فتوى غريبة تحرم تحية ومبَرّة أهل الكتاب وغيرهم

الخميس 3 أبريل 2014

اسمحوا لي أن أعرض هذه الفتوى في السياق الذي وردت فيه:
ففي أواخر العقد التاسع من القرن الماضي، وأعتقد في ربيع سنة 1998، نظمت شعبة الدراسات الإسلامية بكلية آداب مراكش لقاء خاصا بأساتذة الشعبة مع المستشرق الألماني ماروني، المتخصص في الفقه المالكي في الغرب الإسلامي و بالضبط في القرنين الثالث والرابع الهجريين


فتوى غريبة تحرم تحية ومبَرّة أهل الكتاب وغيرهم
 
 ركز ماروني حديثه في تيمة وحيدة تتعلق بمقتضيات تحقيق النص الفقهي، وضرب مثلا بمشروعه في "النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ)". وذكر أنه لم يشرع في التعامل مع قضياه النصية إلا بعد أن جمع 17 مخطوطا لنفس العمل، وقدم منه فقرة عكست رؤياه في أسلوب التحقيق. استغرق العرض قرابة 20 دقيقة، وكان غنيا وحافلا بمجموعة من التساؤلات، ثم أفسح المجال للنقاش الذي رجا أن يغني عرضه، لكن التدخلات حادت،مع الأسف،عن صلب الموضوع لينساب في المنعرجات والمتاهات الإيديولوجية والسياسوية، حاول ماروني إعادة دفة النقاش إلى مجراه العلمي المستقيم، حيث لفت نظر المتدخلين إلى أن ما جاء في حديثهم يهم جانبا من سلبيات استشراق القرن 19، وأنه لا يمكننا أن نتحدث هكذا حديثا عاما عن جنس الاستشراف، فهو أنواع، وللاستشراق الألماني خصوصيته من جهة، وتنوع مناهجه حسب العصور وتقدم العلوم من جهة ثانية، من ذلك أنه في عمله اعتمد من جملة ما استند إليه على معطيات لسانية معاصرة؛ من بينها دراسة المصطلحات الفقهية انطلاقا من الثنائية السكونية /التعاقبية "الساكرونية وادياكرونية".
ختم اللقاء في وقت الغداء، وانصرف الحضور تاركين الرجل وراءهم ظهريا، اقتضت اللياقة أن أبقى إلى جانبه صحبة رئيس الشعبة، فعزمتهما على الغداء. وحول المائدة دار الحديث في الفقه و إشكالية الفتوى، وكان ذا شجون، حيث رصد ماروني المنعرجات والتقاطعات؛ مقارنا بين أجوبة العصر الوسيط ومستلزمات اللحظة المعاصرة، وفي هذا الصدد مد يده إلى محفظته وأخرج منها قصاصة لصحيفة مشرقية أفتى كاتبها بتحريم السلام وكراهة مبرة أهل الذمة. وأضاف ماروني بالنسبة إلى، أنا الألماني، لا يمكنني أن ألتقي مع من يساكنني في نفس العمارة ممن هاجر إلينا، من غير أن أحييه وأشاركه آلامه وأفراحه، وقل نفس الأمر فيمن يجمعني وإياه نفس العمل؛ فللجوار آدابه ولزمالة العمل قيمها، وثم إن مقولة أهل الذمة قد عفى عليها الزمان، فهي مرتبطة بثنائيه دار الإسلام/ دار الكفر، وشتان بين شؤون العهد الوسيط ونوازل العصر الحديث. فالذي يجمعني بمن وجد سعة في بلدنا؛ هو الوطن وقيم المواطنة، فما دام مقيما إقامة قانونية فهو يتمتع بنفس الحقوق التي أتمتع بها في جميع الميادين؛ في العمل والدراسة وتربية الأبناء والصحة، وبصفة عامة له جميع الإمكانيات التي تحقق له كرامته الإنسانية التي ربما شحت في بلده.نعم قد تكون هناك ترسبات عنصرية، لكن القانون يدينها ويعاقب عليها. فمثل هذه الفتوى المغرضة لا تنم عن ذوق ومواطنة ولياقة. فالذي يجمعنا هو الوطن ومصالحه وقيم المواطنة، وما عدا ذلك فهو شخصي يمكن أن نختلف فيه، يمكن أن يغني، ولكنه لا يفسد كما يقال للود قضية.
انتهزت المناسبة، وعرضت عليه أن نرى كيف عولجت هذه القضية في العصر الوسيط، فالمساكنة بين الديانات والايديولوجيات ليست وليدة اليوم بل هي ضاربة في القدم، فلننظر على سبيل المثال لا الحصر كيف قننت وقعدت في بعض المصادر الفقهية القديمة.
أحضرت من مكتبتي المتواضعة ثلاثة مصادر؛ وأحد منها في التفسير، والباقي في الفقه. ووقفنا فيها عند بعض الأحكام الخاصة بمبرة أهل الذمة وغيرهم، والإطار العام هو الآية الثامنة من سورة الممتحنة.
أ- جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي عند تفسيره لقول الله تبارك وتعالى:" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين".
قال القرطبي:"أكثر أهل التأويل أن هذه الآية محكمة، واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر، سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل تصل أمها حين قدمت عليها وهي مشركة؟. قال نعم. خرجه البخاري.
وقيل أن والدتها أهدت إليها قرطا وأشياء ثمينة، فكرهت أسماء أن تقبل من أمها المشركة تلك الهدايا، فانتظرت حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فأنزل الله تعالى" لا ينهاكم الله..." الآية ذكر هذا الخبر الماوردي وغيره وأخرجه أبو داو الطيالسي في مسنده.
ومن الأحاديث الواردة في ثنايا تفسير هذه الآية:
- " استوصوا بأهل الذمة خيرا"
- وفي حديث آخر:" استوصوا بالقبط خيرا"
ب- المصدر الثاني الفروق للقرافي (ت 684هـ)، وعليه إدرار الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط (ت 723هـ).
جاء في الفرق التاسع عشر والمائة: " فعقد الذمة لما كان عقدا عظيما فيوجب علينا حقوقا لهم؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودين الإسلام. فمن اعتدي عليهم ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عيه وسلم وذمة دين الإسلام؛ فتعين علينا أن نبرهم بكل أمر؛ وذلك كالرفق بصغيرهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف بهم، واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالتها لطفا منا بهم لا خوفا وتعظيما، والدعاء لهم بالهداية وان يجعلوا من اهل السعادة، ونصيحتهم إذا استنصحونا في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم بما فيها بناء معابدهم، فلا إكراه في الدين، شريطة ألا يتجاوزوا الحد. قال ابن حزم الأندلسي في مراتب الإجماع:" والذي إجماع الأمة عليه، أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نمنعهم، ونموت دون ذلك؛ صونا لمن هو في ذمة الله تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة". ولعل ابن حزم، في ضربه لهذا المثال الذي وقع عليه الإجماع، يستحضر العناية والمكارمة الإنسانية التي لقيها اليهود في دولة أو دول الإسلام في الأندلس، عندما أخذ إخوانهم نصارى أهل الكتاب يعملون على استئصال شأفتهم من الشمال الإيبيري.
جـ - وجا في سنن المهتدين في مقامات الدين لمحمد بن يوسف الغرناطي المشهور بالمواق (ت897هـ):
" خاف العلماء أن يظن العامة أن مبرة أهل الكتاب وغيرهم ممن يساكنونهم مما لا ينبغي. فصرحوا بأن هذه المبرة والمعاملة الطيبة مندرجة في صلب المصالح، وللمسلم أن يعزي جاره الكتابي وغيره.
قال مالك: للرجل أن يعزي جاره الكتابي وغيره بموت عزيز له لذمام الجوار، فيقول: بلغني الذي كان من مصابك، ألحقه الله بكبار أهل دينه، وخيار أهل ملته.
وقال سحنون: يقول له أخلف الله لك المصيبة، وجزاك أفضل ما جزى به أحد من أهل دينه.
وفي طرر ابن عات: لابأس أن يحضر وليمة أهل الكتاب ويأكل منها.
بعد قراءة هذه النصوص ومناقشتها، لم يجد ماروني بدا من الإعتراف بعمقها الإنساني الخالد. وختمت:
هذه جزئيات فقهية وسيطة مندرجة في باب تأصيل ما هو صميمي في مبرة أهل الكتاب وغيرهم، ممن تجمعنا وإياهم قيم المواطنة.فمن هذا التأصيل استمد المرحوم المختار السوسي هذه التوليفة: " إن وطنيتي من ديني".
ذ.محمد الطوكي


معرض صور