فهم الحرب/ .. كتاب عن الوسيلة الأكثر دموية لحل الصراعات

الثلاثاء 7 ماي 2013

فهم الحرب/ .. كتاب عن الوسيلة الأكثر دموية لحل الصراعات
يتعامل هذا الكتاب مع الحرب باعتبارها ظاهرة ملازمة للحياة فى هذا العالم، هى أمر واقع تكاد لا تخلو منه أى فترة زمنية مرت بها الإنسانية، لا يسأل كثيراً عن مدى مشروعيتها أو عن أخلاقياتها، ولا يلتفت إلى أسبابها، ولا يعنيه إلا بقدر يسير ما تخلفه من دمار. الحرب هى الحرب. وسيلة لتحقيق غايات مختلفة، وغاية فى حد ذاتها فى أحيان أخرى.
 
أى كتاب للتاريخ لا يخلو من ذكر للحرب، تماماً كما لا تخلو أى نشرة من نشرات الأخبار من خبر عنها. عنوان ثابت يتنوع أبطاله وتكثر ضحاياه. لهذا كان منطقياً أن ينطلق مؤلفا الكتاب الأستراليان آلان ستيفنز، المحاضر فى جامعة «نيوساوث ويلز» الأكاديمية الأسترالية لقوى الدفاع،
 
ونيكولا بيكر، أستاذ الدراسات الاستراتيجية فى الجامعة نفسها، من حقيقة تشير إلى أن مسرح الأحداث فى مناطق عديدة من العالم أصبح يتطور بشكل خطير، فثمة نقاط اشتعال خطيرة: شبه الجزيرة الكورية ومضيق تايوان والشرق الأوسط. انعدام الأمن واليقين أصبح السمة الأساسية التى يحيا فى ظلها البشر. فالحرب أو التهديد بالحرب أصبح أمراً معتاداً ومألوفاً.
 
الزاوية التى ركز عليها الكتاب فى محاولة لفهم معنى الحرب هى الاستراتيجية. هذا المفهوم يرتبط بفن الحرب وبالطريقة التى تستخدم القوة العسكرية من أجل تحقيق أهداف سياسية. هى كلمة السر إذا حاولت أن تفسر ممارسات القوة. فهى تعنى ببساطة «فن إدارة الجيوش» لكن الكلمة امتدت لتشمل تقريباً كل مجالات الحياة، فهى تشير إلى الهدف الرئيسى لجميع الموارد البشرية والدبلوماسية والاقتصادية والعلمية والإعلامية والاجتماعية والصناعية والعسكرية، وتوجيه كل ذلك لكى يصب فى المصلحة الوطنية. وهى تعنى أيضاً أن ثمة مجموعة واسعة من الخيارات يمكن أن توجد فى كل من هذه المجالات. وتتلخص الاستراتيجية الكبرى فى جملة واحدة: البقاء على قيد الحياة.
 
ولكى تبقى عليك أن تنتصر: يستخدم البشر الاستراتيجيات لتحقيق النصر على كل مستوى من مستويات الصراع. وبناء عليه يمكن تعريف الاستراتيجية على أنها «كيفية الانتصار». والاستراتيجية قد تكون بشعة: القنابل النووية تستخدم بهدف الانتصار. هكذا فعلت الولايات المتحدة الأمريكية حين أسقطت سلاحها النووى على هيروشيما ونجازاكى خلال الحرب العالمية الثانية بهدف النصر على اليابان ووضح حد رادع للحرب معها. المهم فى استخدام الاستراتيجية هو حجم التأثير.
 
جوهر أى استراتيجية يتراوح فى العلاقة بين الغايات والوسائل والأساليب التى تنتهى بما يسمى «الهدف» ومنه النصر التام، ولتحقيق هذا الهدف هناك طرق مختلفة مثل الحملات العسكرية والدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية، الأسلحة، الضغوط الدولية والمال. بهذا المعنى تصبح الحرب مجرد استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى.
 
وهو المعنى الذى أكده الجنرال البروسى الألمانى «كارل فان كلاوتس»: الحرب فى النهاية عمل سياسى وبالتالى فإن كل جانب من جوانب سلوكها، بما فى ذلك وضع الاستراتيجية، يجب أن تعكس بعداً سياسياً، ويجب أن تكون مصممة لدعم الهدف السياسى. ويحدد الكتاب بعضاً من الاستراتيجيات المعاصرة المرتبطة بالحرب، ومنها الاستراتيجية النووية التى سبقت الإشارة إلى بشاعتها.
 
والوضع مع هذه الاستراتيجية معقد جداً خصوصاً لارتباطها بما سماه المؤلفان الاستراتيجية الانتقامية واسعة النطاق، فهى واحدة من الاستراتيجيات ذات الطابع النووى بحيث يمكن تنفيذها فى أى وقت وفى أقرب فرصة. وتظل الفكرة النووية فكرة ردع فى المقام الأول قد تتطور إلى وضع التصعيد التدريجى بين أطراف الصراعات المختلفة.
 
والمشكلة الدائمة فى هذا السياق هى كيفية إدارة استخدام الأسلحة النووية، حتى أصبح السؤال المحورى: هل يمكن التحكم فى الحرب النووية؟ وقد جاءت الإجابة على لسان الكثير من المعلقين: «لا».
 
المشكلة أيضاً أن أى حديث عن إمكانية مواجهة الأسلحة النووية حال اللجوء إليها يظل فى حيز التكهن لأنه فى الواقع لا يمكن تحمل عواقب هذا الاستخدام بسبب قوة تدمير الأسلحة المواجهة الممكنة للإبادة.
 
الأمر هنا خطير. فكرة الردع المتبادل لن تؤدى إلا إلى التدمير المتبادل و«سيدخل العالم فى السريالية النووية الاستراتيجية». الإرهاب وجه آخر من أوجه الاستراتيجيات التى حللها الكتاب.
 
«يعتمد الإرهاب منهجية توليد الخوف كوسيلة من وسائل الإكراه. ويمكن استخدامه بشكل مقصود لتحقيق هدف محدد، مثل الحصول على المعلومات، أو مجموعات معينة، أو معاقبة أفراد، أو لزرع مستوى عام للرعب، وبالتالى لحمل من لا رغبة له فى التعاون على التعاون».
 
ويشير المؤلفان إلى ملاحظة أن الإرهاب كان عنصراً محورياً فى استراتيجيات حربية أخرى مورست فى عدد من الحروب، مثل الاستراتيجية البحرية والجوية.
 
ستيفنز وبيكر يقولان تحليلاً يرتبط بالمنطق الآخر: «الإرهاب موجه مباشرة ضد المدنيين، وغير المقاتلين، حيث تتجه نوايا الإرهابيين إلى خلق حالة من الخوف وعدم اليقين»، وينتقدان هذه المرة الخلط الواضح بين الأمن والإرهاب: «ثمة خلط فى مفهوم تعريف منظومات الإرهاب وهنا يجب الحرص التام لدى القيام بتعريف الإرهاب، وعلى سبيل المثال، الانغماس فى معانى الكلمات عندما يوصف التعذيب المنهجى، والتشويه، أو سوء معاملة الجنود الأسرى وجرائم الحرب، أو ليس يعتبر ذلك إرهاباً؟ أو إذا استعملنا عكس هذه الحالة، وهو قصف المدن بعمليات نظامية جوية على اعتبارها عملية مشروعة، أليست تعتبر جريمة وتحمل فى طياتها الإرهاب؟» ويصلان إلى نتيجة: «من هذا المنطلق، فإن الإرهابى من ناحية معاكسة قد يعكس صورة أخرى وهى صورة الرجل المناضل فى سبيل الحرية!!» هذه النتيجة تنطبق، كما أشارا، على عدد غير قليل من الفائزين الانتخابات بالحكم، حيث اعتمدوا على تبعيتهم للمنظمات التى أيدتهم وساندتهم علناً أو سراً من خلال تطبيقها للإرهاب كوسيلة لإسقاط النظام.
 
لكن يظل التعريف الدقيق للإرهاب لا ينطبق إلا عندما يكون المدنيون هدفاً. الخلاصة التى يمكن الوصول إليها من هذا الكتاب هى أن الحرب لا ترحم، وأن الأحداث التاريخية تشهد أن العنف كان فى أحيان كثيرة هو الوسيلة التى حين تمارس فإنها تجبر من يعدون أعداء إلى تقديم التنازل لتحقيق الهدف المنشود: النصر. هذا النصر الذى يتحقق، للأسف، بفوهة البندقية.

المراكشية


معرض صور