المراكشية : بوابة مراكش

سوق الغزل بمراكش …سوق‭ ‬للبشر‭ ‬والبضائع


المراكشية | حرر بتاريخ 26/04/2020




 

كان بمحاذاة ساحة جامع الفنا، بحي الأسواق وبجوار سوق السمارين، سوق يعرف بسوق العبيد اندثر خلال القرن 19، كانت فيه تجارة رائجة للعبيد، وخاصة أولئك الذين يعتبرون من الدرجة الثانية من حيث قيمتهم. أما عبيد الدرجة الأولى الذين يباعون بأثمان مرتفعة، فكانوا لا يغادرون منازل تجار النخاسة أو «السرارفية» حيث كانت تعقد الصفقات.

يذكر مارمول (Marmol) أن مراكش كانت تعرف في زمانه سوقين كبيرين، أحدهما يقام كل يوم خميس، حيث تعرض الكثير من المنتوجات الزراعية والمواشي بساحة كبرى، يحتمل أنها هي ما يعرف اليوم بساحة جامع الفنا، غير أن هذه الساحة الكبرى كانت أكثر اتساعا. والسوق الثاني كان يعقد كل يوم ثلاثاء خارج الأسوار أمام باب دكالة، حيث كان سكان البادية يجلبون منتجاتهم من القمح والشعير والزبدة والزيت والتمور وغيرها من المواد، كما كان يعقد بساحة جامع الفنا يوم الجمعة سوق كبير يجتمع فيه أهل البدو مع سكان المدينة، وتعرض فيه مختلف المنتجات يستثنى منها الماشية ذات القرون.

عُرفت ساحة جامع الفنا، كذلك، بحضور الأنشطة الترفيهية منذ القرن السابع عشر الميلادي، وفي هذا الصدد يذكر لحسن اليوسي أنه خلال زيارته لها في صباه، عند رحلته في طلب العلم، وجد هناك المادحين، فصادف رجلا مسنا يتحلق حوله جمع غفير من الناس وإذا به يروي حكايات تثير الضحك في الحضور.

شكلت ساحة جامع الفنا منذ مطلع القرن العشرين مسرحا مفتوحا تعرض فيه أصناف وضروب من مظاهر الفرجة التي كانت تبدأ مع أول النهار وتستمر إلى ساعات متأخرة من الليل، مما جعلها محجا للزوار من مختلف المناطق للاستمتاع بما تعج به من حياة، تختزل تراثا شعبيا مغربيا عريقا غنيا ومتنوعا، فهناك رواة السيرة النبوية وسيرة عنترة وسيف بن ذي يزن، ومن أشهر هؤلاء رجل اسمه «الكبيري» وآخر اسمه «مولاي أحمد النويكة»، وإلى جانبهم، الحكواتيون الذين يمتعون الناس بطرائفهم وحكاياتهم وقصصهم وأساطيرهم المشوقة، ثم هناك العرافون والمنجمون ومفسرو الأحلام الذين يقرؤون الطالع وخط الرمل من خلال النظر في البيض، مع ما يرافق ذلك من عجائب وغرائب، ومروضو الأفاعي والبهلوانيون والفكاهيون الذين يثيرون في المتفرج نوبات من الضحك لا تقاوم، ومن هؤلاء «باقشيش العربي» و«باقشيش البربري» و«برغوث» و«فليفلة» وغيرهم، إضافة إلى شعراء الملحون كـ«السكوري» وغيره من المغنين والموسيقيين وممتهني الألعاب السحرية، ومن بين أشهر الحلقات التي كانت بساحة جامع الفنا ما يعرف بـ«هداوة» وهم من مريدي «سيدي هدي»، ثم جماعة «بن حمامة» المشهورين بطربهم الحوزي، ولاعبي رياضة الرشاقة البدنية المعروفين بأولاد «سيدي احماد وُمُوسى» الذين يقدمون لوحات استعراضية تشد إليها الأنظار.

منذ الساعات الأولى من الصباح، يشرع رواة السيرة والحكواتيون والقصاصون في سرد ما لديهم، مستغلين الهدوء الذي يعم الساحة. ومع مرور الوقت، تنشط الحركة في أرجائها، ويبدأ بالتدريج صوت الموسيقى وصخب منشطي «الحلقة» يرتفع، فتتحول أجواء الساحة إلى مسرح كبير تعرض فيه لوحات فنية من الفرجة التي تستمر إلى آخر النهار.

مع غروب الشمس، تتلألأ فوانيس ساحة جامع الفنا، ومصابيح العربات التي تقدم للزوار أشهى المأكولات التقليدية من لحوم مشوية وطنجيات مراكشية ونقانق وكسكس وبسطيلة وبقول وسمك ومقليات وطاجين ومشروبات، وخاصة عصير مختلف الفواكه، فيتحول المكان إلى وليمة كبرى ويزيد الدخان المنبعث من العربات الذي ينعكس عليه ضوء المصابيح من روعة اللوحة الفنية التي تقدمها ساحة جامع الفنا.

عبد‭ ‬المالك‭ ‬ناصري‭

 *أستاذ‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والحضارة‭ ‬بالكلية‭ ‬متعددة‭ ‬التخصصات‭ ‬بتازة‭ ‬




أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة