المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

في ملتقى مراكش/ "أبناؤنا": دلالة الاسم وإيحاءات المسمى

الاثنين 28 أبريل 2014

نظم يوم امس السبت 26 ابريل الملتقى السنوي الإخباري الأول الذي نظمته المؤسسة الاجتماعية التربوية "أبناؤنا" بشراكة مع مركز محمد بنسعيد ايت ايدر للابحاث والدراسات تحث شعار: " أبناؤنا مستقبلنا "

الملتقى حضرته أسماء وازنة وعلى راسها عبد الرحمان اليوسفي وبنسعيد ايت ايدر ومولاي امحمد الخليفة ووجوه بارزة في عالم الفكر والثقافة

البرنامج تضمن عدة مداخلات بينها المداخلة الرابعة للاستاذ محمد الطوكي استاذ جامعي بكلية الآداب و العلوم الانسانية بمراكش بعنوان : " اصول التربية والتعليم في الذاكرة المغربية". وهذا نصها




الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله
   حضرات السيدات والسادة.
في هذا الفضاء الأنيق الذي يكتسب جماله وجلاله من هذه الشخصيات الفذة الوازنة، الحاملة جسما وروحا لوشم وعبق الذاكرة المغربية، هذه الشخصيات المنفعلة بظروف وملابسات ووقائع المغرب الحديث، والفاعلة فيه تارة بالتحدي وأخرى بالاستجابة. أقول في هذا المقام المحترم والمهيب تتعطل لغة الكلام، ويهيمن الإرتاج، وينفسح المجال لتواصل من نوع آخر، تواصل متواشج بأحوال وجدانية شبيهة بلذة الكشف والإشراق الصوفيين، ففي هذا الموقف لا غرابة أن يصبح الصمت بليغا والكلام لغوا. ومما يزيد في شدة الصمات في مكاننا هذا وزماننا هذا، حضور الفعل،وهو عبارة عن مؤشرات مباركة تجسد مشروع مؤسسة "أبناؤنا"، وانفلاقه من حيز القوة إلى حيز الوجود. ومن القواعد الفقهية المزكية للأفعال، والمؤخرة للأقوال، التي تحملناها عن شيوخنا في جامعة ابن يوسف، قاعدة "البيان بالفعل أقوى من البيان بالأقوال". قاعدة مرجعيتها مستمدة من حدث مصالحة، وبما أن روح هذا اللقاء كامنة في مصالحة المجتمع مع مؤسساته التربوية، فسأفتح قوسا أشرح فيه أصل تلك القاعدة؛ إنها مصالحة الحديبية، وهي تمثل من جهة مصالحة بين مسلمي المدينة و مخالفيهم في المعتقد من ساكنة مكة من القرشين، وفي ضمن هذا الحدث الكبير سيتولد حدث أصغر وهو تأكيد مصالحة المسلمين مع ذواتهم، ازداد به المسلمون سكينة وإطمئنانا. وفي ثنايا هذا السياق الأخير، كان للمرأة الحكيمة، أم المؤمنين أم سلمة، كما نعلم، دور مهم. مما جعل ابن حجر العسقلاني يقول في حقها: " كانت موصوفة بالعقل البالغ، والرأي الصائب، وإشارتها على النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها"1*.
 
حضرات السيدات والسادة:
اسمحوا لي إذا تجرأت واقتحمت جدار الصمت الذي آثرته، فخالفت باختراقه الأولى،
لأقوال كلمة عن المشروع التربوي الذي وضعه الشريف مولاي عبد السلام الجبلي أمامنا، وجعله، قصدا أو عن غير قصد، حائلا بيننا وبين العبور إلى مد الحديث عن شخصه الكريم.
 
حضرات الإخوة والأخوات:
إن زماننا الراهن متميز بطغيان العولمة التي أريد من هيمنة أخطبوطها أن يخلخل كل شيء من المعنى، بل أن تسحب من كل شيء لذة المعنى. وهكذا باتت المجتمعات الحديثة وكأنها استكانت إلى منطق الفردانية، الحامل لشعار أنا وبعدي الطوفان، وتشيىء الإنسان، وطغيان هلع المال، والاعتزاز بامتلاك القناطير المقنطرة منه، وتطلع رؤوس ثعبانه إلى الاستحواذ وتصريف وتدبير شؤون جميع المجالات، والتلاعب بالقيم وبلبلة دلالتها، ففي هذا العالم الذي سبر أغواره MAX Weber في كتابه القيم Desenchantement du monde

يقف مشروع مؤسسة " أبناؤنا" مدينا ومتهما العنف والأنانية والظلامية وتراجع القيم،يقف متمسكا بالمقدسات، رافعا قواعد مؤسسة مبتناة على أسس تربوية حديثة، شيدت بملاط هذا الوطن الأمين، بتربته، وطوبه وصخره ومائه وخشب غابه، وبسواعد أبنائه وبتخطيط ومتابعة أطره، مؤسسة مزدانة بنبات محيطها وحيواناته وطيوره ووحيشه، وصنائعه، مستهدفة بدءا و نهاية تكملة وتمتين ما استضمره "أبناؤنا" في رحاب المدرسة عن طريق أنشطة موازية تتبنى أساليب حديثة؛ تكشف عن قدرات أبنائنا، وتنمي كفاءاتهم، وتطور شخصيتهم وتهذب أخلاقهم.
" أبناؤنا" أيها السادة، تسمية صغيرة المبنى لكنها كبيرة المعنى. وسأتناول بكثير من الإيجاز أبعادها الدلالية انطلاقا من العلم الخاص بالعنونة Titralogie ، مركزا على الناحية القصدية والأسلوبية.
إن صياغة مطلق العناوين لا تأتي اعتباطا، بل يراعي واضعوها عدة جوانب، منها عكسها للمحتوى من جهة، وجماليتها من جهة ثانية. ولهذا تجد المهموم بالعنونة، يصوع عدة عناوين، ثم يخضعها بعد ذلك لمحك النقد، فيختار منها المناسب وفقا لمجموعة من المعايير.
فمرجعية مؤسسة "أبناؤنا" في نظري، والله أعلم، آيلة إلى هم قديم حمله صاحبها زمان الحركة الوطنية، التي يعتبر رمزا شريفا من رموزها، التي تجسدت رؤيتها الثقافية والتربوية في المدارس الحرة، التي هي تطوير للكتاتيب القرآنية، وباستحداثها، تمكنت الحركة الوطنية من التوفيق بين الأصالة التربوية والمعاصرة. ويعتبر مولاي عبد السلام الجبلي من المؤسسين الرئيسيين لمدرسة الفضيلة الحرة، التي أخذت على عاتقها تربية النشء وتعليمه من جهة، ومحاربة أمية الكبار من جهة ثانية، وتستمر المسيرة بتجربة مؤسسة "أبناء الشهداء" ، فتجربة الجيل الجديد لمدرسة "أبناؤنا" في منتصف الثمانيينات من القرن العشرين.
وهكذا فإن مرجعية "أبناؤنا" متأصلة في تاريخ التربية والتعليم في المغرب الحديث. وما أوجزناه مندرج فيما أ‘سميناه بالقصدية.
أما عن الناحية الأسلوبية:
- "فأبناؤنا" يخرجك سماعه أو قراءته من أول وهلة من أنانيتك، ويفتحك على بقية أبناء هذا الوطن ليشعرك أنهم أبناؤك، ويستحقون منك ما يستحقه من هم من صلبك.
- "أبناؤنا" في عرف النحويين، الواصفين للتراكيب اللغوية، مبتدأ، وهي فعلا بداية ومساهمة نموذجية مواطنة مدروسة في ملف إخراج التعليم من المأزق الذي يتخبط فيه.
- أبناؤنا" في عرف البلاغيين، خارجة عن المألوف، لأن خبرها محذوف؛ فما أشبهها بلوحة فنية، تركت لقارئها ومتأملها حرية اختيار الخبر الذي يوحي خطها أو حرفها الأحمر بمعجمه. فله أن يضيف أو يساهم بإبداعه في البياض بعد " أبناؤنا". له أن يقول أو يخط: مستقبلنا، أو بحاجة إلى رعايتنا، أو يتطلعون إلى حياة كريمة، أو ... الخ. فالمجال الدلالي للخبر واسع عريض، ولكل واحد أن يملأ بياضه بما تقتضيه مصلحة الأبناء.
حضرة لأخ الكريم المناضل مولاي عبد السلام الجبلي أراني مدفوعا بقوة غريبة إلى أن أحيي بروحي الملتهبة مواطنة وبانحناءة إكبار، هذا الوجه الآخر من تضحيتكم الماثلة في تربية أبنائنا وتعليمهم، فجزاكم الله خيرا عن هذه الغيرية التي جبلتم عليها، حيث وفقتم في جعل قلبكم، منذ أن راهقتم، واحة تأوي القريب والبعيد. وليست مكرمة اليوم بأول بركاتكم.
والسلام عليكم.
---------------//////
  
*​1- دخل عليها صلى الله عليه وسلم عندما تم صلح الحديبية متغيرا، عندما أمر أصحابه أن يتحللوا من إحرامهم بحلق رؤوسهم ونحر هديهم، فتراخوا عن المبادرة في تنفيذ الأمر، ولعلهم لم يستحسنوا الصلح ورأوا ان القتال أفضل، فأشارت أم سلمة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه وينحر هديه، فإنهم لا محالة يقتدون به، ففعل وامتثلوا.

محمد الطوكي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد الطوكي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل