المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

عقوبة الإعدام و النخبة السياسية بالمغرب

الاربعاء 24 أكتوبر 2012

عقوبة الإعدام و النخبة السياسية بالمغرب
خلدت الجمعيات والمنظمات الحقوقية المغربية قبل أيام اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام والذي يوافق العاشر من شهر أكتوبر من كل سنة، وهي مناسبة لمطالبة الحكومة المغربية بالتصديق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام.
وتجب الإشارة، إلى أن النخبة السياسية ببلادنا تعيش نقاشا محتشما وتولي إهتماما متواضعا بعقوبة الإعدام، نظرا لانقسامها حول هذه العقوبة، ويتأرجح الرأي بين مؤيد لبقاء عقوبة الإعدام ومطالب بإلغائها، وذلك حسب مبررات جميع الأطراف، فنجد أنصار عقوبة الإعدام من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية يعتبرونها فعالة للردع العام وتؤدي إلى إنخفاض معدل الجريمة، والأهم حسب آراء أنصار الإبقاء على العقوبة  أنها تحقق المصلحة العليا للمجتمع وتحافظ على إستقرار أمنه وحماية حياة الأفراد من الإعتداء عليها من قبل الجناة. كما يعتبر رجال القانون المؤيدون لعقوبة الإعدام بأن الحكم بهذه العقوبة يشكل وسيلة  لردع الجناة وثنيهم على الإقدام على ارتكاب الجرائم الخطيرة وذلك نظرا لما تحدثه في نفوسهم من رهبة وخوف. فعقوبة الإعدام هي السبيل الوحيد للحد من حالات العود في جرائم القتل لأنها لا تسمح للجناة المتمرسين والمتسمين بالخطورة بتكرار أفعالهم، فمع تنفيذ عقوبة الإعدام يتم وضع حد نهائي للنشاط الإجرامي الخطير خصوصا حينما تتوفر فيه أركان جريمة القتل العمد من أجل إزهاق الروح.
فعقوبة الإعدام تأخذ مرجعيتها من الشريعة الإسلامية التي تعتبر القتل العمد إعتداء على حق الإنسان في الحياة و إجهاض لحق خلقه الله عز وجل  مع الكائن البشري يستوجب القصاص، بغض النظر عن جنسه ولونه، وفكره، ودينه ، ويقول سبحانه وتعالى في سورة المائدة في الآية31 "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنهما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، وفي سورة البقرة في الآية177 "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى".
أما المعارضون لعقوبة الإعدام من الأحزاب ذات المرجعية الاشتراكية والجمعيات الحقوقية التي شكلت الإئتلاف المغربي لمناهضة عقوبة الإعدام، فيعتبرون العقوبة غير عادلة لكونها أقرب إلى الإنتقام، تتنافى مع إنسانية الكائن البشري وتلغيها لكونها تمس بحق اساسي في حقوق الانسان لا يحق لأحد الاعتداء عليه باسم القانون.
يرى الرأي المعارض لعقوبة الإعدام في كون حق الحياة هو أصل النواة الصلبة لحقوق الإنسان، ونظرا لهذه الأهمية التي يحظى بها حق الحياة كمرجعية لباقي الحقوق والحريات الأخرى، فجميع المواثيق والاتفاقيات الدولية تضمن حماية  الحق في الحياة وتدين عقوبة الإعدام، وهو ما يفهم من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص في مادته الثالثة " ولكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه"، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يؤكد في المادة1/6 "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا  يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا".
فهذه الأهمية التي تحوم حول مكانة الحق في الحياة في منظومة حقوق الإنسان، جعلت الأحزاب ذات المرجعية الإشتراكية والجمعيات الحقوقية، تطالب بضرورة إستئصال عقوبة الإعدام من  البنية التشريعية، خصوصا مع تعهد الدولة المغربية في الدستور بإحترام حماية حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا، وهو ما يستدعي إصلاح التشريع الجنائي على نحو يعتبر العقوبة وسيلة للإصلاح عوض الإنتقام من الجاني.
ويفسر رجال القانون إتجاه  إبقاء المشرع المغربي على عقوبة الإعدام، في كون السياسة العقابية الحالية  تجد تبريرها في عدة إعتبارات دينية نابعة من خصوصيات المرجعية الإسلامية. إلا أن المشرع وسع من نطاق الظروف القضائية المخفضة والأعذار القانونية لعقوبة الإعدام إلى درجة أدخلت الكثير من المرونة على سياسة العقاب بوجه عام،  بحيث أن الحكم بعقوبة الإعدام موكول في أغلب الحالات إلى تقدير القضاة. ويرى رجال القانون بأن هذه السياسة العقابية المرنة التي سلكها المشرع المغربي في التعامل مع هذه العقوبة هي التي تفسر العدد المنخفض لحالات الحكم بالإعدام، ثم يضاف إلى ذلك التنفيذ المحدود للأحكام الصادرة بهذا الشأن ومفعول نظام العفو.
فالمغرب ينهج سياسة الحل الوسط في التعامل مع عقوبة الإعدام، وهو حل يقوم على الحد من العقوبة عوض إلغائها كليا، أو التوسع في استخدامها، حيث أنه منذ 1993 لم تنفذ عقوبة الإعدام بالمغرب، بالرغم من أن المحاكم الوطنية لا تزال تصدر هذه العقوبة في قضايا القتل العمد والارهاب.
أكدت بعض الدراسات التي أجريت على مستوى هيئة الأمم المتحدة، بأن  إلغاء عقوبة الإعدام في الدول الاوروبية التي أقدمت على ذلك، لم ينجم عنه إرتفاع في معدل الجريمة، بل تبين من الدراسة التي أنجزتها الهيئة الأممية بأن هناك إنخفاض ملحوظ في عدد الأحكام الصادرة بالإعدام. وتوصي هذه الدراسة بإلغاء عقوبة الإعدام  لأن إحتمال الوقوع في الخطأ القضائي هو إحتمال وارد، وربما الأخطاء القضائية كافية لوحدها لإلغاء عقوبة لإعدام طالما لا نستطيع تفادي هذه الأخطاء بصورة مطلقة. فهيئة الأمم المتحدة تشجع  الدول على إلغاء عقوبة الإعدام، بسبب اكتشافها لعدة أخطاء قضائية قاتلة أودت بحياة العديد من الأبرياء، من حكم عليهم بالموت خطأ ومن بين هذه الدول الولايات المتحدة وانجلترا وبلجيكا وفرنسا وغيرها.
وهذا الطرح هو الذي تستند إليه المنظمات  الفاعلة في مجال مناهضة عقوبة الإعدام، حينما طالبت بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام بناء على التوصية التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 62 يوما 18 شتنبر 2007، وهو ما يمثل خطوة فعالة نحو إلغاء عقوبة الإعدام بالعالم، خصوصا وأن خمسة وتسعون دولة قد وافقت على قرار مشترك في الدورة 61 للجمعية العامة، في دجنبر 2006، يدعو الدول التي لا تزال تطبق عقوبة الإعدام إلى إلغائها أو وقف تنفيذها مما يمثل الخطة الأولى نحو الإلغاء.
يوسف البحيري / أستاذ القانون الدولي بجامعة القاضي عياض
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
يوسف البحيري / أستاذ القانون الدولي بجامعة القاضي عياض

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل