فنادق الحمير بمراكش

السبت 15 فبراير 2014

إنها كثيرة إلى الحد الذي أصبحت فيه ملمحا أساسيا لمراكش المعاصرة.كثيرة أكثر حتى من صلحائها وأوليائها ومعالمها التاريخية والحضارية.وربما مع مرور الوقت قد تصير أكثر من متسوليها وعاهراتها. فهي تخترق شوارعها الكبيرة وأزقتها الضيقة.تتجمهر في ساحاتها بالعشرات.تنتشر في دروبها وأسواقها بوفرة لا نظير لها.تخالط السيارات والشاحنات والحافلات والدراجات في الطرقات.تغطي بحضورها مفارقات مدينة تستقطب بشراهة في نفس الوقت، أثرى الأثرياء وأفقر الفقراء.تمنح شكلا لأزمتها.وترسم علامة واضحة للترييف الذي يصاحب تطورها واتساعها.
إنها الدواب التي تجر آلاف العربات الصغيرة لنقل الأتربة من أوراش البناء أو حمل الأمتعة أو نقل الخضر.والتي يتزايد عددها يوما بعد يوم بمراكش بالمئات


فنادق الحمير بمراكش
باركينغ للحمير فقط:
 
بسويقة باب الخميس، حيث كل شيء يقنعنا بأننا لسنا بحي شعبي داخل السور، وإنما بمنطقة صناعية تكتظ فيها معامل النجارة بضجيج آلاتها وأوراش الحدادة التي تحتل الطريق العام ومحلات بيع لوازم البناء من إسمنت وحديد ورمل وآجور، تنشط حركة العشرات من العربات الصغيرة المجرورة بالحمير بشكل لافت ذاهبة الى نفس الاتجاه أو آتية منه.
ليس في الأمر سر كبير أو لغز محير ماعدا تواجد المرأب الذي يأوي هذه الدواب بالليل وتحط به في النهار في حال عطالتها عن العمل.
المكان فَنْدَق قديم يوجد في مدخل الطريق المؤدي إلى الزاوية العباسية من جهة باب الخميس.
قبل الوصول إليه بأمتار قليلة ينتصب قوس عتيق يُعَيَّن مدخل الحي عُلقت عليه يافطات صغيرة تحمل أسماء بعض الرياض التي امتلكها الأجانب وحوَّلوها إلى إقامات باذخة لأثرياء القارة العجوز.على جوانب المدخل ترسو محلات مختلفة الأغراض: ميكانيكي الدراجات، متجر للعقاقير وآخر للوازم الدخول المدرسي، بَقَّال.
.الفوضى تَعُم كل شيء هنا، مزج سوريالي بين مكونات متناقضة المضامين: مساكن بسيطة تطلب الهدوء ومعامل وأوراش صاخبة، رياض متخمة بجمالها وترفها ومداشر غارقة في بؤسها.
 
باركينغ الحمير هكذا سماه أحد الظرفاء.البناية في شكلها الخارجي من طراز معماري تقليدي.البوابة كبيرة جدا تليق بفخامة قصر وليس بملجأ للحمير.وفي الداخل ينفتح فناء شاسع بين الأسوار المرتفعة مُعَرَّى من كل ما يحجب السماء والشمس.مساحته تتسع لما يقارب سبعمائة متر مربع تحيطها بعض الحجرات.
الفضاء على اتساعه مملوء عن آخره بحشد غفير من هذه الدواب الخدومة جدا، لا ترى فيه على امتداد البصر غير المئات من الآذان الطويلة المنتصبة إلى الأعلى.
والرؤوس السوداء والقوائم المتنطعة الجموحة غير المقيَّدة التي تتحرك في كل الاتجاهات حسب أهوائها، وبينها ترسو العشرات من العربات الحديدية الصغيرة التي تستعمل في نقل مخلفات أوراش البناء من أتربة.
أما أرضية المحل فمكسوة ببقايا التبن وروث البهائم. بكوخ صغير في عمق الفندق يسكن العربي الذي يتكفل بحراسته واستخلاص واجب الإقامة من أرباب الحمير والعربات، عمره يزيد عن سبعين سنة.ملامح وجهه مثقلة بعلامات البؤس والهموم، استقبلنا مبتسما: هانتوما تتشوفو تنقضي نهاري وليلي بين الحمير (يضحك).أنا أصلي من سيدي بوعثمان (تابع لإقليم الرحامنة ) وكنت أشتغل في أوراش البناء، لكن لم تعد لي القوة لمزاولة هذا العمل الشاق.فجئت إلى هنا لأخلف أخي في حراسة الفندق منذ خمس سنوات.
يتجول العربي قليلا بين الدواب ثم يعود ليستريح عند مدخل الفندق من هناك يمكنه مراقبة كل من يلج المكان أو يغادره." فنادق الحمير كثيرة في مراكش.كاينة في باب الخميس و الفخارة وباب الدباغ و عين إيطي.الكرارس غاديين أوتيكثارو نهار بعد نهار بالمدينة."
الظاهرة بالنسبة للعربي ليست بسيطة ولا عادية.بل هي علامة عريضة لمأساة اجتماعية لفئة لم تجد موقعها في دورة الإنتاج.لم تفد الأوراش الضخمة للسياحة التي تحفل بها المدينة في استيعابهم ولا ملايير الدراهم من الاستمارات التي تستقطبها مراكش في انقاذهم من التهميش.وخاصة أولئك الذين طردهم الجفاف وشح المياه من أراضيهم بالبوادي والقرى.
يقول العربي:" في السنتين الأخيرتين تقاطر الآلاف من أرباب العائلات القروية على مراكش.فلم يجدوا وسيلة أسهل لضمان رزقهم أكثر من اقتناء حمار وكروسة (عربة) والعمل بها كطالب معاشو.لذلك اكتظت في الآونة الأخيرة المدينة بهذه الدواب واختنقت طرقاتها بها وامتلأت ساحاتها.برا (أي البادية) ما بقي فيه ما يدار."
أرباب هذه الدواب ينحدرون من مناطق مختلفة كزمران والرحامنة والسراغنة والشاوية ودكالة إضافة إلى ضواحي المدينة.
سمعة مراكش كورش بناء مفتوح ساهم بقوة في استدراجهم.وتك هي حالة محمد الشاوي الذي صادفناه بالفندق أثناء زيارتنا له.ترسم محياه معالم محنة حقيقية وتاريخ من البؤس والحرمان.
التجاعيد تحفر عميقا في جبهته والشيب يغزو شعر رأسه.
وأشعة الشمس الحارة جففت بقساوة بشرة وجهه.
ولا شيء يكسو جسمه النحيف غير ملابس رثة تنطق بكل علامات الفقر المدقع.
كل شيء يقنع فيه بأن عمره قد تجاوز الأربعين على الأقل إلى أن صدمنا بحقيقة أن سنه لا يتعدى منتصف العشرينات.
قدم محمد من منطقة الشاوية إلى مراكش منذ سنتين.
لم تعد الحياة تطاق بدواره القريب من سطات وضاقت سبل العيش به ففضل الهجرة مخلفا وراءه أسرة تتكون من زوجة شابة وطفلتين أكبرهما في السابعة من عمرها تتابع دراستها في ا لمستوى الإبتدائي والصغرى لا يتجاوز عمرها الثالثة.
اختار مراكش بفعل الرواج المنسوب إليها في السنوات الأخيرة وحركة البناء التي تتزايد وتيرتها بها.
فلم يكن أمامه سوى اقتناء حمار وعربة حديدية صغيرة تصلح لنقل الأتربة.
تواجد محمد بالفندق في الصباح لم يكن عاديا لأن الوقت وقت عمل ومن المفروض أن يكون بالخارج رفقة حماره يسعى لرزقه يجيب عن ملاحظاتنا قائلا: خرجت الصباح وعييت ما ندور أو ما جاب الله والو، الكرارس كثروا في مراكش حيث ما كاين ما يدار.
الامر واضح جدا حسب تفسير محمد المستسلم ليأسه، فالحمير المتواجدة في الصباح بالفندق تعني شيئين لا ثالث لهما، فإما أن اصحابها غائبون أي في زيارة لأهلهم بمناطق سكناهم البعيدة في الغالب وإما انهم فشلوا في ايجاد عمل فعادوا بجيوب فارغة ونفوس محملة بالخيبة ليودعوا حميرهم بالفندق تفاديا لمزيد من المصاريف.
يعيش محمد وفق نظام بالغ التقشف لأن دخله لا يسمح له بأحسن من ذلك فهو يبيت قرب حماره بالفندق مفترشا الارض، ويلتزم حمية غذائية بالغة القسوة، ليس رغبة في صحة جيدة وجسم قوي وخال من الدسوم والكوليسترول وإنما لضرورة قاهرة تفرض تقليص مصاريف مدخول قليل جدا وغير مضمون وعليه أن يقتسمه وأسرته المتواجدة بالشاوية لذلك فالحليب مثلا اسم محذوف من قاموس تداوله اليومي ويذكره بطعم مادة لم يتذوقها منذ زمن طويل يسمع عنها ولا يراها، وجبته الروتينية التي تتكرر ثلاث مرات في اليوم هي كأس شاي وخبز أسود وعندما ترتقي إلى أقصى درجات البذخ والترف يصحبها صحن صغير من البيصارة أو العدس أو اللوبيا (أي الفصوليا اليابسة)، المهم والاساسي هو ألا يتجاوز عشرين درهما كمصروف يومي.
مدار عمل محمد الشاوي هو المدينة العتيقة يجوبها بحثا عن ورش بناء بدرب ضيق لا تستطيع الشاحنات الكبيرة ولوجه، يقول إن العربات الحديدية الصغيرة المجرورة بالحمير تعمل بمراكش العتيقة وسيدي يوسف بن علي أما الاحياء الجديدة كالداوديات والمسيرات وصوكوما والمحاميد فالشاحنات تتكفل بنقل أتربتها وحتى بداخل المدينة القديمة ظهر منافس جديدة ينضاف إلى كثرة العربات هي الدراجات الصينية التي أضحت اكثر فعالية وسرعة في نقل مخلفات البناء والهدم مستغلة صغر حجمها لتتسلل إلى أعماق الدروب والازقة.
في نهاية الاسبوع يكون على محمد السفر إلى الشاوية ليعود أسرته المستفرة هناك ويمدها بحصيلة الاسبوع مما ادخره من مال ليكفل مصاريف تمدرس كبرى بناته وعيش الطفلة الثانية والزوجة وكل ذلك مما توفره له وسائل انتاجه: الحمار والعربة.
المداخيل غير منتظمة حسب ما يقول محمد في أحسن الاحوال قد تصل إلى 80 درهما في اليوم تخصم منها تكاليف كلأ الحمار والاتاوات التي تقدم لبعض المراقبين مقابل السماح له بمزاولة عمله بدون مضايقة، فهو ينقل كريريسة من التراب مقابل سعر يتراوح مابين 25 و30 درهما حسب موقع الحي وبعده عن مطرح الاتربة بواد ايسيل، وعن كل كريريسة يقدم عشرة دراهم للديبو (مكان طرح الاتربة) مقابل السماح له بوضع حمولته ليتبقى له من المدخول 15 درهما فقط للكريسة الواحدة تقتطع منها نفقات اقامة الحمار بالفندق واطعامه، وحسب تصريح محمد الشاوي فأقصى انجاز له باليوم هو ست كرارس (اي ست حمولات) يحدث ذلك نادرا.
وقد يأتي يوم لا ينقل فيه ولو حمولة واحدة وفي النهاية يتراوح معدل مدخوله اليومي مابين 40 و 60 درهما، عليه ان يكفي حاجيات عيشه منها ويوفر ما يعول به اسرته.مع اقتطاع واجبات الحمار.
"مكرفسين بزاف مساكن ـ يعلق العربي حارس الفندق ـ بحال محمد الشاوي كثار.تيظلوا يجريو بالحمير او الكرارس باش يديو لعائلاتهم باش ايعيشو.ماعندهم في مراكش حتى فين ينعسو." 
عين لنا محمد مكان مبيته بالفندق.ليس فيه ما يليق بكرامة انسان.
وابسط وصف يقدم له سيكون جارحا للاحساس الانساني.ارضية حرثتها قوائم الحمير وفرشها روثهم . مكان للنوم من طراز استثنائي محكوم بالجوار الصعب للبهائم. ترى بماذا يمكنه ان يحلم هناك؟! سألنا محمد ان كان قد استفاد من احد برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي رصدت لها بمراكش أموال مهمة.لم يفهم شيئا مما قلناه له لانه لم يسبق له ان سمع شيئا عن هذه المبادرة.واكتفى بالتأكيد بأن لا احد سأل فيه هو وزملاءه سواء كان برنامجا رسميا او مدنيا للتنمية. إنهم يعيشون فعلا التجربة الحقيقية للهامش.
في عمق الفندق من الجهة اليسرى ينفتح باب ضيق يحيل مباشرة على فضاء معتم يطل منه وجه رجل مسن لكن بجسد اكثر حيوية.يبتسم وهو يصرح بسنه " انا فايت السبعين.وكاين هنا منذ سنة 1957" نطل على مكان تواجده فنفاجأ برؤوس البقر التي تنعم بكلأها.
ينحدر المحجوب من حي اسول بمراكش العتيقة.دأب على تربية الماشية منذ شبابه.ويوجد بالفندق منذ اربعين سنة.
عايش تحولاته عن قرب.ينتج الحليب.
تحدث بنوستالجية مؤثرة عن الايام التي مضت عن الجنانات المجاورة التي كان يقتني منها الكلأ لبقره، والتي اختفت اليوم بعدما التهمتها التجزئات الجديدة وتجمعات السكن العشوائي التي تستفحل يوما بعد يوم.
قال ان هذا الفندق قديم جدا، وانه كان هكذا دائما مأوى للدواب. وقال ان الفندق المجاور له كان اصطبلا لتربية الخنازير في ملك معمرة اجنبية. حدث هذا في زمن مضى وانقضى
اما العربي حارس المكان وقابضه فيؤكد وان عمر الفندق يزيد عن 75 سنة. ظل فيها محافظا على وظيفته.
الفارق الوحيد هو ان عدد الحمير وعرباتها تتكاثر بموازاة موجات الجفاف وازمات البادية. فهو يقدر عدد الحمير التي تستخدم في جر عربات نقل الاتربة بمراكش العتيقة وسيدي يوسف بن علي بسبعة آ لاف حمار ينشط بقوة في دروب وازقة وشوارع المدينة ويتحرك في مسالكها.

عبد الصمد الكباص


معرض صور