المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

في مفهوم الحريم

الاثنين 31 غشت 2015

لا شك أن مفهوم الحريم le harem كناية عن أنواع ومظاهر شتي من الحريم تعيشها الدولة العربية ما قبل -الوطنية. بمعني إذا اقتصر مفهوم الحريم في الثقافة العربية والإسلامية وأحال بشكل مستمر علي الوضع الفكري والثقافي للمرأة، فإننا في حقيقة الأمر وأبعد من ذلك بكثير نعيش حريما سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، انطلاقا من التجليات العبودية لأوضاعنا المادية والفكرية، والبنية البطريركية التسلطية التي تقنن روافد وسياقات مجتمعاتنا وتحول بينها وبين تأصيل حقيقي وفعال لاحتمالات الحداثة.
يتجلي الحريم سياسيا في رعوية المجتمع وانتفاء كلي لمؤسسات مدنية حقيقية وصادقة تشغل حركية هذا المجتمع. وعلي المستوي الاقتصادي تنقلنا بنية الحريم إلي نمط الاقتصاد الريعي وغياب الشروط التي تخول سيرا طبيعيا لاقتصاد حقيقي مبدع ومنتج وقادر بالتالي علي المنافسة الدولية. أما ثقافيا فإن الحريم يتأسس علي لعبة المطلق والممانعة وكذا اللوبيات التي تعرقل شروط بناء ثقافي قادر علي ربط واقعنا بالتاريخ الكوني.
تشبه المرنيسي هوس الحريم بـ الوباء l'ژpidژmie في إشارة إلي هذا الإحساس المرضي القديم الذي يمتد في تاريخنا الثقافي العربي إلي عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد ( القرن الثامن). ونحن نتوهم خطأ بأننا قد قضينا عليه وتخلصنا من تبعاته كما فعلنا سابقا مع التيفوئيد أو السل مثلا..
يصيب وباء الحريم الرجال والذكور حيث يجعلهم ينظرون إلي رفيقتهم كـ جارية وما يحمله ذلك من نظام قيمي وسلوكي ينطوي علي كل معاني التسلط والتعالي. مرض لا ينفلت منه أي شخص حتي ذوو المواقع الاجتماعية المتميزة معرفيا.
الرغبة الواعية أو المستكينة في امتلاك خادمة أو جارية أو قن أو عبد قد تسيطر علي مخيلة الجميع وتدغدغ أحلامهم. تقول المرنيسي : الجارية هي تلك التي تستجيب لدعوة سيدها إنها هنا لتخدمه. الجارية يقول لنا ابن منظور صاحب (لسان العرب) ترادف ببساطة الخادم. مرادف آخر للجارية هو (القن) أكثر تحديدا لأنه يحيل علي النساء الخادمات اللواتي طورن مواهبهن كمغنيات موسيقيات. وبهذا المعني تترجم بالضبط الكلمة اليابانية geisha التي تريد أن تقول أدبيا فنان و La geisha هو الذي يسلي الآلهة. كلمة جارية الحريم odalisque أحدثت أضرارا عند جيراننا الأوروبيين وألهمت الرسامين منذ إنكرسingres (1780--1867) ودولاكروا Delacroix (1798-1863) إلي غاية ماتيس Matie (1869-1954) ثم بيكاسو Picao(هو كذلك رسم حريمه !)).
وباء الحريم لا يمكن تشخيصه فيزيائيا أو تحديد أعراضه مثلما هو الحال مع الأمراض العضوية مما يعقد الأشياء ويزيد من غموض وصعوبة هذا الوباء وبالتالي إمكانية الحد من انتشاره. إنه يعترض الذات يقتحمها ويعمل علي اختلال توازنها ويخلق لديها اضطرابا وقلقا نفسيين. فأن تتوفر علي جسد سليم غير كاف لكي يكون المرء سعيدا : ( فيروس الحريم ليس له أعراض فيزيائية وهو ما يعقد الأشياء. إنه يتعرض لتوازنك العاطفي ويتمظهر بطريقة مختلفة حسب الميادين حتي نتكلم مثل العسكريين. عند البعض فإن الفيروس الخبيث يدفع إلي أحلام يقظة ماكرة. حيث ستتخيل نفسك وأنت تدللك ثلاث نساء حتي ولو كنت في الحياة الواقعية مفعما بواحدة. عند البعض الآخر الرغبة في أن تكون له رفيقة سلبية خاضعة بشكل دائم وصامتة ولو كانت تتوفر علي دولاب من الشواهد).
يؤكد ابن منظور في (لسان العرب) بأن الحريم يمتد في أصوله اللغوية إلي الحرام أي الأشياء المحظورة الممنوعة في تناقض مع الحلال بمعني كل ما هو مرخص به.
يشير الحريم أيضا إلي الفضاء الخاص المنغلق علي الجمهور تعيش فيه مجموعة من النساء في ملكية شخص وحيد حاميهم وسيدهم : ( الحريم مفهوم مكاني حد يقسم العالم إلي نصفين : فضاء داخلي أنثوي مخفي وممنوع علي كل الرجال باستثناء السيد.. ثم فضاء خارجي منفتح علي كل شيء إلا النساء. كلمة حريم Harem تحريف خفيف من قبل الأتراك للكلمة العربية حريم Harim والتي تعني في نفس الوقت المحظور ( حرام) وكذا الفضاء المقدس ( مثل حرم مكة) حيث الدخول مراقب وخاضع لقواعد دقيقة وصارمة).
بالتأكيد تأسست كل الحضارات الكبري علي السخرة والعبودية l'esclavage سواء مع اليونان أو الرومان والذين أعطوا أول أنواع الحريم إلي العالم والثقافات الإنسانية.
وارتبطت تاريخيا مجموعة من المفاهيم مثل: جارية jaria قن qina جليسةcourtisane ثم جارية الحريم odalisque داخل كل الحضارات الإنسانية بالغزو والاجتياح العسكري حيث يتوجه القواد والرؤساء صباحا مسلحين لكي يعودوا في المساء بغنائم كثيرة تشكل النساء أهم مكوناتها. فالتداخل قوي بين: ( الغزو العسكري واختزال النساء في العبودية وكذا الاستغلال الجنسي لصالح وحيد فريد ولا يعوض إنه : الإمبراطور الغازي). كما أن القدرة الاستيهامية لكلمة حريم Harem تتأتي من هذه الصلة بين الغزو العسكري وكذا توظيف النساء في العبودية والاستغلال الجنسي لهن لصالح الإمبراطور الغازي كشخص استثنائي في نوعه).
مفهوم حريم يثيرنا بشكل كبير. تحدده ثلاثة عوامل أساسية: القوة والثروة واللذة. رابطة: (تنفلت منا باستمرار وتقوم بلا علمنا بين القوة العسكرية الشرسة والجنس ثم العنف واللذة).
ولا شك أن العرب أو الغربيين لا يحلمون أبدا بنفس الحريم. لذا تشير المرنيسي بهذا الصدد الي أنه بعد ترجمة روايتها أحلام النساء Rگves de femmes إلي عشرين لغة عالمية تقريبا من الفلندية إلي اليابانية حاورها سنة 1995 عشرات الصحافيين ففوجئت بأن أسئلة وكذا ردود الفعل الفلندية تختلف عن تلك التي جاءت مع خطاب الإسبان أو المصريين. مما دفعها، تضيف المرنيسي إلي أن تستبدل الأدوار وتحاور هي بدورها الصحافيين لكي تكتشف بأن كثيرا من الأوروبيين باستثناء الإسبان حينما يذكرون الحريم يفكرون مباشرة في السلاطين العثمانيين. بينما نحن العرب فإن تفكيرنا يقفز مباشرة إلي الخليفة العباسي الرابع هارون الرشيد في القرن الثامن.
وبالفعل قضي هارون الرشيد جل وقته كعاشق مولع بالمرأة لتبلغ عدد جواريه 2000 جارية. بعد أن تزوج عن عمر 16 سنة من ابنة عمه الأميرة زبيدة . لكنه في كل مرة كان الرشيد يسقط في حبال عشق امرأة تنتمي لرجل آخر كما هو الأمر مثلا مع دنانير .
كان الرشيد حاكما غازيا في صراعات مستمرة مع الرومان تمكن معها من الاستيلاء علي بيزنطة. وقد قضي 23 سنة في حكم الإمبراطورية الإسلامية يقود فيها الجيش بنفسه. سنة يتوجه فيها علي رأس قافلة قصد الحج في مكة. وفي السنة الموالية يجاهد فيها ضد بيزنطة.
لقد غزا هارون الرشيد - كما هو الشأن مع محمد الثاني أحد سلاطين الدولة العثمانية - بجيوشه وحول النساء إلي عبيد، مما أعطي اللحظة التاريخية مع الدولة العباسية هذا التمازج والتلاقح والتوالد كذلك بين العنصر العربي والشعوب الأخري. بل إن كثيرا من الخلفاء العباسيين كانوا من أمهات رومانيات كما هو الحال مثلا مع المأمون والواثق والمنتصر والمهتدي. لذلك تمكنت كثيرات من النساء العبيد من تغيير القصور العربية. إمكانية لا يمكن أن تتأتي إلا داخل مجال النظام الثقافي الإسلامي نظرا للمجال الحقوقي والتحرري الذي أعطاه الإسلام للعبيد. بينما كان الأمر مستحيلا مع الحريم اليوناني أو الروماني: (لقد انتقمت النساء الأجنبيات المحتلات واللواتي اختزلن إلي العبودية. بوضع أبنائهن علي عروش المسلمين وبالتالي تغيير ثقافة السيد ).
بذكر الحريم إذن نفكر نحن العرب مباشرة في هارون الرشيد واللحظة التاريخية التي أثرت بشكل كبير في تشكل النظام الإبستمولوجي والإيديولوجي للإمبراطورية الإسلامية.
سعيد بوخليط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيد بوخليط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل