مناهضة الفساد بجميع أشكاله.
لقد أجمعت العديد من التقارير الدولية والوطنية على تصنيف المغرب في المراتب المتدنية في مؤشر مناهضة الرشوة بفعل ارتفاع جرائم الفساد المالي، حيث أضحت بعض المؤسسات والمجالس الجماعية المنتخبة وسلطات الوصاية مجالا لسوء التدبير والفساد المالي  والتلاعب بالأموال العمومية واستنزاف الموارد وتهريب الصفقات  والاستفادة  من الإعفاءات الضريبية، مما أدى إلى تعطيل العديد من القطاعات الحيوية العمومية من خلال تعقيد المساطر الإدارية وفتح المجال لسلطة الرشوة والزبونية والمحسوبية واستغلال النفوذ.
إن أزمة تخليق الحياة العامة هي ظاهرة سوسيو- إقتصادية مرتبطة بالإفلات من العقاب، ويوجد نوع من الترابط العضوي بين جرائم المال العام وجميع أشكال الفساد سواء السياسي أو المالي أو الإداري، لإرتباطها بالزبونية والمحسوبية وإستغلال النفوذ والتهافت على المواقع وتعطيل سبل المساءلة وطرق المحاسبة من أجل الإغتناء على حساب الدولة وتعطيل المشاريع التنموية للمجتمع.
فالأثار الاقتصادية المباشرة لإهدار وإختلاس  المال العام، والتي تقدر بحوالي 242 مليار والتي لم تستطيع الدولة إسترجاع إلا 40 مليار منها، تتجلى في عجز الميزانية وغياب التوازن المالي والدفع بالدولة نحو الاعتماد على القروض والخوصصة، إضافة إلى التاثير السلبي على توزيع الثروات داخل المجتمع.
هذا في حين أن تقارير اللجان البرلمانية للتقصي والحقائق أكدت على أن حجم الأموال المختلسة بلغت من خلال القيام بعملية الافتحاص لمجموعة من المؤسسات العمومية مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بـ115 مليار درهم، وبنك القرض العقاري والسياحي بـ8 ملايير درهم، والقرض الفلاحي  بـ846 مليون درهم، والبنك الشعبي بـ 30 مليون درهم، والمكتب الشريف للفوسفاط بـ 10 ملايير درهم، وشركة كوماناف للنقل البحري بـ 400 مليون درهم، والمكتب الوطني للنقل بـ 20مليون درهم، و شركة الخطوط الجوية الملكية التي  اتهم مدير سابق لها باختلاس مليار سنتيم، إضافة إلى تبذير مبالغ مهمة على صيانة الطائرات في الخارج، و المكتب الوطني للصيد البحري لأزيد من 70 في المائة من الإنتاج المغربي للثروة السمكية يباع بطرق غير قانونية، ومكتب التكوين المهني الذي اختلست منه 7 ملايير سنتيم في إطار برنامج العقود الخاصة للتكوين.
وقد تؤدي الجرائم الاقتصادية إلى التوزيع السيء للثروات وتعطيل حركية التنمية الاقتصادية والمشروع المجتمعي الحداثي من خلال فقدان الثقة في العلاقة التي تجمع الدولة بالمواطنين بعد تفاقم إنتشار الرشوة والإختلاسات في المؤسسات العمومية والمجالس الجماعية في ظل ضبابية إستراتيجية تفعيل آليات المراقبة الإدارية و المالية والمساءلة الجنائية من طرف الدولة.
وحسب منظمة تراسبارانسي، فإن المغرب يوجد في المرتبة 78 من بين 133 دولة في مجال الرشوة، والمرتبة 124 ضمن لائحة 173 دولة، حسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية.
ويمكن ملامسة مؤشر الرشوة من خلال التقرير المنجز من قبل ترانسبرانسي الدولية، حيث أنه في سنة 1999 كان المغرب مصنفا في المرتبة 45، ومنذ ذلك الحين والوضعية تتدهور، ليصل في  السنة الماضية إلى الرتبة 78، كما أن المغرب سنة 1999 كان يتوفر حسب سلم الشفافية على  4.210/ ولكن السنة الماضية تراجع إلى مستوى 3.210/.
فهذا الترتيب المتدني منذ سنوات طويلة يؤكد على فشل المغرب في تخليق الحياة العامة، ويجعل من سيادة القانون ومتابعة مرتكبي الجرائم الاقتصادية، هي السبيل الوحيد لإكتساب الإقتصاد الوطني المناعة اللازمة، في مواجهة سلوكيات الفساد المالي و الإداري و تنقية مختلف القطاعات من الزبونية و المحسوبية و الرشوة وتمرير الصفقات و التملص الضريبي وسوء التدبير وغياب الحكامة، وجعل تكافؤ الفرص وسيادة القانون هي المنحى الصحيح لكسب رهان التنمية وبناء صرح دولة القانون والمؤسسات.
 
 
-   القضاء ومبدأ المساءلة في قضايا الرشوة وحماية المال العام
إن مبدأ المساءلة في جرائم الرشوة يستمد تأصيله من الوازع الأخلاقي للعقوبة التي تقوم على العدالة الإجتماعية، فالهدف الذي يسعى القضاء إلى تحقيقه هو قيام التوازن بين الجزاء وقواعد الأخلاق العامة، فكل شخص إرتكب جريمة الرشوة ونهب أو إختلاس أو إهدارالمال العام يجب أن ينال عقابه الذي يستأثر به القضاء عن طريق الردع والزجر من أجل حماية المصلحة العامة للمجتمع.
إن إرتكاب جريمة المال العام يشكل إعتداءا على رابطة قانونية ينظمها القانون الجنائي تقوم بين المال العام والمجتمع، وهو ما يلزم القضاء بتوقيع العقوبة على الجاني بمجرد إرتكاب الجريمة من أجل إعادة التوازن الاجتماعي ورد الاعتبار للمجتمع وتحقيق المصلحة العامة، حتى لا يشكل الإفلات من العقاب مساسا بسيادة القانون ويلحق الضرر بالمجتمع ويؤدي إلى فقدان الثقة في القضاء ويساهم الإفلات من العقاب في تصدع صورة الدولة لدى المواطنين.
إن القضاء يلعب دورا كبيرا في ضمان المساواة في توقيع الجزاء في إطار سياسة جنائية تحمي المصالح العليا للمجتمع، حيث أن آليات العدالة الجنائية تعتبر أهم عنصر في معادلة مناهضة الإفلات من العقاب وتحقيق نظام قانوني للعقوبة متوازن يضمن الانسجام بين الجريمة والضرر.
إن القضاء النزيه والمستقل يشكل قوام العدالة الجنائية الفعالة بتوظيف قانون العقوبات لمحاربة الإجرام والقضاء على جميع أشكال الإفلات من العقاب من جرائم الفساد السياسي والاقتصادي،وجرائم المال العام وعرقلة التنمية بتفشي الرشوة واستغلال النفوذ والتملص الضريبي.
وعلى هذا النحو فمبدأ المساءلة هو أداة فعالة للحد من تجاوزات السلطتين التشريعية والتنفيذية وإرساء دولة القانون، والتنصيص عليه في الدستور الجديد له قيمة قانونية خاصة ويجعله يكتسي نوعا من السمو بالنسبة للقواعد القانونية الأخرى.
إن دسترة مبدأ المساءلة في مجال المسؤولية العمومية في وثيقة 2011 يخول جهاز القضاء سلطة المراقبة القضائية من خلال مراقبة دستورية للقوانين، فالتنصيص على مبدأ المساءلة في مجال المسؤولية العمومية بصفة صريحة في الدستور الحالي سيساهم في رفع  القيمة القانونية للدستور كعقد لا يهتم فقط بتنظيم السلطات وتحديد العلاقات بينها ولكن أيضا بضمان المساءلة وتوقيع العقاب ليشكل مكونا أساسيا في مكونات هذا العقد وينتقل بذلك مبدأ المساءلة من الشرعية إلى  الدستورانية، حيث أن مبدأ المساءلة يندرج في مفهوم جديد للديموقراطية الواسعة بتوزيع الصلاحيات بين القضاء والمجتمع المدني، حيث أن القضاء يبقى هي المسؤول الأول عن احترام سيادة القانون ولكن المجتمع المدني يصبح هو المسؤول الأول عن ضمان الرقابة على حماية المال العام.
إن دسترة آليات تخليق الحياة العامة في الوثيقة الدستورية الجديدة،  تحمل دلالات عميقة تروم جعل الدستور الجديد كأسمى قانون في البلد مرجعية لإستراتيجية واضحة وشفافة لتفعيل آليات المراقبة الإدارية و المالية والمساءلة في المسؤولية العمومية، والقطيعة مع سلوكيات الفساد المالي والاقتصادي وإهدار المال العام، مما سينعكس بشكل ايجابي  على الاقتصاد الوطني والإدارة المغربية اللذين أبانا عن عجز بنيوي في الإقلاع والانخراط في دينامية الدفع بالعملية التنموية ببلادنا.
فحتى وقت قريب، كان القضاء يفتقد إلى مرجعية دستورية لتأصيل مبدأ الإستقلالية، وهو ما دفع  بجهات ولوبيات نافذة متعددة إلى التدخل في صميم سلطانه الداخلي، وتعطيل دوره كأداة فعالة لتكريس العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون، رغم أن التشريع الجنائي المغربي ينص على الجزاءات في حالة إرتكاب الجرائم الاقتصادية، ولكن إعتبار  الملك في خطابه لتاسع مارس التاريخي "آليات تخليق الحياة العامة مرتكز للتعديل الدستوري"، هو تعبير عن دعم صريح من الملك لإرساء دعائم المحاسبة والمساءلة و الشفافية و الحد من تدخل السلطة التنفيذية في جهاز القضاء لتأهيله على مواجهة الجرائم الاقتصادية.
فمنذ    2003  قامت الحكومة المغربية بالتصديق على إتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمناهضة الفساد، وبعدها أصدر المشرع المغربي قوانين محاربة تبييض الأموال ونهب المال العام وقانون التصريح بالممتلكات، ولكن دسترة مبدأ المساءلة في مجال تخليق الحياة العامة هو الضامن الرئيسي لتفعيل دور القضاء في مواجهة جميع أوجه الفساد السياسي والاقتصادية.
لقد نشرت جريدة أخبار اليوم عن وثائق تكشف عن تعويضات بدون سند قانوني حصل عليها كل من وزير المالية السابق بقيمة 8 ملايين سنتيم شهريا و الخازن العام للمملكة بقيمة 10 ملايين سنتيم شهريا. والغريب في الامر، هو ان الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء استدعت موظفين اثنين من وزارة المالية للتحقيق معهما للاشتباه في تسريب وثائق وزارة المالية، وذلك عوض فتح التحقيق مع المسؤولين في الحصول على تعويضات من الاموال العمومية  بدون سند قانوني.
فعرض قضايا نهب وإختلاس المال العام أمام القضاء وتحريك آليات المتابعة الجنائية في حق المفسدين، هي وحدها الكفيلة برد الإعتبار أولا لجميع آليات المراقبة المالية والإدارية، وثانيا ملامسة الجدوى من إصدار المشرع لقوانين مكافحة الفساد و الجرائم المالية ووضع الدولة لبرامج الإصلاحات الإدارية و الجبائية والإقتصادية لمناهضة الإفلات من العقاب في حالة التملص الضريبي و إستغلال النفوذ والثراء غير المشروع وتفويت الصفقات العمومية، وذلك بإعمال المراجعة القبلية والبعدية لمالية المسؤولين الممارسين لمختلف المهام الوزارية والإدارية ومجالس الوصاية والمنتخبين في المجالس الجماعية والبلدية و البرلمانيين.
ومن هذا المنطلق، فظاهرة جريمة المال العام في إطار الجريمة المنظمة ، أضحت أمرا مستفحلا وشائعا، حيث يبدو من خلال الملفات المعروضة على القضاء،  أن الأشخاص المتابعين يلجئون  إلى طرق ومناهج مدروسة بعناية للتحايل أو خرق القانون لاختلاس المال العام وإستغلال النفوذ والإستفادة من شروط إبرام صفقات الدولة أو القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها أو صياغة طرق محبوكة للحصول على الإمتيازات التي تمنحها الدولة بشكل غير مستحق.      
إن عرض هذه الملفات أمام القضاء هو تجسيد لسياسة الدولة المرتبطة بوجود قضاء مختص في مجال مكافحة الجرائم المالية والإقتصادية، تم إنشاؤه في افق تفعيل أقسام متخصصة في محاربة الجرائم المالية حتى يتمكن من تجاوز محدودية غرف الأموال المحدثة بمحاكم الإستئناف بالرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس، على إعتبار هذا النوع من جرائم المال العام  يستوجب تكوين خاص للقضاة لتقوية مناعة السلطة القضائية في مواجهة الفساد المالي، خصوصا وأن دسترة إستقلال القضاء سيقوي لا محالة من دورها في إعمال سيادة القانون ومناهضة إفلات مرتكبي الجرائم الإقتصادية من العقاب.
 
 
د. يوسف البحيري / جامعة القاضي عياض
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د. يوسف البحيري / جامعة القاضي عياض

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل