مدونة مؤقتا لنكون معكم داخل البيوت … لنكن متفائلين
المراكشية : بوابة مراكش

شوكلاتة بطعم مُرّ


توفيق بوعشرين | حرر بتاريخ 28/01/2014




شوكلاتة بطعم مُرّ
 
 
المغاربة يقولون إن الذي سرق بيضة يسرق دجاجة، والذي يمد يده إلى دجاجة يقدر على خطف بقرة، ومنها إلى الجمل بما حمل، وهكذا صعودا إلى سرقات أكبر. هذا ما ينطبق على الوزير الشاب عبد العظيم الكروج الذي اشترى حقيبة شوكلاتة من محل فاخر في الرباط بمناسبة ازدياد مولود في بيته، وعوض أن يبعث شيكا باسمه إلى محل الشوكلاتة، كما يفعل غيره، كلف مسؤولا في الوزارة بدفع 33 ألف درهم من أموال دافعي الضرائب الذين أجبرهم على المساهمة في الاحتفال بمجيء المولود الجديد إلى بيت آل الكروج حفظهم الله...
إنها أكثر من «السقاطة» التي يفسر بها بعض المسؤولين عندنا مثل هذه السلوكات، إنه استهتار بأخلاق المسؤولية وبقيم النزاهة لوزير كان مكلفا بوزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري. والأسوأ من هذا أن الوزير لم يعتذر إلى الآن عن مد يده إلى ميزانية الدولة، كما أن حزبه لم يدفعه إلى الاعتذار ولا إلى تقديم الاستقالة، بل فضل الاثنان الهروب إلى الأمام، والقول مرة «إن الوزير بريء»، ومرة إن هناك لجنة للتحقيق تبحث في الأمر، ومرة يقولون إن محل الشوكلاتة أخطأ عندما بعث الفاتورة إلى الوزارة وليس إلى بيت الكروج، وإن الخطأ قد جرى إصلاحه. كل هذا التخبط جاء بعد 10 أيام من انفجار الفضيحة في الإعلام، وطيلة هذه المدة ابتلع الكروج لسانه، وفضل العنصر الصمت، أما حزب السنبلة فلا يبدو أنه حساس تجاه سمعته لدى الرأي العام أو الناخب المفترض، لا وجود للجنة تحقيق يشكلها وزير من الحزب نفسه للتدقيق في شبهات زميله، ولا وجود لمحل تجاري يكتب فاتورة لوزارة دون وجود "بون كوموند"، ولا يوجد وزير بريء يسكت عشرة أيام على سمعته، وينطق في اليوم الحادي عشر ليقول: «أنا بريء»، والعجيب أنه أصدر بيانا في اليوم الذي ضاعت فيه الفاتورة من أرشيف الوزارة ولم يعثر لها على أثر، وهذه جريمة أخرى تسمى تبديد محررات رسمية بسوء النية، وعقابها في القانون الجنائي أسوأ من عقاب تبديد أموال عمومية.
العيب ليس على وزير «قطر به السقف» ووصل إلى الوزارة بالطرق الملتوية والزبونية التي يصل بها جل الوزراء إلى مواقع المسؤولية في مثل هذه الأحزاب، العيب على رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، الذي لا يقدر على إظهار «العين الحمراء» للأمين العام لحزب الحركة الشعبية، امحند العنصر، ومطالبته بعقاب الكروج على هذه «السقاطة»، فكيف يعقل أن تتخذ الحكومة قرارا بالتقشف في مصاريف الإدارة، وتخفيض الاستثمار العمومي، والزيادة في أسعار المحروقات على المواطنين لسد عجز الميزانية، فيما وزير في الحكومة يبعث إلى زوجته شوكلاتة إلى المصحة على حساب دافعي الضرائب بقيمة 33 ألف درهم، طبعا هو لا يخشى أي محاسبة، لا من قبل حزبه ولا من رئيس حكومته، ولا من قضاء بلاده ولا من محكمة الرأي العام، وهو في الوقت نفسه لا يقدر على أن يؤدي فاتورة شوكلاتة تساوي نصف راتبه الوزاري، إذن، الحل هو دفع الوزارة لأداء ثمن العيش الرغيد، وأبهة الأغنياء، وبرستيج العائلات الكبيرة التي تصرف في مثل هذه المناسبات بلا حساب...
عدد من الوزراء يفقدون عقولهم بمجرد أن يضعوا مؤخرتهم فوق كرسي الوزارة، ويعتقدون أنهم وصلوا إلى قمة السلطة والثروة والمجد بمجرد أن يدخلوا إلى القصر ويتسلموا ظهير التعيين، وهذا خطأ كبير في كل بلاد الدنيا، وحتى في الديمقراطيات الغنية. الوزراء لا ينتقلون من الطبقة الوسطى أو الفقيرة إلى الطبقة الغنية بمجرد الوصول إلى الوزارة، أبدا، بالعكس، الكثير من الأطر الكبرى تخسر أقساطا كبيرة من مداخيلها كل شهر عندما تدخل إلى الوزارة، لأن الدول لا تدفع للوزراء أعلى الأجور لخدمة المصلحة العامة. جل الدول تدفع للوزراء رواتب الدرجة الأولى في الطبقة الوسطى، ولا تدفع لهم مداخيل الأغنياء والبرجوازيين، لأن الخدمة العمومية مبنية على التضحية والتعويض فيها معنوي أكثر منه مادي. جل وزراء أوربا يتقاضون من خمسة إلى ستة أضعاف الحد الأدنى للأجور في بلادهم، وجلهم يسكن شققا وظيفية لا فيلات، وجلهم يحاسَب حسابا عسيرا على الأورو الواحد... فيهم فاسدون، وفيهم طماعون، وفيهم ضعاف النفوس، نعم، هم بشر وليسوا ملائكة، لكن من انكشف سره وفساده فإنه يودي ثمنا غاليا ليس أقله خسارة منصبه ونبذ المجتمع له، أما عندنا فلا شيء من هذا يقع.. الطبقة السياسية يحمي بعضها بعضا، ومن تجرأ على الكلام يهدمون له أسنانه. هل تذكرون حكاية «البريمات» في وزارة المالية؟ هل تذكرون سيارة منصف بلخياط التي كلفت الميزانية أضعاف ثمنها؟ هل تذكرون شقق عليوة؟ هل؟ وهل؟ الفساد لا ملة له، والفساد في هذه البلاد لا رادع له، وعلى بنكيران أن يعترف بهذه الحقيقة وألا يجرح كبرياء المفسدين بين الحين والآخر.




في نفس الركن
< >

الثلاثاء 15 غشت 2017 - 22:13 دهس المارة : آخر هلوسات الإرهاب

أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة | Almarrakchia





الأكثر قراءة

8CD913E4-4BFE-4976-92FC-EA44C3DB4263
8AEED751-C7FD-4F63-AD20-3129E4E08440
A9C2ADA5-0811-4D26-A569-FA64141F1A54
DE154AFC-C74B-462C-B721-115006ECAF3D
FA6F3194-2A29-4353-8F6E-0985EEAD7431
81DCF7E5-174A-4E08-80E7-692A8557DAC7
9FAE6B31-4524-41A2-8300-5B6281F674E1
161F1C35-837C-4728-813D-E27E3D726E3B

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة