عبد الجبار لوزير : عرضنا مسرحية فوجدنا انفسنا في الكوميسارية

الاربعاء 23 يوليوز 2014

عبد الجبار لوزير ، ما الذي يتجمع تحت هذا الإسم ؟ و مالذي ينتشر خلف هذه الشهرة التي لازمته لعقود طويلة ؟ إنه حفر في أعماق فرح أبهج قلوب المغاربة في وقت أحزنتهم فيه السياسة كثيرا، بقساوتها و دمويتها ، و حماس مرحلة خاب في واجهة السياسة ففجر نفسه في الفن ..
إنه مغامرة نسجت نفسها من خيوط متشابكة لصدف ماكرة و جميلة و مفارقات توترت في قلب سؤال اخترق تاريخا متوثبا،انطلقت بدهشة جامع الفنا و امتدت بعبور من تحت إبط الموت عدة مرات و مواجهة مشنقة الإعدام و إطلاق ثلاث رصاصات بهدوء في رأس خائن بباب جهنم و قنبلة سينما مرحبا، لتجعل منه اختبارا للبطولة في مسرح
التاريخ قبل خشبة الفرجة ...
سيرة عبد الجبار لوزير هي سيرة مدينة .. مراكش التي سمعنا عنها ولم نعد نراها .. هي كذلك سيرة لمة خفيفة ، كوكبة مضيئة من الفرح التلقائي و البسيط، تقاطعت فيها أسماء كمحمد بلقاس و عبد السلام الشرايبي و المهدي الأزدي و كبور الركيك و الشحيمة ... و سيرة جمهور باذخ بنشوة الحياة لم تنل منه بعد كآبة الميولات الظلامية ، و قصة أسلوب في تشكيل تحفة اليومي لشعب حالم و مضغوط.. ورغم كل شيء متحمس ...
إنها سيرة عصر ذهبي للفرجة ، للحاجة الجارفة للفرجة قبل أن تتشتت عيون الناس و أهوائهم بين الفضائيات و دعاوى الحزن و أشرطة اليأس و الكآبة .
إنها سيرة حياة في ثلاث طلقات و نكتة و حلم كبير ...


عبد الجبار لوزير : عرضنا مسرحية فوجدنا انفسنا في الكوميسارية
 
في سنة 1948 التحقت بفرقة مولاي عبد الواحد حسنين، في البداية كنت أتابع التداريب. وجدت أنه بإمكاني تشخيص أي دور. في تلك الفترة كان الارتجال هو المهيمن. وكان كبور الركيك يؤدي دور المرأة بإتقان فائق. حتى ان بعض المتفرجين كانوا يتراهنون حول ما إذا كان سيدة حقيقية.
ذات يوم قالوا لي ستؤدي دور أخ البطل في المسرحية. بدأنا التداريب. مولاي الواحد طبعا هو البطل. الحوار بيننا بسيط وسلس. الحياة كلها في ذلك الزمن كانت عذبة.
سافر مولاي عبد الواحد حسنين الى الرباط للحصول على الترخيص بتقديم العرض. الضوابط الادارية كانت تمنع أدنى تحرك دون الحصول على موافقة الإقامة العامة. وخلال التداريب قلت لهم «سأشخص دور مولاي الواحد الى حين عودته من السفر» عندما عاد قال له الممثلون «غير خلي الدور ديالك لعبد الجبار راه مثلو أحسن منك» فكان رده «دعوني أرى. إن كان أحسن مني كما قلتم سأتركه له..» 
شاهد أدائي فأعجب به. وبقلب رحب تنازل لي عنه ليؤدي دور موظف في البريد. كان ذلك درس كبير في العفة والأريحية. الفن لا يستقيم مع الحقد. فزاده المحبة وطاقته الاعتراف المتبادل.
هكذا حصلت لأول مرة في حياتي على دور البطولة. أما المسرحية فكان عنوانها «الفاطمي والضاوية». ولما يناهز ثلاث سنوات ومولاي عبد الواحد حسنين يقطع الطريق جيئة وذهابا بين مراكش والرباط طلبا للترخيص بالعرض الذي لم يحصل عليه إلا في سنة 1951. 
العرض الأول كان مفاجأة عظيمة لنا جميعا. قدمناه بسينما مبروكة في نفس السنة. وكان البوليس الفرنسي يراهن على استغلاله لاضطهاد المغاربة معولا على الفوضى وعدم الانتظام في صفوف الراغبين في الدخول الى القاعة. لكن رد المغاربة كان أبلغ وأروع. فقد حج جمهور غفير بكثافة غير منتظرة وفي أناقة باذخة. الرجال في سموكينغ والنساء في فساتين السهرة محفوفات بالعطر والحب والفرح. وكانوا مصطفين واحدا واحدا في طابور طويل امتد من سينما مبروكة مرورا بالبريد ومعرجا على حديقة «عرصة البيلك» الى أن تجاوزها. لم يعد اليوم يحدث مثل هذا في صالات العرض. جمهورنا كان من مختلف الشرائح من النساء والرجال ومن طلبة جامعة ابن يوسف والحرفيين ومن الناس الشعبيين. كانت روح من الحماس الفني تتحرك في شغفهم بالفرجة والإبداع. لم تبتلع بعد حاجتهم الى المتعة في التلفزيون والقنوات الفضائية وغيرها.. وحدها الاذاعة كانت تغذي خيالهم وماكينة الغنا (الفونو) تشبع نهمهم الى الفن الجميل...
منذ 1951 الى 1980 عشنا ملوكا مع الجمهور المغربي الذي غمرنا بعطفه ومحبته وتشجيعه. هذه الفترة كانت العصر الذهبي الحقيقي للمسرح بالمغرب. عندما كنا نبرمج العروض كنا نفاجأ بأن القاعة امتلأت لمدة ثمانية أيام متتالية والتذاكز بيعت عن آخرها قبل وصولنا لمكان العرض بأربعة أيام. فيطلب منا أن نزيد أيام أخرى ونعتذر لأننا ملتزمون بجولة، ونعدهم بأن نقدم عروضا إضافية في طريق عودتنا. في المسرح البلدي بالدار البيضاء مثلا عرضنا لثمانية أيام بلا انقطاع عرض في الثالثة للطلبة وآخر للعموم في التاسعة... والقاعة طيلة هذه المدة ليست ممتلئة فقط، بل مكتظة. حيث تأتي أسر بكامل أفرادها وهي متحمسة للدخول، 
لكنها تصطدم بكون القاعة ممتلئة فتستعطف المشرفين الذين يسمحون لها بمتابعة العرض واقفة. وبعد انقضاء المدة غادرنا الدار البيضاء لنكمل جولتنا في الشمال بعدما اتفقنا مع إدارة المسرح على العودة للعرض مرة أخرى لأن جمهورا غفيرا مازال يرغب في مشاهدة المسرحية لكونه لم يتمكن من دخول القاعة في الفترة المنصرمة.. وكان هذا هو الإيقاع العادي الذي ألفناه في كل مناطق المغرب من مدن كبيرة ومدن صغيرة وقرى... كان الجمهور يحمل الفن في قلبه ويتفاعل بحرارة مع الإبداع والفرجة جزء من برنامج حياته اليومية.
بعد 1980 بدأ الارتكاس. تراجعت الامور بشكل مقلق. وتآكل حماس الجمهور. وتكلست الحياة الفنية. وأصاب الوهن المسرح وبدا منهكا وحائرا وغير مقنع. والمتميزون من كتابه هجروه الى الاغنية وتفرغوا لكتابة الكلمات، لأنها أضحت أجدى وأنفع قبل أن يهيمن المرتزقة عليها...
في العرض الاول لمسرحية «الفاطمي والضاوية» سنة 1951 كان اللافت هو حضور النساء. وكن متأنقات بأبهى الملابس العصرية من فساتين السهرة والمكياج المحترم وتصفيفة الشعر. كانت للسهرات تقاليدها. الجمهور لا يقصدها كيفما اتفق. بل يستعد إليها كحدث استثنائي وكاحتفال. يمكن العودة الى تسجيلات التلفزيون أيام الابيض والاسود للتأكد من أناقة الجمهور في السهرات ورونق سلوكه. ليس كما تجري عليه الامور اليوم، حيث الناس منقبضون بلا داعي. لا يحترمون أجواء الاحتفال ولا طقوسه. الممثلون يؤدون فوق الخشبة أدوارهم والجمهور يتخاصم بصوت مرتفع ويتبادل الشتائم. أذكر أننا كنا نقدم مسرحية «هبل تربح» بسينما مرحبا بباب تغزاوت بمراكش. أثناء ذلك سمعنا صوتا يتعالى من داخل القاعة ويصرخ «آشكون أهيا اللي وصى على براد تأتاي... أشكون اللي...» بمثل هذه التفاصل يقاس مدى تراجعنا...
في العرض الاول تفاعل الجمهور بقوة مع مسرحية الفاطمي والضاوية . ضحك الناس من قلبهم، ضحكوا ملء ما استطاعوا. صفقوا طويلا ووقفوا تحية لنا عند انتهاء العرض وحاصرونا بالعناق والتحايا داخل القاعة لوقت طويل. لكن عندما غادرنا سينما مبروكة من بابها الخلفي وجدنا سيارة الشرطة في انتظارنا. اقتادونا جملة الى كوميسارية جامع الفنا. وجدناهم قد أعدوا الكراسي بنفس عدد أعضاء الفرقة. وأمامهم نسخة من نص المسرحية الذي سبق أن دفعنا مع طلب الترخيص بالعرض للإقامة العامة. وأخذوا يستفسروننا عن خلفيات كل جملة من الحوار. ويسألونا: «من المقصود من هذه العبارة؟ ماذا تقصدون بهذه الجملة؟» تكفل بالإجابة مولاي عبد الواحد وباجدي ومولاي الطيب، مضمون المسرحية يعالج آفة الأمية والجهل الاجتماعيين لذلك كان نفسها الكوميدي مفخخا ومثيرا لشكوك سلطات الحماية.
مكثنا في ضيافة الشرطة ثلاث ساعات. كان ذلك احتفاء من نوع خاص. أما احتفاء الجمهور فكشف درجة عالية من التقدير والرقي. توصلنا بمقر النادي بسيل من رسائل التهاني والشكر والتشجيع. وخصصت جريدة العلم صفحة كاملة للمسرحية ونشر مقاطع منها. وكنا لا نكاد نخطو خطوة في الطريق حتى يستوقفنا المعجبون والمحبون الذين يعبرون عن افتخارهم بأدائنا..
الكلاوي لم يكترث للمسرحية ولم يبد أي رد فعل سلبي ولا إيجابي إزاءها. وبعد عرض سينما مبروكة لعبنا في مناسبات وأمكنة أخرى. من بينها العرض الذي قدمناه بمناسبة عيد العرش بالفندق الذي أصبح فيما بعد سوقا للسمك بمدخل فحل الزفريتي (كاراج بناني). كما لعبنا بمدن أخرى كآسفي وبني ملال..
بعد «الفاطمي والضاوية» قدمنا أعمالا أخرى كـ «غلطة أم» و«الشلح والعساس» و«أوليدات جامع الفنا»... كان مولاي عبد الواحد حسنين هو ممول الفرقة. أذكر جيدا أنني في 1951 تلقيت أول أجرة عن عملي كمسرحي. وكان المبلغ هو ثلاثة آلاف ريال. عندما أمسكتها بين يدي كدت أجن من الفرح. كانت عبارة عن ملفوف سميك من الاوراق المالية الكبيرة. وضعتها في «قب» جلبابي وأخذت أجري وأجري معتقدا أن كل الناس يحملقون في، الى أن وصلت بيتنا. فقلت لوالدتي:
ـ «راه جبت الفلوس!!».
فسألتني: ـ «منين جاوك؟»
أجبتها: ـ «عطاوها لي في الفرقة»
ـ «ياكما من شي حاجا أخرى؟»
ـ «لا.. من المسرح».
اطمأن قلبها، واقترحت علي ان تحتفظ لي بها عندها. لكنني فضلت إخفاءها تحت المخدة. كانت الفرحة تدوي في كياني الى حد الجنون. لأنني اعتدت على أن تستأنس وحشة جيبي بريالين أو ثلاثة في الأكثر. فإذا بي أجد فيه ثلاثة آلاف ريال دفعة واحدة. وهو مبلغ ليس بالبسيط حينها ويكفي أن أقول أنه يتيح اقتناء بيت صغير.. لكنني صرفتها ولم أقتن البيت..
«الفاطمي والضاوية» أيام لا تُنس... مسار ساحر من المغامرات..
ـ في مسرحية «الفاطمي والضاوية» محمد بلقاس هو الذي أدى دور المرأة.
 

ع الصمد الكباص


معرض صور