طقوس الختان (الطهارة) في مراكش

الثلاثاء 28 يونيو 2016

الختان، ذلك المعبر المؤلم بين عالم الطفولة ودنيا رجولة موقوفة التنفيذ، هو أيضا شهادة انتماء للعقيدة الاسلامية يوقعها المختون بدمه وصراخه.
 
والختان من حيث كونه إحدى سنن الفطرة إلى جانب نتف الإبط وتقليم الأظافر وحلق العانة ، هو نموذج للعديد من مظاهر السلوك الاجتماعي التي يتداخل فيها المقدس بالأسطوري ويحجب فيها الموروث الثقافي البعد الديني لعملية كان معمولا بها في مجتمعات ما قبل الاسلام قبل أن ترسخها السنة النبوية كشرط وجوب لاكتمال العقيدة بالنسبة للذكور.
 
هذه الثنائية تحكم طقوس الختان في المغرب عموما ومراكش خصوصا بصيغ تختلف في تفاصيلها الدقيقة، لكنها تتوحد في تمظهراتها العامة. كما أن عامل الزمن وإن كان أفقدها بعضا من خصوصيات القداسة، فإنه لم يؤثر كثيرا على طابعها الاحتفالي بل أعطاه حللا جديدة تتماشى مع تغيرات الواقع المجتمعي.
 
 ولعل من أبرز ما تخطى حدود الأزمنة من هذه التقاليد ورسخته الأجيال المتلاحقة كإحدى سمات الحياة الاجتماعية في مراكش، مظاهر التحضير وطقوس الاحتفال بهذا الحدث. يبدأ الإعداد للختان ماديا قبل اليوم الموعود بعدة شهور ، حيث يتم إعداد لباس المختون( طربوش وجبادور وفوقية وسروال قندريسي وبلغة وغيرها). وتتحرز الأم كثيرا عند شراء عدة الختان هذه حتى لا يعلم بذلك المختون. ومع اقتراب ساعة الحسم يتم إعداد أصناف من الحلويات التقليدية وتحديدا ما يسميه أهل مراكش (اللا الطام) و يطلق عليها أهل فاس (غريبة البهلة).
 
بعض التقاليد تفرض شراء ديك يذبح يوم الختان ، ويطهى بالبصل والزبيب ليشرب المختون من مرقه لاسترجاع ما خار من قواه. وهناك تقاليد أخرى، وإن كانت محدودة التداول، تعمد إلى جرح تاج الديك الأحمر (العرف) جرحا خفيفا حتى يسيل دمه ، وكأن ذلك قد يخفف من آلام المختون أو يطفئ لوعة والديه. وفي اليوم الذي يسبق عملية الإعذار يذهب الطفل رفقة أمه إلى الحمام. وليلة نفس اليوم يقام بالبيت حفل الحناء يتم خلاله تخضيب وسط كف الطفل بالحناء وسط جو احتفالي تغني فيه (اللعبات)، وهن شابات من بنات الحي برئاسة سيدة مسنة أغاني شعبية تتخللها بعض المستملحات النسائية التي تروم إبعاد شبح الخوف عن قلب أم المختون. وفي حالات أخرى تعوض (اللعبات) بفرقة (الحضارات) التي تتكون من سيدات ، هن في الغالب مسنات ، يرددن الأذكار والأمداح النبوية على إيقاع الطبيلة والناقوس والدف والدعدوع.
 
ومن التقاليد التي تحتفظ بها ذاكرة المراكشيين على الخصوص أيضا زيارة الطفل الموعود بالختان لأضرحة الأولياء السبعة لمراكش ( سبعة رجال) مع وقفة خاصة بضريح سيدي بلعباس تلمسا لبركة دفين هذا الضريح الذي تقول مصادر التاريخ إنه كان يقوم مساء كل يوم بجمع صدقات من تجار المدينة ليوزعها على الفقراء.
 
 وتقضي الأعراف المتواترة أن تتم الزياة وقت العصر وعلى صهوة جواد إذا أمكن. وصبيحة يوم الختان تتزين الأم بأحسن حللها وتجلس في وسط الدار تحيط بها الجارات والقريبات في حالة استنفار قصوى استعدادا للتدخل في حال انهيار الأم. وحال دخول الحجام ومساعده يرتفع صوت (الغياطة) و( الطبالة) مدويا في أرجاء البيت في محاولة لإغراق صراخ الطفل المختون في ضجيج الغيطة والطبل ومنع وصوله إلى أذن الأم، بينما تردد الحاضرات بما تملكن من قوة ( يا الحجام العار عليك راه وليدي بين يديك). يضع احد مساعدي الحجام إزارا يحجب (لمعلم) عن العالم الخارجي بينما يمسك مساعد آخر الطفل بطريقة تشل حركاته.
 
ومن التقاليد المراكشية التي ذابت في لجة السنين وضع الحجام قبيل الإعذار ( بعرة ) خروف داخل غشاء القضيب لعزل ما يسمى بالثمرة خوفا من إصابتها بضربة المقص. ومباشرة بعد قطع الغشاء يوضع محتوى بيضة طازجة على الجرح لتضميده والتخفيف من الآلام. ومن التقاليد أيضا أن تحمل امرأة غير متزوجة الصبي المختون فوق ظهرها لعل ذلك بفك ضيقها ويفتح في وجهها باب الزواج. ومن التقاليد المتداولة أيضا وضع المختون أرضا وتقوم امرأة متزوجة بتخطيه مرات عديدة حتى تنضج رجولته وتتقوى فحولته.
 
 وإلى جانب الختان الفردي ، الذي تعد له الأسرة العدة اللازمة، هناك مناسبات لعمليات إعذار جماعي ظلت تقام بضريح (مول لقصور)، أحد الرجالات السبعة لمراكش. وتشبه هذه العملية ما يقوم به الحجامون في مدينة فاس داخل ضريح سيدي علي بوغالب الذي يحظى بتقدير خاص لدى حجامي العاصمة العلمية.
 

المراكشية


معرض صور