عبد الجبار لوزير : النزاهة ايام زمان ... لغنا والنكتة والكلام

الخميس 17 يوليوز 2014

عبد الجبار لوزير : النزاهة ايام زمان ... لغنا والنكتة والكلام
منذ التحاقي بحرفة تشكايريت أيام طفولتي، بدأت أخرج للنزاهة. كان ذلك تقليدا أسبوعيا لحرفيي مراكش. كل جمعة يخرجون الى العراصي والجنانات المحيطة بالمدينة، أشهرها الداوديات التي تحولت اليوم الى مركبات سكنية بعد أن كانت باذخة بكل أنواع الاشجار المثمرة، وعرصة مولاي عبد السلام وأكدال وبالقاضي قبالة باب أرسلان...
كانوا يخلقون أسبابا للاحتفال، يكفي أن يرتكب أحدهم غلطا بسيطا ليكون ملزما بأداء جزء من تكاليف النزاهة والباقي يكمله زملاؤه. وقد يكون هذا الغلط كلمة صغيرة تفلت من لسانه..
قبل ذهاب المعلمين الى مكان التنزه نسبقهم نحن المتعلمين محمَّلين باللوازم والاواني والافرشة. نجتهد في اختيار المكان المناسب الذي بقدرما يكون قريبا من مصرف المياه يكون أحسن ونكنسه ونرشه بالماء ليصير ترابه رطبا لا غبار فيه ثم نفرشه. وبعدها يلتحقون بنا محملين بطناجي الكرعين لوجبة الفطور. لتنساب قصائد الملحون ويعم الإنشاد المكان تحت الظلال الوارفة لأشجار مثمرة وأريج الزهور المحتفي بفتنة الحواس ونشوة الكؤوس التي تفيض شايا. كان الملحون هو الغناء الشعبي الذائع في أوساط الحرفيين بمراكش. لذلك كانوا كلهم يحفظون قصائده وينشدونها وبعضهم ينظمها.
في النزاهة، كان الحرفيون ينشدون «طبعا» من طبوع الملحون تؤدى فيه أربع قصائد دفعة واحدة. ينشد الواحد منهم بيتا من هذه القصيدة ويرد عليه ثان بنفس الميزان ببيت من قصيدة أخرى ويكمل ثالث ببيت من قصيدة أخرى في تناغم مذهل..
عند أذان الظهر يرسلوننا لجلب الطناجي للغذاء ويتفرغون للصلاة، لم يكن هناك أي تعارض بين الإيمان وحب الحياة والبهجة. نوقد النار ونضعها فوق الجمر. وبعد الغذاء يستأنفون احتفالهم: الغناء والنكتة والكلام البليغ. بعضهم يكون مصحوبا بالسبسي فيدخن ما تيسر من الكيف الى أن يأذن مزاجه بالانتشاء. بعد العصر يحين موعد القهوة. وقبيل المغرب يغادرون.
لم يكن الكيف حينها محظورا. كان يباع بشكل عاد في فندق مولاي الحسن السرسار بباب الخميس، وكان استهلاكه مباحا.
النزاهة كانت شيئا ضروريا، اجتهادا في مديح الحياة، عندما كبرنا قليلا وصرنا شبابا أصبحنا نخرج للنزاهة لوحدنا.
كان الحرفيون يقيمون النزاهة كل جمعة لأنه عيد المومنين. لذلك يحتفلون به برونق خاص. كان الناس مؤمنين صادقين وبسطاء، ليس كما اليوم يقابلونك بألف وجه.
في فرقة الاطلس كان مولاي عبد الواحد حسنين يسهر بنفسه على تنظيم النزاهة. أما في فرقة الوفاء فلم يكن لنا الوقت لذلك بسبب ضغط الجولات المكثفة. حتى أننا كنا نتمنى ان نحظى بشهر واحد بلا عمل.
مثلا كان الحسن الثاني رحمه الله يوقع لنا بنفسه على جولة بكل الثكنات العسكرية بمختلف مناطق المغرب الى أبعد نقطة بتعويض سخي. كنا نسافر إليهم بحافلة وهم يمدوننا بالوقود. وكنا نقوم بجولات لفائدة المناجم والهلال الاحمر والتعاون الوطني لفائدة الخيريات، لتجهيزها وتجديد أفرشتها وأسرتها.. أي خيرية بالمغرب إلا وتجد فيها مساهمة سخية لفرقة الوفاء. كنا نحيي ما يناهز ثمانين حفلا في السنة لفائدتها. وما نكاد ننهيها حتى نبدأ في جولة جديدة بالتزام، إما مع الاذاعة أو الجيش أو المعادن أوغيرها.. أما شهر رمضان فكنا نقضيه، إما بتونس أو الجزائر التي كانت فيها أعمال فرقة الوفاء مطلوبة. إذا سبقت تونس في إبرام العقدة معنا فإننا نستنفد هذا الشهر بكامله وأكثر في تقديم عروضنا بمختلف مدنها، وكذلك الشأن بالنسبة للجزائر.
كان أملنا أيام عز المسرح أن نجد أسبوعا للراحة. كانت أياما جميلة بكل شيء، ببساطة ناسها وبتألق فنها وتتويجه في صدور الجمهور المغربي الذي رفع الابداع والمبدعين الى أرفع المراتب، مترجما في ذلك درجة فائقة من الرقي والانتماء المرهف للحياة... إنها فترة من ذهب.
عبد الصمد الكباص


معرض صور