عبد الجبار لوزير وتأسيس فرقة الوفا المراكشية وتدبّاغت

الاحد 28 غشت 2016

عبد الجبار لوزير وتأسيس فرقة الوفا المراكشية وتدبّاغت
لتأسيس فرقة الوفاء قصة. فكرنا كأعضاء لفرقتي الامل التي كان يرأسها حسن الجندي وفرقة الاطلس التي يرأسها مولاي عبد الواحد حسنين، أن ندمجهما في فرقة واحدة. لكن الرئيسين لم يتفاهما. فاتفقنا محمد بلقاس ومولاي عبد الله العمراني وعبد العزيز موهوب والعمري وكبور الركيك وأنا، على تأسيس فرقة جديدة. بدت الفكرة مغرية، لكن ما حصل هو كون عدد ممن تقاسمنا معهم التخطيط للمشروع التحقوا بمدرسة المعمورة، فكانت النواة التي أسست فعليا «الوفاء» مكونة من المرحوم بلقاس ومولاي العلوي السبطي والمرحوم كبور الركيك والمهدي الأزدي وعبد الجبار بالوزير.
الاجتماع التاريخي الذي أرسى هذه الفكرة التي امتدت لعقود في وجدان المغاربة واستوطنت فرحهم، انعقد في فضاء طريف. التقينا عند «كجدول» وهو صاحب براكة بباب الجديد يبيع الليموندا. افترشنا الحصير وطلبنا القطبان (الكباب) من أحد جيرانه في إعداد هذه الأكلة. وشرعنا في حسم تفاصيل التأسيس الى أن وصلنا اسم الفرقة، اقترحنا عدة أسماء وفي الاخير استقر رأينا على اسم «الوفاء». كان ذلك في أحد مساءات 1958..
في الحقيقة كانت فرقة قديمة بحي القصبة تحمل نفس الاسم. نحن كذلك كان أول مقر لفرقتنا بقصيبة النحاس. وبعد ذلك انتقلنا الى حومة «برّيمة». وعندما تشتت فرقة الامل اقترح علينا عبد السلام الشرايبي الذي كان يرأسها في تلك الفترة اقتناء مقرها بعرصة موسى. فاشترينا منه النادي والديكور ثلاث سنوات بعد التأسيس.
أول عمل قدمناه في إطار فرقة الوفاء كان يحمل عنوان «أنا مزاوك في الله»، كتب النص المهدي الأزدي بنفس كوميدي دافق. تدور أحداث المسرحية حول سيدة مسنة متزوجة بحرفي ترغب في تعلم الموسيقى. عمر العرض ساعة ونصف كلها ضحك. البساطة تسعف كثيرا على الفرح..
مع الأسف لا نملك تسجيلات بصرية لهذه الأعمال التي عرضت في أجواء خاصة كان فيها همُّ المغاربة هو انتزاع شيء جميل وممتع من حياتهم اليومية وتقدير الإبداع والإقبال على الفرجة والتحمس لكل ما هو هادف ومفرح. بل حتى مسرحية «الحراز» التي يحمل إنتاجها قصة كبيرة سنرويها فيما بعد، انمحى أي أثر بصري لها، بعدما سجلت التلفزة المغربية إحدى مقابلات كأس العالم 1970 على التسجيل الوحيد المتوفر منها..
سنة 1957 حل المرحوم محمد الخامس بمراكش. فتوصلنا برسالة من العمالة تخبرنا فيها برغبته في أن نقدم أمامه عرضا مسرحيا. مازلنا حينها في فرقة الاطلس، سألنا إن كان المطلوب منا تقديم عرض طويل. فقيل لنا ان الملك يرغب في مشاهدة عرض خفيف ومضحك. التحقنا بقصر الباهية بساعة ونصف تقريبا قبل الموعد للاستعداد وتهييء الديكور الذي كان جد بسيط. جاء محمد الخامس وجلس في الصف الامامي والى جانبه ولي العهد مولاي الحسن والامير مولاي عبد الله. وفي الصف الذي خلفه مباشرة بعض المسؤولين وبعض الضباط كأوفقير والمدبوح..
وكان ستار يحجب الحاشية وباقي أفراد العائلة الملكية من النساء خاصة. قدمنا الفصل الثالث من الفاطمي والضاوية. ضحك الملك كثيرا، لم يبتسم فقط، بل ضحك الى أقصى الحدود، كان عمر الفصل 45 دقيقة. وأحداثه تدور بمقر البريد. لذلك كان الديكور عبارة عن طاولة وهاتف وكرسيين.. جلنا بهذا الفصل لوحده في عدة مدن تحت اسم «التلفون»...
الجو حار لأن الفصل صيف. وكنا نلعب وقت الغروب. وكان ولي العهد مولاي الحسن بدوره منشرحا ضحوكا، عندما انتهينا وقف الملك محمد الخامس وحيانا واحدا واحدا وأثنى كثيرا على أدائنا ودعا لنا بالمزيد من النجاح، وكافأنا بهدية مالية مجزية. كان ذلك العرض الوحيد الذي قدمته أمام محمد الخامس. أما الحسن الثاني فتوثقت معه صلات فنية متينة وعرضنا أمامه مرات لا تحصى من كثرتها.
«تدباغت» هي إحدى موارد روح النكتة التي تسكنني وحكمت أدائي المسرحي. بدار الدباغ تعلمت «الموازن». اشتغلت أولا بدار الدباغ الكبيرة وبعدها بدار الدباغ الطنجير مع الحاج عبد القادر. كانت الاجواء فيها جد مرحة. ففضاؤها فسيح يمنح أريحية خاصة لكل من يشتغل به. لذلك يمر الوقت فيها كما لو كان يوم نزاهة. النكت تتطاير من هنا وهناك. والغناء ، يصدح في كل أرجائه. والإيقاعات تتكامل بالأيدي والأرجل. لا مجال فيها للكرب والحزن أو الكآبة. من الفجر الى الغروب يمتزج العمل بالخفة والبهجة.
كان لتدباغت مردود محترم لكل العاملين فيها من معلمين وصناع ومتعلمين. كان للصانع أجرته الرسمية، إضافة الى ما يسمى بـ «الرشوم» وهي نسبة من حصيلة العمل قدر بجلدتين عن كل «قصرية». ثم هناك الدباغة المعلمين، الذين ليست لهم أجرة محددة والتزام دائم في العمل. بل يشتغلون مع من يطلب خدماتهم وهؤلاء يكون دخلهم أكبر.
استفدت كثيرا من الاجواء السائدة في تدباغت، خاصة في تحويل أي موقف مهما كان نوعه الى موقف هزلي، فكل شيء هناك قابل لأن يتحول الى نكتة، وصقلت موهبتي بجامع الفنا. كنت أقصد حلقة بن حمامة رفقة أصدقائي بعد عصر كل يوم، نتجمهر حوله وننخرط في حميمية أدائه الفني. كان اختصاصه هو الحوزي. عندما نهم بالانصراف يقول لنا بن حمامة:
ـ إواديرو لينا شي باروك!
يقصد طبعا «شي ميزان مبرع». فنلم أيادينا دفعة واحدة ونشرع في «كريف المازن»... كان ذلك تمرينا فنيا يوميا فعلت نتائجه بقوة في مساري المسرحي.
كان لابن حمامة شهرة كبيرة ليس فقط بجامع الفنا، بل في أجواء الاحتفاء بمراكش، وكان أثرياء المدينة يطلبون خدماته في حفلات الزفاف والافراح والمناسبات الاجتماعية الأخرى. ويرافق «تراكت» (الهدية) كما ترافقها اليوم فرق «الطقيطيقات».حضور بن حمامة في عرس كان علامة واضحة على ثراء أصحابه. أما سمعته الفنية فكانت مشهورة بالكمانجة والركزة والطعريجة...
جامع الفنا كانت مدرسة لمختلف الفنون. فوق أرضيتها المتربة تألق فنانون من مختلف الأصناف: الروايس، كناوة، دردبة، مغنون عصريون يؤدون أغاني عبد الوهاب وفريد الاطرش وغيرهما، ممثلون، باقشيش، الحكواتيون..
 
عبد الصمد الكباص


معرض صور