غويتصولو / ضاعت جامع الفنا ..بعد اغلاق مقهى 'ماطيش

الخميس 8 يونيو 2017

غويتصولو / ضاعت جامع الفنا ..بعد اغلاق مقهى 'ماطيش
وتبقى، الخسارة الأكثر فداحة، تلك المتعلقة بالإغلاق المفاجئ والأبدي لمقهى 'ماطيش': حتى ولو غمرتها مياه كثيرة ـ أمطار عاصفية، زوابع فيضانات ـ غير أن ساحة جامع الفنا، لم تتنازل عنها قط.
 
كيف تستطيع تحديد، من بخاصية متغيرة الشكل ومودة نافذة، يجعلانه متمردا عن كل خطاطة اختزالية ؟ موقع مقهى ماطيش الاستراتيجي، في الزاوية الأعظم ارتيادا، حولها إلى حصن بارز لقلب الساحة. كل من جلس فيها يمكنه معانقة مجمل الساحة بنظرة، ويقف بدهشة على أسرارها: خصومات، لقاءات، تحايا، مكائد، تلامس بالأيادي الخفية أو انتفاخ يلهث وراء تجويف مناسب، شتائم، إثارة، ترتيل متنقل للمتسولين، أفعال الرحمة، حشد يتدافع وأجساد ملتصقة لا إراديا. ساحةجامع الفنا، فضاء دائم الحركة ينسج حبكة فيلم يتجدد، بغير نهاية. وقائع أو نوادر خالدة، أساطير ذات عِبر بالنسبة للأقل شبهة، إنه الغذاء اليومي لرواد الساحة.
 
على سطح المقهى، يلتقي موسيقيو كناوة، مدرسون، أساتذة الثانويات، تجار، مشعوذون، مهربون يوميون، صعاليك بقلوب كبيرة، باعة سجائر بالتقسيط، صحافيون، مصورون فوتوغرافيون، أجانب بوهيميون، زبائن بجيوب فارغة. بساطة العلاقات، تضعهم عند قدم المساواة.
 
في مقهى 'ماطيش'، يقودك الحديث إلى كل شيء وتشتعل أيضا شرارة جراء أي شيء. النادل الذي يخدم هذه الممالك المشتتة، يمتلك ثقافة أدبية صلبة، ولا يمنح الزبائن إلا انتباها متقطعا ـ لكنه لا يقلق إلا القادمين الجدد ـ وقد انغمس في قراءة ترجمة عربية لرامبو.
 
عشت في ساحة جامع الفنا، أجواء التوتر المرعب والمرارة المؤلمة، المصاحبة لحرب الخليج سنة 1991: مأساة لا تنسى دامت أربعين يوما. هكذا، خلت الساحة من السائحين، كما غادرها المقيمون الأجانب ولم يجازف بالبقاء غير حفنة شواذ. شيخ كناوي، يستمع للأخبار، أذنه ملتصقة بالترانزستور.
 
بشكل يائس، عم الصمت السطح البانورامي لمقهى 'كلاسي' وكذا مقهى 'فرنسا'. عند الغسق، ترسم الشمس الحمراء إشارة على امتداد الساحة، كما لو أنها تخبر بالمذبحة الفظيعة. قضيت في ساحة جامع الفنا أيضا، أعذب احتفال بالسنة الميلادية، وأكثرها شعرية على امتداد كل حياتي. كنت جالسا هناك، صحبة بعض أصدقائي وأنا مدثر جيدا، في انتظار أن تدق لحظة الإعلان عن أول دقائق السنة الجديدة. فجأة، ومثل حلم ظهرت عربة خيل فارغة. السائق فوق مقعده، يجلس بطريقة غير سوية، اتجهت نظرته الحزينة، وتصلبت حول شابة شقراء، تأخذ مكانا لها عند إحدى الطاولات. 
 
السائق المنبهر، تخلى عن كل شيء، خفض من سرعة العربة إلى أن توقفت تماما. وكما يحدث في مشهد سينمائي صامت، صور بطريقة بطيئة، توجه السائق البسيط بالتحية إلى الفتاة الجميلة، ودعاها كي تصعد بجانبه. وحينما بدا له بأن الفاتنة لم تستجب لدعوته، ترجل من موقعه واقترب منها بخطوات متعثرة لكنها مثابرة، مرددا: 'سيدتي، سيدتي...' ثم صنع ثانية إشارته المتسيدة، وحثها رسميا كي تأخذ مكانها إلى جانبه في مركبته أو عربته الملكية الفخمة والفاخرة. الموقف الودّي للزبائن، أضفى حقيقة على حبه، أما ملابسه الرثة فقد غيرت هيئتها إلى كسوة لبهجة العيد، وكذا العربة الأنيقة لأبهته العابرة. نهض أحد الجالسين وتدخل كي يكسر هذا الحب البريء، محاولا مصاحبته بكياسة إلى غاية عربته، غير أن الشاب عجز كليا على انتشال نفسه خارج هذا السحر، فاستمر من وراء يلاحق الفتاة بنظراته ويبعث لها بقبلات، ولكي يهدئ من روع فشله، شرع يلاطف بحنان فائق الوصف ردف أنثى فرسه (تعالت التصفيقات والضحكات). ثم حاول ثانية الصعود إلى مقعده، وتأتى له ذلك بعد مجهود مضاعف، لكنه فجأة تأرجح وسقط خلفا وتدحرج مثل كرة إلى أسفل العربة (موجة جديدة من التصفيقات). تطوع بعض الحاضرين وأمسكوا بيده، كي يعينوه على استعادة توازنه. نهض وهو يرسم على شفتيهه ،قبلة وداع للآلهة السكندينافية، قبل أن يختفي بجياده سريعا عن الأنظار غير آبه، تاركا وراءه غبارا، على وقع تأثير الهالة الكئيبة لفردوسه الضائع. منذ الفترة المجيدة لأفلام شابلن لم أستمتع أبدا بمشهد هكذا.
 
بعد إغلاق المقهى، تشتت روادها مثل طائفة حرمت من وكرها. صار كناوة يلتقون ليلا، على رصيف مُزفت لكنه غير لائق، أو يتكدسون في فندق قديم، يوجد بحي درب ضباشي.
 
أما باقي العناصر، وأنا واحد منهم، فيعزّون أنفسهم قدر ما يمكنهم الأمر، حزنا على اختفاء هذا المركز العالمي للثقافات، ويستعيدون ذكريات وقائع وطرائف ماضيها الأسطوري والرائع، شعور يشبه حنين لاجئين يعيشون مؤقتا في المنفى.
 
مع ذلك، ظلت صامدة ساحةجامع الفنا، أمام الهجومات التي يضمرها الزمان، وكذا حداثة منحطة، وقصيرة النظر. تواصل الحلْقة نموها، وتتفتق مواهب أخرى وجمهور متعطش دائما للحكايات، يؤسس الحلقة بتحومه حول المنشدين والفنانين. ساحة جامع الفنا، تطوي حيوية مذهلة، وقدرات استيعابية، تهضم العناصر الأكثر تنوعا، وتبطل لحظيا التباينات الطبقية والتراتبيات. الحافلات المكتظة بالأجانب، والتي تزدحم هنا مثل حيتان، ستلتهمها الساحة، بنسيجها العنكبوتي الرفيع، وتتسمر أمام عصارات معدتها.
 
خلال السنة الماضية وإبان ليالي رمضان، جذبت ساحة جامع الفنا عشرات آلاف الأشخاص، نحو مطابخها المتنقلة وسط صياح باعة الأحذية والملابس وأطباق الحلوى، وكذا اللّعب. على أثار نور المصابيح الغازية، أظن بأني شاهدت حضور 'رابلي' والكاتب القشتالي 'خوان ريز' والشاعر الإنجليزي 'شوسر'، وابن زيد، والحريري، والعديد من الدراويش.
 
بين زوايا هذا الفضاء الذي لا يزال يدافع عن وضعه، لا نلتفت قط إلى هؤلاء المعتوهين الذين يقبّلون هواتفهم المحمولة. عظمة وتوهج الحقيقة، يمددان بشكل خارق نفوذ ساحة جامع الفنا. لكني أرتجف أحيانا، عندما أفكر في درجات اختراقها وأنا أتحسس صعود هذا السؤال إلى شفتاي، فتنصهر عنده كل مخاوفي: إلى متى ستقاوم ؟
 
المصدر:
 
Juan Goytisolo: in maniere de voir numero 117, Juin juillet 2011, PP, 75-82.
خوان غويتصولو / ترجمة سعيد بوخليط


معرض صور