شهادات صادمة من حي المحكومين بالاعدام / إعدام ميت

حرر بتاريخ 18/07/2014
حليمة أبروك

يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر يونيو الماضي 2014، نزلنا ضيوفا على نزلاء حي الإعدام بسجن القنيطرة. ثمانون شخصا هو عدد المحكومين بالإعدام الذين يحتضنهم سجن القنيطرة من أصل 115 محكوما بالإعدام، موزعين بين سجون مختلفة في أنحاء المملكة، حسب إحصائيات كشفتها دراسة ميدانية أجرتها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالتعاون مع الجمعية الفرنسية «معا ضد عقوبة الإعدام» والائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام السنة الماضية
في هذا السجن يقبع العديد من «مشاهير» عالم الجريمة الذين يعرف أغلبهم بألقابهم أكثر من أسمائهم. هنا لن تجد أحدا يصف نفسه ب«المجرم»، الجميع «أبرياء»، وحتى من يقبلون بصفة «مجرم» يقدمون عشرات المبررات لما ارتكبوه من جرائم، ويدفعون عنهم المسؤولية بدعوى أن الظروف كانت لها الكلمة الأولى والأخيرة في ما وصلوا إليه.
منهم المجرم عن سبق إصرار وترصد، ومنهم المجرم بالصدفة، منهم من يأملون في الخروج يوما من السجن، ومنهم من لا يبالون بالحرية، بل ويرفضونها إذا كانت ستأتي بعد بلوغهم سن الشيخوخة والعجز، ومنهم من يتمنون تنفيذ العقوبة حتى يتحرروا من قسوة الانتظار القاتلة، ومنهم من حاولوا الانتحار أكثر من مرة.


شهادات صادمة من حي المحكومين بالاعدام / إعدام ميت
 
وقف لبرهة أمام الكرسي طالبا الإذن بالجلوس قبل أن يجره بهدوء ليقتعده، ويضم ذراعيه إلى صدره مرحبا بأي سؤال، قدمت له نفسي ليقدم نفسه بدوره قبل أن يطلب عدم نشر أي شيء قد يكشف هويته. «أنا أذنبت وأقضي عقوبتي، يكفيني ما أعانيه، لماذا نشر اسمي وتشويه عائلتي؟»، يتساءل بمرارة قبل أن يعبر عن استيائه من أحد البرامج التلفزية التي نشرت اسمه الكامل وحتى صورته، مؤكدا أن ذلك تسبب في مشاكل كثيرة لإخوته ووالدته. شاب في الثلاثينات من العمر، قوي البنية، وسيم إلى حد جعله يحمل وسامته كلقب منذ سنوات المراهقة. يتردد قليلا بمجرد سماعه سؤالا حول البداية، يغوص في ذكريات ماضيه للحظات قبل أن يرد: «القصة طويلة، هل لديك الوقت الكافي لتسمعيني؟». يبدأ في سرد قصته، بدءا من الطفولة قبل أن يعرج على مرحلة المراهقة. 
يبتسم وهو يصف شقاوته، تغرورق عيناه بالدموع حين يتذكر أنه لم ير والده سوى مرتين في حياته: «ملي طلق الوالد الوالدة ما شفتوش لا هو ولا حتى خوتي اللي ولدهم مع مراتو الثانية». يفتش «عادل» في تفاصيل الزمن البعيد من طفولته مبتعدا قدر ما يستطيع عن النقطة الحاسمة التي وجد نفسه فيها مجرما ملاحقا قبل أن يصبح سجينا في حي المحكومين بالإعدام.
حين طرحنا عليه سؤالا محددا عن طبيعة جريمته، بادر إلى القول دفاعا عن نفسه: «أنا لا أفهم ولا أستوعب كيف ارتكبت تلك الجرائم!»، مضيفا: «كان عليهم توفير خبرة طبية للتأكد من أنني ارتكبت تلك الجرائم وأنا في كامل وعيي وقواي العقلية».
في سنة 2007 اعتقل عادل لأول مرة بتهمة الاختطاف ومحاولة الاغتصاب، قضى سنة غادر بعدها السجن ليقضي أربعين يوما فقط حرا عاد بعدها إلى السجن ليحكم عليه بالإعدام. لا ينفي عادل أنه كان يعاقر الخمر ويتناول المخدرات بمختلف أنواعها، كما لا ينفي أنه حين يكون مخمورا أو مخدرا لا يعي ما يقترف من أفعال. ثلاث جرائم قتل ارتكبها عادل في حق ثلاث نساء، الأولى ارتكبها قبل أن يدخل السجن للمرة الأولى، والجريمتان الأخريان ارتكبهما خلال الأربعين يوما التي قضاها خارج السجن في مستهل سنة 2008. يتردد عادل قليلا قبل الرد على الأسئلة التي تخص ظروف ارتكابه لجرائمه: «عجزت عن أن أقول للقاضي نفسه ما جرى معي بالتفصيل»، يقول عادل قبل أن يتشجع ويحكي ما جرى معه: «أثناء العملية الجنسية وفي اللحظة التي أقترب فيها من القذف أقوم بخنق الفتاة التي تكون معي»، يقول عادل الذي يصف حالته ب«المرض النادر». ثلاث جرائم تمت بالطريقة نفسها، وفي الوقت الذي كانت الشرطة تبحث عن الجاني لم يكن عادل يشعر بأدنى خوف، ولم يتصور أن يد العدالة قد تصل إليه، فهو يؤكد أنه كان مطمئنا، وكان يعيش حياته وكأن شيئا لم يحدث، وقد زاد اطمئنانه بعدما اعتقل لمدة سنة ولم تكتشف الشرطة حينها أنه ارتكب سلفا جريمته الأولى. لم تهتز ثقة عادل حتى بعدما تم استدعاؤه من طرف الشرطة، حيث أخذت عينة من لعابه ليتم إطلاق سراحه بعدها. كان يتصور أن ذلك أمر روتيني، ولم يكن يعلم أن تلك العينة هي التي ستؤدي إلى سقوطه وانفضاح أمره أمام الجميع. أياما قليلة بعد ذلك سيفاجأ عادل بعد عودته إلى بيت العائلة من جلسة خمرية رفقة بعض أصدقائه بسيارة شرطة في انتظاره، «في تلك اللحظة شعرت بأنني سقطت، وأن جميع الجرائم السابقة ستنكشف»، كان إحساسه هذه المرة صادقا، فقد افتضح أمره، وتوبع بالجرائم الثلاث، وحكم عليه بالإعدام. «إلى حد الآن لا أستوعب أنني محكوم بالإعدام. أنا ميت، نسيت طعم الحرية وخسرت عائلتي»، يقول عادل بحسرة، مشيرا إلى أن والدته هي الوحيدة التي تزوره من حين إلى آخر.
والد عادل توفي منذ سنة ونصف، ولم يعرف عادل أبدا ما كان موقف والده مما جرى معه، لكنه يحمله جزءا من المسؤولية عما وصل إليه، إذ يؤكد أنه لو كان والده بجانبه ما كان ليدمن على المخدرات والخمر اللذين أديا به إلى طريق الانحراف والجريمة. القراءة والرياضة النشاطان اللذان يزجي عادل فيهما ساعات يومه داخل السجن، وإن كان يؤكد أنه شبه ميت مادام محكوما بالإعدام وإن كان موقوف التنفيذ. «استفدت من الكثير من الأشياء على رأسها التخلص من الإدمان والتعلق بالصلاة»، يقول عادل الذي لا يأمل في الخروج من السجن يوما حتى لو تحول الإعدام إلى مؤبد ثم محدد، «حياتي ضاعت، أنا في الثلاثينات الآن وحتى لو تحول الإعدام إلى محدد أكيد أنني سأقضي عشرين أو ثلاثين عاما أخرى هنا، لا أرغب في معانقة الحرية إذا كنت سأخرج عجوزا».




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية