المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

عبد الجبار لوزير : كنت أشتغل 24 ساعة وأستريح مثلها

الثلاثاء 30 يوليوز 2013

عبد الجبار لوزير : كنت أشتغل 24 ساعة وأستريح مثلها
أكبر غنيمة خرجت بها من السجن هي تعلمي القراءة والكتابة والحساب والنحو والصرف والفقه، واستئناسي بعلوم الجغرافيا والتاريخ كان مكسبا كبيرا لم أرغب في تضييعه، فضاعفت مجهودي الخاص بعد مغادرتي السجن قراءة وكتابة إلى أن صرت أؤلف نصوصا مسرحية منها «دردبة عند الغشيم» و«عطيل بين الحلقة والاوطيل» والمسلسل الاذاعي «كنوز الفضايل»...
حلمنا بأن يصبح المغرب مستقلا، من أجل ذلك غامرنا بحياتنا فتحقق الحلم. هل انصفنا بعد ذلك؟ لا يهم.
الأهم هو إنصاف الحلم في الواقع ليكون جديرا بكل هذه التضحيات. أما أنا شخصيا فقد أنصفني الفن أكثر. أنصفني في كل شيء. في اعتبار الناس لما قمت به ومحبة الجمهور والتفافهم حول عطائي، وفي النعمة التي عشت في كنفها من خلاله. أما المقاومة فنصيبي منها 400 درهم شهريا!! ومن قبل 203 دراهم، هذا ما تستحقه عظمة التاريخ.
الحسن الثاني رحمه الله أنصفني كثيرا.لن أنكر أبدا فضله علي، عوضني بسخاء ودعم مجهودي الفني بقوة.و كان فعليا المشاهد الأول لأعمال فرقة الوفاء وناقدها ومخطط جولاتها.. لكنه عوضني بالدرجة الأولى كممثل وكفنان وليس كمقاوم..
مباشرة بعد مغادرتي السجن أخذت دروسا في قيادة السيارة. وحصت على رخصة السياقة يوم 17 يونيو 1956. اقتنيت سيارة من نوع «?وجو» ومارست بها التجارة. شاركت أحد أصدقائي يدعى مجيد.
وأخذنا نتجول في الأسواق القروية المحيطة بمراكش. كنا نملأها بالصحون وبعض المواد الحديدية (الزكارم، البيزكراط، اللقاط...). وفي الوقت الذي أكون فيه منهمكا في بيعها بالسوق، يكون شريكي مستغرقا في اقتناء المنتوجات الفلاحية اللازمة لسكان المدينة كالدجاج والبيض ونعيد بيعها بمكان قريب من مقر ولاية مراكش اليوم. كما كان شريكي أثناء انشغالي بعرض بضاعتنا بالسوق يستعمل السيارة لنقل البدو الى دواويرهم.. لتنويع مصادر الدخل ورفع المردودية.
بعدها فتحت مستودعا لمشروبات «كندادراي» الغازية التي كانت توزعها شركة «كوكاكولا». فتحت المحل بسيدي غانم الزاوية (بالمدينة العتيقة) وجهزته بكريسة تجهرها دراجة هوائية لتوزيعها على المتاجر بباقي أحياء المدينة.
كانت هذه أنشطتي النهارية وبالليل كنت أتعاطى للتمثيل. لم أدخل بعد الاحتراف. لذلك أعمل بمبدأ والدي الذي يقول أن الزمان كسيح يزحف على الأرض يتعقبك، طالما تعمل فإنك تفلت منه، وإذا ما وقفت أمسك بك لن يدعك تنطلق أبدا..
في القوة الاحتياطية كنت أشتغل 24 ساعة وأستريح مثلها.. مهمتي كانت هي قيادة سيارة القبطان مولاي الشافعي السباعي. كنا نتعارف منذ أيام المقاومة. وهو من انتقاني لهذه المهمة منذ اليوم الأول من التحاقي بالخدمة. كان رجلا لطيفا ومغامرا ربما بحكم تجربته العسكرية. يحسن معاملة من يشتغلون معه. أنا غير ما مرة رافقته إلى أولاد بني السبع حيث تقطن عائلته. ورغم أنني أعتبر سائقه إلا أنه كان يصر على أن أدخل معه البيت وأجلس كواحد من الأسرة. كان له تعامل إنساني جيد. لكن للسياسة منطقها.
كنت أقود به سيارة جيب إلى بيته بباب الجديد. ولم يسبق له أن حدثني في مواضيع تخص الحكم أو النظام. و لم أسمعه قط يتحدث مع أحد في هذا الشأن. لكن كان له شريك في الهمس والكلام السري هو المقاوم الحسن الروداني.
كان ذلك بالنسبة لي أشبه بعبور من تحت إبط الموت، ربما أن الفاصل بيني وبين هلاك مفاجئ برصاصة مصوبة إما من سلاح الجيش أو سلاح أتباع القبطان الشافعي أو ببرودة قاتلة لثلج جبال الأطلس، هو صدفة غير محسوبة ولا مرتبة عمرها دقائق قصيرة و خاطفة، لكنها منحنتني شوطا جديدا من الحياة. ففي يوم تنفيذ العملية الكبرى المرتبطة باسمه، أي الصعود المسلح إلى الجبل، كنت في الخدمة، إن لم تخني الذاكرة كان ذلك في 24 مارس 1960 وهو اليوم السابع والعشرين من رمضان. لم يتبق على أذان المغرب سوى ساعتين. وكان مرآب سيارات القوة الاحتياطية بالطابق تحت الأرضي للبلدية. قلت للكبران «سأذهب لأجلب إفطاري». مباشرة بعد اختفائي من أمامه وبفاصل زمني جد دقيق لا يتجاوز ثانيتين أو ثلاث، سمعت صوت مولاي الشافعي يسأل «شكون اللي فيه السربيس؟» أجابه الكبران «عبد الجبار بالوزير« شرع يناديني »عبد الجبار. عبد الجبار...» كان برفقته الحسين الروداني وكان يبدو من خلال صوته مستنفرا. لم أجبه التفت يمينا فوجد سائقا آخر جالسا بقربه يسمى بوشعيب. فتوجه إليه بنبرة صارمة «آجي أنت.. سوك هاديك الدجيب.. واتبعنا!!» هكذا ابتدأت المغامرة التي انتهت بإيقاع مأساوي. اما أنا فعدت إلى مقر العمل بعد أن جلبت فطوري و مكثت هناك في جو هادئ اذ لم يسأل عني احد. ارتفع آذان المغرب افطرت وبقيت ممددا على «البياص» إلى حدود الثامنة موعد انتهاء خدمتي، فغادرت في اتجاه البيت مطمئنا. كنت نائما عندما ايقظني البوليس. طلبوا مني مرافقتهم إلى كوميسارية جامع الفنا. احاط بي المحققون وطوقوني باسئلتهم: «ماهي علاقتك بمولاي الشافعي؟ اين كنت ترافقه؟ مع من كان يجتمع؟ هل كان يحدثك؟ ماهي المواضيع التي يثيرها معك؟ هل كنت على علم بتحركاته؟ كنت في الخدمة ساعة انطلاقه لماذا لم ترافقه؟» امتحان آخر اجتازه بنفس المخفر بعد الامتحان الاول في عهد الحماية. في الأخير سألوني «هل تعرف ماذا فعل مولاي الشافعي؟» اجبتهم «لا» فأخبروني إنه صعد الى الجبل لتدشين تمرد مسلح ضد النظام.
يتشظى التاريخ في احداث وتجمعه اللغة في حكايات؟ الرواية التي سمعتها من شخص نجا بأعجوبة بعد ان كان في قلب المعركة. كما وقع بالضبط تعود الى السائق بوشعيب الذي ناب عني بغير ترتيب مسبق لا مني ولا منه في هذه المغامرة التراجيدية. قال لي انهم ساروا إلى نهاية الطريق المعبد. فأمرهم القبطان الشافعي بتمزيق اطارات السيارات وتكسير بطارياتها. وتسلقوا الجبال ممتطين البغال التي كانت في انتظارهم. وفي طريقهم داهمتهم عاصفة ثلجية قوية. لم يعد بامكان الواحد منهم رؤية الآخر. حسب رواية بوشعيب - والعهدة عليه - فكل من تردد من مجموعة مولاي الشافعي او حاول الهرب كان يقتل. الله اعلم. المهم ان السائق بوشعيب استغل العاصفة الثلجية وانحنى على ظهر البغل الذي كان يحمله وتركه يهيم في الجبل إلى أن ابتعد عن القبطان المغامر وفلوله. تجمدت اعضاؤه وانتفخ من شدة البرد. عندما استعاد وعيه وجد فواهات البنادق والرشاشات موجهة اليه، كانت عناصر من الفرقة السابعة التي يقودها الضابط الغول يحاصرونه، اخبرهم انه فر من قبضة القبطان مولاي الشافعي. فاقتادوه في حالة يرثى لها ونقلوه عبر سيارة الإسعاف إلى المستشفى بمراكش.
الى هنا انتهت رواية السائق بوشعيب. لكن ما تردد من اخبار بعد ذلك هو أن المجموعة بكاملها قتلت في المواجهة مع الجيش، وحده الحسين البزيوي نجا بجلده واعتقل وحل نزيلا بالسجن العسكري بالقنيطرة الى أن صدر العفو في حقه. وذكرت اسماء أخرى إلى جانب مولاي الشافعي في العملية كالبشير المطاعي و بركاتو.
قال السائق بوشعيب انه بعدما امتثل لاوامر القبطان مولاي الشافعي بقيادة سيارة جيب التحقوا بأناس أخرين ونقلهم على متنها. وفي الطريق سمع منهم كلاما مخيفا في حق النظام. فادرك هول المصيبة التي وجد نفسه فيها وهو الرجل البسيط الذي لا يحتمل كل هذه الافكار الكبيرة.
في اليوم الموالي لمغادرتي كوميسارية جامع الفنا، ذهبت لمقر العمل. فوجدت الزملاء غارقين في حالة حزن مؤثرة ويقدمون لي العزاء في وفاة السائق بوشعيب. كان الجميع يعتقد انه قتل في المواجهة مع الجيش، إلى أن ظهر بعد أيام إثر خروجه من المستشفى.
رواية واحدة لا تختزل ما فاض من التاريخ في قسوة وقائعه وجنونها. ومن عادة التاريخ أن يروي سيرة قواد المعارك ومدبريها الكبار. أما أنا فرويت بعض تفاصيل تلك المعركة التي خاضها رجل بسيط ضد الموت في قلب معركة أكبر، وجد نفسه فيها بمحض صدفة عمياء لم يقررها.. اعتقد ان بضعة رشاشات وبنادق ومسدسات لن تستطيع إسقاط نظام بكامله بجيشه وادارته واجهزته. لذلك كنت ارى مولاي الشافعي السباعي مغامرا كبيرا. فوحدهم الاذكياء يخطئون الحساب.
عبد الصمد الكباص
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الصمد الكباص

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل