شهادات صادمة وتجارب أليمة من حي المحكومين بالاعدام / ١

حرر بتاريخ 10/07/2014
حليمة أبروك نشر في اليوم 24

الخامس عشر من شهر شتنبر سنة 1993، تاريخ يذكره الكثيرون، حيث تم إعدام الكوميسير الشهير «الحاج ثابت»، تنفيذا للحكم الصادر في حقه في شهر مارس من السنة نفسها من طرف غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء .
بعد إدانته بإجبار حوالي 500 امرأة وفتاة قاصر على ممارسة الجنس معه، وتصوير جميع أفعاله الجنسية التي كان يمارسها في شقته في شارع عبد الله بن ياسين في الدار البيضاء.
لقد كانت تلك قضية القرن التي شغلت الرأي العام الوطني والدولي، لما كانت تنطوي عليه من عناصر الإثارة: «الجنس والمال والسلطة». 15 شتنبر 1993، هو أيضا التاريخ الذي يوثق آخر عملية تنفيذ حكم إعدام في المغرب، فبالرغم من أن محاكم المملكة تواصل منذ تلك السنة إلى غاية اليوم النطق بأحكام الإعدام، إلا أنها تعتبر «موقوفة التنفيذ» منذ ذلك التاريخ.
تجميد التنفيذ يدعو جمعيات ومنظمات حقوقية عديدة إلى المطالبة بحذف تلك العقوبة من القانون الجنائي المغربي، في المقابل يطالب علماء الدين بتنفيذ تلك العقوبة استنادا إلى الآية القرآنية التي تنص على القصاص. بين هؤلاء وأولئك، هناك المحكومون بالإعدام الذين يصل عددهم اليوم في المغرب إلى 115 شخصا أكدت دراسة حقوقية أن ثلثيهم يعانون اضطرابات نفسية


يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر يونيو الماضي 2014، نزلنا ضيوفا على نزلاء حي الإعدام بسجن القنيطرة. ثمانون شخصا هو عدد المحكومين بالإعدام الذين يحتضنهم سجن القنيطرة من أصل 115 محكوما بالإعدام، موزعين بين سجون مختلفة في أنحاء المملكة، حسب إحصائيات كشفتها دراسة ميدانية أجرتها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالتعاون مع الجمعية الفرنسية «معا ضد عقوبة الإعدام» والائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام السنة الماضية 
في هذا السجن يقبع العديد من «مشاهير» عالم الجريمة الذين يعرف أغلبهم بألقابهم أكثر من أسمائهم. هنا لن تجد أحدا يصف نفسه ب«المجرم»، الجميع «أبرياء»، وحتى من يقبلون بصفة «مجرم» يقدمون عشرات المبررات لما ارتكبوه من جرائم، ويدفعون عنهم المسؤولية بدعوى أن الظروف كانت لها الكلمة الأولى والأخيرة في ما وصلوا إليه. 
منهم المجرم عن سبق إصرار وترصد، ومنهم المجرم بالصدفة، منهم من يأملون في الخروج يوما من السجن، ومنهم من لا يبالون بالحرية، بل ويرفضونها إذا كانت ستأتي بعد بلوغهم سن الشيخوخة والعجز، ومنهم من يتمنون تنفيذ العقوبة حتى يتحرروا من قسوة الانتظار القاتلة، ومنهم من حاولوا الانتحار أكثر من مرة. 
العشرات من المحكومين بالإعدام رفضوا الحديث إلينا، «ما بغيتش نتفكر الماضي، ما بغيتش نتفكر شنو درت، خليوني ننسى»، عبارة رددها الكثيرون ممن يعيشون حالة من العزلة داخل زنازينهم رافضين الغوص في ماض يغرقهم في الشعور بتأنيب الضمير. خلافا لهؤلاء قبل البعض الحديث إلينا، وإن كانوا هم أيضا وجدوا صعوبة في استرجاع ذكريات جرائم ارتكبوها في لحظات لم يتصور أي منهم خلالها أن يكون مصيرهم السجن في حي اسمه مرادف للموت. 
 
رصاصة قاتلة في رأس الكوموندو
«مقدر و مكتاب»، هكذا يبدأ نور الدين قصته.. لا يتردد في الاعتراف بارتكابه جريمة قتل، لكنه في المقابل يؤكد أن الظروف لعبت دورا كبيرا في ارتكابه تلك الجريمة في لحظة غضب وإحساس بالظلم. 
ينحدر نور الدين من عائلة ميسورة نسبيا، جميع إخوته يشغلون وظائف مهمة، وهو نفسه كان من الممكن أن يحصل على وظيفة مهمة في الخارج لولا إصراره على الالتحاق بالقوات المسلحة والبقاء في المغرب. كان يرغب في تتبع مسار والده الجندي الذي حارب في السويس والجولان. اغرورقت عينا نور الدين بالدموع حين تذكر ما حدث يوم ارتكابه الجريمة، «كانت قد مرت أيام قليلة على وفاة والدي بعدما عانى طوال عشر سنوات بسبب مرض السرطان»، وفاة الوالد تسببت له في اكتئاب حاد وأزمة نفسية حاول تجاوزها بإغراق نفسه في العمل، حيث التحق بالثكنة العسكرية أياما قليلة بعد الجنازة، هناك كان نور الدين يعاني مضايقات زملاء له في الثكنة ينحدرون من الأقاليم الجنوبية. «عاقل على ذاك النهار مزيان، كان نهار الخميس وكنت صايم، حيث ولفت نصوم الأيام البيض، ضايقوني شي زملاء من الأقاليم الجنوبية كالعادة، ومشيت لمكتب الكومندو نتشكاهم ليه، كان ناعس وملي فيقتو بشوية عايرني وجرا عليا»، خرج نور الدين وهو يبكي، «حسيت بالحكرة وبقا فيا الحال بزاف»، بمجرد ما غادر نور الدين لحق به «الكومندو»، وطلب من جندي آخر أن يأخذ منه السلاح ويحبسوه قبل أن يعود إلى مكتبه ليكمل قيلولته. «ما قادرتش نستوعب شنو وقع معايا ولكن اللي عاقل عليه أنه ملي قربو مني باش ياخذو مني السلاح، جبدتو وضربت جوج رصاصات فالسما وذيك الساعة هرب كلشي». بعد ذلك دخل نور الدين إلى مكتب «الكومندو» فواجهه بالسلاح وهو يبكي، «كنت أتمنى أن يواسيني ويقول لي إنه ظلمني، ولكن على العكس استفزني وظل يردد: ضرب ايلا كنتي راجل يا ولد...؟».
أطلق نور الدين رصاصتين في الهواء كمحاولة منه لإسكات وإخافة «الكومندو»، قبل أن يقوم الأخير محاولا نزع السلاح ليوجه نور الدين بسرعة نحو يده رصاصة ثالثة تلتها رصاصة رابعة كانت الرصاصة القاتلة. جلس نور الدين بجانب الضحية وهو يبكي غير مستوعب ما حدث معه، اجتمع على الفور مجموعة من جنود الثكنة حوله فقيدوه وهو في حالة انهيار تام، وبعدها حول إلى محكمة عسكرية حكمت عليه بالإعدام . في سن الثالثة والعشرين وجد نور الدين، الشاب المليء بالطموح والأحلام، نفسه وراء القضبان، حيث قضى إلى حدود اليوم عشر سنوات في حي الإعدام بسجن القنيطرة.
«كان عندي طموح نمشي بعيد، سيفطت للقبعات الزرق في فرنسا وقبلوني ولكنني فضلت نبقى فبلادي»، يقول نور الدين الذي لم تتخل عائلته عنه، حيث يؤكد أن والدته وإخوته يزورونه بانتظام ويواسونه، الأمر الذي يمثل بالنسبة له دعما نفسيا كبيرا يساعده على التطبيع مع حياة السجن. لا ينفي نور الدين أنه يتمنى الخروج يوما ما، والعودة إلى حياة الحرية، بالرغم من أنه في البداية كان يتمنى أن يتم تنفيذ الإعدام في حقه. «هل تفكر في ضحيتك؟ وهل تشعر بالذنب بسبب ما اقترفته؟»، يجيب نور الدين بلا تردد: «ما حدث قضاء وقدر، وأنا طبعا أشعر بالذنب لأنني قتلت إنسانا، ولكن الله وحده يعلم كيف كانت حالتي في تلك اللحظة، لقد صرت مجرما بالصدفة، واتحدت الظروف ليقع ما وقع»، يصمت قليلا فيقترب ليبوح هامسا: «كنت أتألم كثيرا من جهة لارتكابي جريمة في حق إنسان، ومن جهة أخرى لأن حياتي وآمالي وكل ما كنت أبنيه لمستقبلي تحطمت في لحظة واحدة، ولكنني ارتحت»، ليسترسل: «ضحيتي زارني في المنام وقال لي: اعذرني لأنني لم أعزِّك في وفاة والدك. كان يبدو عليه الأسى والحزن». يؤكد نور الدين أن ذلك المنام كان طوق النجاة الذي أخرجه من حالة الحزن وتأنيب الضمير الذي كان يمزقه.
مشاهدة التلفاز وممارسة الرياضة والقراءة والصلاة هي الأنشطة التي يؤثث بها نور الدين يومه حتى يشغل وقته. حين سؤاله عن رأيه في الإعدام، يؤكد أنه يؤيده بالنسبة إلى بعض الحالات، «التقيت حالات تستحق الإعدام، كمغتصبي الأطفال ومرتكبي الجرائم ضد الأصول»، الأكثر من ذلك أن نور الدين يقول إنه لا يعارض تنفيذ الحكم ضده هو نفسه إذا كان ذلك سيؤدي إلى تقليص الجريمة في المغرب، لكنه يعود ليؤكد أن ليس كل المحكومين بالإعدام يستحقون تلك العقوبة، «ليس كل المحكومين بالإعدام مجرمين، أنا، مثلا، لم يسبق لي أن دخلت السجن، ولم يسبق لي ارتكاب أي مخالفة، كنت دائما مسالما إلى درجة أن الأصدقاء والعائلة وحتى الجيران فوجؤوا لدى سماعهم بخبر ارتكابي جريمة قتل»، يقول نور الدين الذي، بالرغم من حرصه على ترديد: «أنا راض، هذا قضاء وقدر»، كان يبدو أنه يخفي غصة وحسرة على شبابه الذي يذبل وأحلامه التي تحطمت، فضحتها دموعه التي لم يكن يقوى على حبس انهمارها في كل مرة يتحدث عن المستقبل، وعما كان يأمل تحقيقه قبل دخول السجن.




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية