عبد الجبار لوزير يتحدث عن يوم زواجه

حرر بتاريخ 26/07/2013
عبد الصمد الكباص


عبد الجبار لوزير يتحدث عن يوم زواجه
15 يونيو 1957 يوم استثنائي، مقطع جميل من معزوفة امتدت عقودا طويلة. إنه يوم زواجي، جرت الامور كما دأبت عليه التقاليد. والذي هو الذي بادر الى خطبة ابنة أعز أصدقائه. وهذا لا يعني أنني لم أرها من قبل. فقد كانت الأسرتان تتبادلان الزيارة. والدها كان بمثابة أخ لوالدي. كان جزارا شهيرا بمراكش لأنه متعهد مجزرة باب تغازوت التي كانت تمون المدينة باللحوم. يذبح كل يوم خمسة عشر عجلا وعددا كبيرا من رؤوس الغنم. وعند صلاة الفجر يضع الميزان كإعلان عن افتتاح البيع وفي العاشرة صباحا تكون كل اللحوم قد نفدت. كان يقطن قربنا بدرب الحجاج بالزاوية العباسية. قبل العرس بيومين بعثت الهدايا التي تسمى في عرف المراكشيين بالزغاريد. خروفان وأكياس كبيرة من السكر والحلي والملابس التقليدية بمختلف أصنافها (الطكاشت) وجلبابين وأشياء أخرى نفيسة في موكب تتقدمه فرقة بن حمامة الشهيرة والطبالة والدقايقية (فرقة الدقة) والموازنية (فرقة مختصة في إيقاعات التصفيف كتلك المصاحبة لحميد الزهير)..
بعدها استدعيت لجولة فنية. فطلبت من والدي وأصهاري تأجيل حفل الزفاف الى حين انتهائي منها. دامت الجولة أزيد من شهر. عندما اكتملت أخبرت المنظمين أنني سأتزوج لذلك لن أكون مستعدا للعمل في جولة أخرى على الأقل إلا بعد عشرة أيام. فتفرغت لمراسيم العرس. الحفل الاول حضره عدد كبير من المدعوين. اشترى والدي لهذا الغرض رياضا كبيرا بدرب سيدي مسعود بحومة سيدي بن سليمان تتوسطه أحواض شاسعة مغروسة بالاشجار كل حوض منها بمساحة عشرة أمتار مربعة. اكتفيت في هذا الحفل بتقديم الحلويات المعهودة في مثل هذه المناسبات. بعدها أقمت حفلا ثانيا حضره اولاد الحومة وزملاء الفن المسرحي وأحياه جوق يرأسه عبد الله عصامي والعربي الكوكبي والطاهر بيارة وبرفقتهم الفنان المرحوم الطاهر أمنزو نجم أغنية الملحون بمراكش. يصعب نسيان تلك الليلة كانت حافلة بكل أصناف الغناء من عصري وشعبي وملحون...
15 شتنبر 1958. يوم استثنائي آخر. استقبلت فيه أول مولود، الوافد الجميل بنت سيمناها سعاد. وفي سنة 1960 استقبلت ابني الثاني أحمد، كان ذلك يوم 22 أبريل. وفي 4 شتنبر 1965 ازداد سي محمد وبعده عبد الحكيم في 10 أكتوبر 1973. بعضهم يعيش بمراكش والآخر بالدار البيضاء أو الرياض بالسعودية. وها هو عبد الجبار الصغير حفيدي يتقافز أمامي الآن في شغبه الطفولي الجميل. إنهم عنقود المحبة وملح دنياي..
لم يشوش مساري الفني على استقراري الأسري، الفضل في ذلك يعود لزوجتي. تحملت معي عبء الاعتناء بالأبناء ورعايتهم لأن التزاماتي في الجولات الفنية جعلتني كثير الغياب عن البيت. لكن زوجتي تعهدت في هدوء راحة الابناء وتتبعت مشوارهم الدراسي وتكفلت بحل مشاكلهم. إنها جناحي الثاني الذي حلقت به ونجاحي الخفي.
أسرتي كانت تتبع كل أعمالي المسرحية. كنت أصحبهم معي جميعا الى قاعة العرض. واقتنيت لهم جهاز تلفاز في فترة كان جد نادر لمتابعة العروض التي تبث مباشرة. حينها لم يكن هناك تسجيل. وكانت البيوت التي تتوفر على شاشة تلفزة جد قليلة بالمدينة بكاملها. وبالكاد تجد بيتا واحدا بحومة كبيرة يحتوي على الصندوق العجيب الذي يتحدث فينطق صورا حية، وجوها تتكلم وتحكي وتتحرك حياة من ضوء ومكياج..
السهرة الاسبوعية كانت تبث مساء كل سبت. كان ذلك موعد احتفال كبير. يمتلئ البيت بالاقارب والجيران الذين يجتمعون عندنا لمتابعة السهرة. نعد الحلويات والشاي كما العرس. ندرة التلفاز جعلت منه عامل مشاركة ووفرته شجعت العزلة وحولت البيوت الى سجون مضيئة.
من بين كل أبنائي، أحمد هو الأكثر انفتاحا على عالم المسرح. تشرب ثقافته بحكم احتكاكه واهتمامه بالاسئلة الحارقة للفن. يرجع ذلك الى أيام طفولته حيث كنت أصحبه معي للتداريب. فعايش عن قرب التفاصيل الصغيرة التي تجتمع لتصنع الفرجة. وخلال العطلة المدرسية كانت أسرتي ترافقني في الجولات. فتكون بالنسبة إليهم فسحة جميلة وتجوال متنوع بين مناطق مختلفة.
يناقشني أحمد في أعمالي وفي أدائي وفي الادوار التي شخصت وفي المسرح بشكل عام. لكن الفن لا ينقل بالوراثة. هناك الموهبة أي ذاك الاستعداد التلقائي، وهناك الميول الخاصة والتفضيلات الفردية التي تمنح طابعا متفردا للحياة. حاولت ان أنقل جدوة التمثيل الى أبنائي والدفع بهم للاندماج في عالمه. منحت دورا لسي محمد في مسلسل «إنسان في الميزان» ولأحمد في إحدى مسرحياتي لكنهم أظهروا، مواهب أخرى في مجالات مخالفة.. المهم أنهم اختاروا سبيلهم للعيش. أما أنا فعكفت لعقود طويلة وبمجهود كبير على صنع اسم وصقله ليكون جديرا بهم.. وهي مهمة لم تكن أبدا سهلة...




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية