المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

سوسيولوجيا العمل الجمعوي بالمغرب : ملاحظات أولية

السبت 1 يونيو 2013

سوسيولوجيا العمل الجمعوي بالمغرب : ملاحظات أولية
 
تحظى الجمعيات اليوم، باعتبارها فضاءات لممارسة الحرية والمشاركة المواطنة، و لخلق المبادرات الجماعية ولتجسيد التضامن...الخ ، بأهمية متزايدة في الحياة الاجتماعية ، بالنظر إلى ما تتميز به المجتمعات الحديثة من تراجع للتماسك الاجتماعي، و تزايد للإقصاء الاجتماعي وتهميش لشرائح واسعة من السكان وتعرضهم للهشاشة الاجتماعية، بفعل عجز المجتمعات الحديثة عن المزاوجة بين إنتاج الخيرات والثروات والنمو الاقتصادي بشكل عام، وبين خلق مناصب شغل و تعميم نمط العيش الكريم، وما يستلزمانه من عدالة اجتماعية .كما تحظى الجمعيات اليوم ، باعتراف رسمي متزايد بالعمل المهم الذي تقوم به، يكشف عن ذاته من خلال الأدوار، المختلفة والمتفاوتة الأهمية، التي بدأت الدولة توكلها للجمعيات1: في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و الميثاق الجماعي الجديد،و ميثاق التربية والتكوين...الخ..
لكن بالمقابل يلاحظ بأن الواقعة الجمعوية ، ما تزال تفتقر للمواكبة العلمية ، إذ هناك نقص على مستوى فهم طبيعة التنظيمات الجمعوية ، والتحولات التي تشهدها، والأدوار الجديدة التي بدأت تضطلع بها ، خاصة خلال العقود الأخيرة.
والواقع أن هذا الخصاص المسجل على مستوى دراسة الظاهرة الجمعوية لا يرتبط فقط بهواجس أمنية وبسيادة التمركز الشديد والاحتكار الرسمي للإعلام والمعلومات المرتبطة بهذه الظاهرة، وإنما يتعلق كذلك بنقص في الوسائل والأطر المفاهيمية والمعطيات الإحصائية اللازمة لدراسة الجمعيات والتنظيمات التي لا تستهدف الربح عموما.فهذا النقص يميز واقعنا العربي مثلما يميز الواقع الدولي.
من هنا أهمية فهم هذه الظاهرة الاجتماعية فهما سوسيولوجيا ، و المساهمة بالتالي، في سد جزء من الفراغ النظري المسجل حولها.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن فهم طبيعة التنظيمات الجمعوية ، بدون استحضار سياق الاهتمام التاريخي لعلم الاجتماع بالواقعة الجمعوية ، أي دون البحث في ضوء الإطار النظري المحدد أساسا بما يصطلح عليه اليوم ب»سوسيولوجيا الجمعيات»، وفي ارتباط طبعا بالتحولات الابستمية التي شهدها حقل السوسيولوجيا بفعل تأثير تطور سوسيولوجيا التنظيمات و الشغل، والمقاولة.
ولا بد من التأكيد كذلك على أن الدراسة السوسيولوجية للجمعيات ليست مجرد ترف فكري، أملته اهتمامات خاصة صرفة، بل هناك ضرورة اقتصادية واجتماعية وسياسية لمثل هذه الدراسة ، بالنظر إلى أن أي تطوير للفعل الجمعوي أو دعم أو تثمين له، في اتجاه الاضطلاع الأمثل بمهامه وأدواره داخل المجتمع، رهين بالمعرفة النظرية والمنهجية للتنظيم الجمعوي.
أولا في الحاجة إلى سوسيولوجيا الجمعيات
إن اهتمام علماء الاجتماع بالجمعيات بدأ ، من الناحية النظرية، مع سوسيولوجيا التنظيمات خلال الستينيات من القرن الماضي. ذلك أنه رغم تركيز هذه السوسيولوجيا، بشكل أساسي، على دراسة المقاولة، فقد اعتبرت أن تحليلاتها تنسحب كذلك على باقي التنظيمات الاجتماعية الأخرى، بما فيها الجمعيات.وإن كان اهتمام السوسيولوجيا بشكل عام بموضوع الجمعيات ، يعود في الواقع إلى بدايات ظهور هذا العلم ذاته.فقد اهتمت السوسيولوجيا منذ نشأتها مع علماء الاجتماع الرواد بموضوع الجمعيات، سواء اهتماما بالفعل كما هو الشأن مثلا مع اليكس دو طوكفيل، أو اهتماما بالقوة كما هو الحال مثلا مع إميل دوركايم ومع ماكس فيبر وغيرهما.
لكن على الرغم من أهمية إسهامات كل من طوكفيل، طونيز ، دوركايم وفيبر في تأسيس الإرهاصات الأولى لما يمكن أن نصطلح عليه ب»سوسيولوجيا الجمعيات» ، إلا أن الملاحظ على هؤلاء السوسيولوجيين الرواد، هو أنهم تناولوا موضوع الجمعية، ولم يحللونها باعتبارها كذلك.فالجمعية بدت لهم كإجابة ، من بين إجابات أخرى ممكنة، على أسئلة شغلتهم.وفيما بعد فقط ، من خلال دراسة مشاركة الأفراد في هذه البنيات الخاصة التي هي الجمعيات، سيصير العالم الجمعوي لأول مرة ، موضوع تحليل سوسيولوجي.
وإننا نذهب أبعد من الإقرار بحقيقة وجود سوسيولوجيا للجمعيات، إلى الحديث عن تاريخ لهذا الفرع من السوسيولوجيا، نميز فيه أساسا بين ثلاث مراحل أساسية، مرحلة الارهاصات الأولى، التي ترتبط بإسهامات كل من طوكفيل، دوركايم، فيبر وطوني، ثم مرحلة الوعي الضمني وركزت على الخصوص على التنظيم الجمعوي في جانبه القيمي، الثقافي والنضالي، و أخيرا مرحلة الوعي بالذات، وهي التي ارتبطت على الخصوص بمحاولات فهم أشكال سير التنظيم الجمعوي، وما يطرحه من إشكالات، من بينها البعد الاقتصادي للعمل الجمعوي.وهكذا، فبعد أن كان موضوع المشاركة السياسية والمدنية، هو ما يثير انتباه علماء الاجتماع في تناولهم للتنظيمات الجمعوية، خلال العشرين سنة الأخيرة، تحول الاهتمام إلى البعد الاقتصادي للجمعيات . ولو أن سيرورة دخول الجمعيات إلى الاقتصاد ليست جديدة في ذاتها.فما هو جديد حقا، هو المدى الذي اتخذته وعدد الجمعيات المعنية.
وعلى كل حال، تشترك المقاربات السوسيولوجية الجديدة للعالم الجمعوي في كونها تسائل الثنائيات التي تهيكل تقليديا التمثلات الاجتماعية ، لكن أيضا السوسيولوجية لهذا الحقل: المقاولة والجمعية، المهني الأجير والمناضل التطوعي، العمل وخارج-العمل...الخ.
ويمكن القول في الأخير بأن المقاربة الأمثل في مجال سوسيولوجيا الجمعيات، هي المتمثلة في تعبئة العدة النظرية المتبلورة في سياق دراسة التنظيمات الأخرى، وتحويلها إلى العالم الجمعوي، تحويلا إبداعيا يراعي خصوصية الأنشطة الاقتصادية الجمعوية، ويستند إلى رؤية متعددة التخصصات، بحكم أن ما يميز حقل «سوسيولوجيا الجمعيات» ، هو تموضعه في ملتقى تقاطع عدة مباحث سوسيولوجية أهمها : سوسيولوجيا العمل»، «سوسيولوجيا التنظيمات» ، «سوسيولوجيا المقاولة» سوسيولوجيا المهن، و سوسيولوجيا الوقت الحر...
ثانيا العمل الجمعوي بالمغرب و سؤال الاستمرارية والقطيعة
يعتبر الباحث محمد جسوس أن ظاهرة العمل الجمعوي بالمغرب ظاهرة حديثة.ارتبطت من جهة بسيرورة التمدين التي شهدها المجتمع المغربي منذ الفترة الاستعمارية، وبشكل خاص في العقود التي أعقبت استقلال البلاد. فالعمل الجمعوي ظاهرة مدينية وخاصة في المدن الكبرى والمتوسطة، وان كانت هذه الظاهرة قد بدأت تخترق ، منذ التسعينيات من القرن الماضي، باقي المجالات الأخرى، بالمدن الصغرى والبوادي.كما ارتبطت الظاهرة من جهة أخرى ببروز الطبقة المتوسطة، بحكم أن التنظيمات الجمعوية تعتمد، على مستوى القيادات والفعاليات، على مكونات الطبقة الوسطى وتتأسس على قيم الاختيار والتطوع، والمواطنة والمشاركة ،التي تتنافى وتتعارض إلى حد كبير مع الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة داخل المجتمع المغربي . وفي هذا الصدد يعتبر الباحث ريمي لوفو، في بحثه في موضوع النخب المحلية بالمغرب، الجمعية شكلا من أشكال المشاركة الجماعية في الحياة الاجتماعية، وثمرة لتحديث البنيات الاجتماعية.
وتؤكد الباحثة فاطمة المرنيسي بدورها على أن الظاهرة الجمعوية ببلادنا ظاهرة حديثة، فهي ليست امتدادا مباشرا لأشكال التضامن والتعاون التي ميزت مجتمعنا المغربي القبلي لقرون طويلة، لكن بالمقابل الحداثة الذي يحيل إليها العمل الجمعوي هي حداثة مغايرة .وإذا كانت الحداثة الغربية، كما هو معلوم، تتأسس من الناحية الفلسفية والسياسية على «الفردانية» ، التي هي نتاج لاستكشاف مجال «الذاتية» ، إضافة طبعا إلى استنادها إلى العقلانية، الدولة المركزية والبيروقراطية، فالحداثة التي تقصدها الباحثة المغربية، هي حداثة تضامنية وتشاركية، خصوصا في المناطق القروية الأكثر حرمانا، حيث أن القرويين الذين ينخرطون في العمل الجمعوي « يقدمون مثالا لحداثة تضامنية وتشاركية .» لا نجد لها مثيلا في الحواضر الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط...
والواقع أن توجه الدولة، في المغرب كما في العديد من البلدان السائرة في طريق النمو ، خلال عقود ما بعد الاستقلال، والقائم على محاربة كل مبادرة لتحرر السكان ولتحمل مسؤوليتهم، باسم الاعتبارات الأمنية، حال دون تنمية الفعل الجمعوي.وبالتالي، فبروز الحركة الجمعوية كظاهرة حديثة، غير مفصولة عن تجاوز المركزية الأمنية للسلطة السياسية والاجتماعية وقبول الدولة لتفويض جزء من السلطة التي تمسك بها، لفائدة المجتمع المدني.يتعلق الأمر إذن بالانتقال من مجتمع خاضع لوصاية سلطة الدولة إلى مجتمع قائم على اقتسام السلطة ومشاركة السكان في الحياة الاجتماعية والسياسية للبلد، عبر تنظيماتهم المدنية.
1- الارهاصات الأولى للعمل الجمعوي بالمغرب
إن القدرة التي لجماعة ما على التعاون والتضامن من أجل إنجاح عمل أو مشروع ما، هي تقليد مترسخ في المجتمع المغربي، خاصة في المناطق أو القبائل الفقيرة وفي لحظات الأزمات، سواء في المدن (الحنطة hanta ، هيئة الحرف في كل من فاس ومراكش) أو في القرى ، وإن بدرجات متفاوتة. فقد عرف المجتمع المغربي عبر تاريخه، ممارسات اجتماعية تضامنية شبيهة بما نصطلح عليه اليوم بالعمل الجمعوي. فالمجتمع المغربي كان مجتمع تآزر وتضامن لأسباب مختلفة قرابية، تكافلية، اقتصادية، دينية أو حتى مورفولوجية..
ويقدم الباحث عبد الله حرزني، جردا لأشكال التضامن والتعاون العفوية التي ميزت المجتمع المغربي في الماضي، والتي همت مختلف مجالات الحياة اليومية: الفلاحة، تربية الماشية، السقي، تخزين المواد الغذائية، والمنتجات الأخرى، التعليم الديني..الخ.وتشمل هذه الأشكال من التعاون، علاوة على «تويزي» أو التعاون حول أشغال الحقول (الحرث، الحصاد، إصلاح القنوات السقي، البناء...)، «المشارطة» أو التعاقد المنظم للعلاقات مع «الفقيه» والعناية الجماعية بالمسجد، «تاضا» أو التحالف الأخوي والتعاون بين الجماعات حتى الأكثر بعدا،و المنظمين للعلاقات و المصالح الاقتصادية (استقرار الماشية، في إطار الانتجاع أو الترحال مثلا)، العلاقات الزواجية، تنظيم «اغرم» أو «أكادير» (المخزن الجماعي لتخزين المواد الغذائية وباقي المنتجات الأخرى)..الخ
وتكشف الذاكرة التاريخية على اختلاف رواياتها، عن أهمية الدور الوسائطي التي كانت تقوم به هذه التنظيمات التقليدية (الحنطة، الزاوية والجماعة ونقابات الشرفاء،والعلماء..الخ) في تقوية الروابط و التضامن الاجتماعيين، وفي تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
كما تؤكد أمثلة تاريخية أخرى، بأن المجتمع المغربي ، لا سيما في المناطق والقبائل التي كانت تتميز بنقص وخصاص كبير في الموارد، كان يتمتع بنوع من الاستقلالية النسبية عن الحكم المركزي، تجعله قادرا على تدبير شؤونه عبر تنظيماته الاجتماعية الخاصة في نوع من التعاون والتضامن.
وفي هذا الصدد نجد مثلا أن الباحث الاقتصادي محمد صلاح الدين، يحلل طبيعة التعاون وأنماطه ومؤسساته، في المجتمع المغربي قبل كولونيالي، حيث يبين بأن التعاون لم يكن له من حيث المبدأ طابع إلزامي صريح ، لكن كل من تخلف عن تقديم يد المساعدة للآخرين، عليه أن يبرر ذلك أمام الجماعة. و ممارسات التضامن الجماعي هذه ليست خاصة بالمناطق الفقيرة حيث تكون الشروط الطبيعية قاسية، فهي تتمظهر في مجموع مناطق وقبائل المغرب.ففي الجماعات القبلية- القروية، يتم اللجوء كثيرا إلى العمل الجماعي، خاصة بالنسبة للأعمال التي تتجاوز قوى الفلاح، العضو في القرية أو في القبيلة، مثل الحرث، الحصاد، الدرس، عصر الزيتون الخ.وفي مناطق الجنوب، التي تتميز بخصاص كبير في الماء ، مثل إقليم الرشيدية، تنجز كل أعمال جر المياه، حفر قنوات المياه، توزيع المياه ..الخ، بشكل جماعي وتعاوني.ويشير الباحث إلى أن هناك عدة شهادات لشخصيات عاشت في هذه الحقبة تورد أمثلة لهذه الممارسات التي يتجسد فيها التعاون والتضامن بين المغاربة، كما تكشف بأن المخزن لم يكن يفضل دائما الحكم المركزي المباشر، بل كان يعمد أحيانا إلى نوع من اللامركزية والتفويض الموسع ، خاصة في المناطق والقبائل التي تعاني من فقر أو خصاص كبير في الموارد. والنتيجة هي أن هذه المناطق أو القبائل تعرف وضعية إدارية وسياسية خاصة ، تجعلها بلغة الباحث عبد الله العروي، «لا ضمن المخزن ولا خارجه تماما « . وكما يوضح صاحب «الاديولوجية العربية المعاصرة»، فبعيدا عن منطق بلاد السيبا وبلاد المخزن، التي انبت عليه الكثير من أطروحات المؤرخين والسوسيولوجيين الاستعماريين ، لم يكن السلطان أو المخزن يسعى إلى حكم القبائل والمناطق الفقيرة حكما مباشرا، يثقل كاهلها بأعباء مالية والتزامات معنوية ، تفوق طاقتها على التحمل، بل كان يريد منها أن تحافظ وحدها على نوع من النظام في المنطقة أو القبيلة، بشرط أن لا تصبح جد مستقلة.ومن مظاهر الاستقلالية النسبية التي تميز هذه القبائل مشاركة أفرادها في اختيار القائد والتوافق حوله مع المخزن، والاتفاق بين أعضاء الجماعة والقائد حول الواجبات المشتركة المفروضة تجاه السلطان ، وفي تطبيق العرف ، وأساسا في التنظيم الذاتي للعمل المشترك والتعاون وفقا لخصوصيات البيئة المحلية.ولهذا يعتبر المفكر عبد الله العروي أن السبب العام «للسيبا» هو ذاته، تقلص قدرة المخزن على الإدماج.فبقدر ما يبعد المخزن جماعات تتزايد مناطق «السيبا»، ويتعمق الخط الفاصل بين المشاركين وغير المشاركين في السلطة المركزية.ومثلما كانت اللا-مشاركة تعبر عن ذاتها في «السيبا» ، فهي تتجلى اليوم في التصويت السلبي، الحرب، أو النزعة الانفصالية السلبية.
والواقع أن هذا التقليد الاجتماعي العريق في التعاون والتضامن ، ميز العديد من بلاد الإسلام .فالعمل التعاوني والخيري الذي يضطلع به عدد من الأشخاص والتنظيمات، يستفيد من المساهمات التطوعية للأشخاص الميسورين ، في إطار ما يعرف بالوقف، وكذا من مساهمات المؤسسات الدينية.
ولعل هذا ما دفع الباحث فريد بريطل ، إلى المماثلة بين نظام Mécénat» الذي شهدته المجتمعات الغربية، وبين الوقف أو مؤسسة الأحباس التي ميزت مجتمعاتنا الإسلامية، حيث يقول الباحث :»لا يوجد أي أثر لكلمة «» في النصوص القانونية المغربية.إلا أن المجتمع عرف تاريخيا حضورا لهذه الثقافة وهذه الممارسة عبر مؤسسة «الأحباس»، التي رغم طبيعتها الدينية، كانت منفتحة على الشؤون الثقافية والاجتماعية (التعليم، الخزانات، تدبير الماء وقنوات الصرف في المدن، الكفالة الاجتماعية..الخ)».
لكن هل يمكن اعتبار الفعل الجمعوي استمرارا لأنظمة التضامن والتعاون العفوية التي ميزت المغاربة لزمن طويل ؟
لا شك أن أنظمة التضامن والتعاون العفوية الموروثة عن الماضي، ما تزال مستمرة مع تفاوت في قوة حضورها حسب الشروط التاريخية المحلية.فمؤسسة «الجماعة»، كما يوضح الباحث عبد الرحمن المالكي ، ما تزال إلى يومنا هذا تنظيما اجتماعيا قائم الذات، وذلك بالرغم من تجريد الجماعات من العديد من وظائفها واختصاصاتها وحريتها في الفعل والحركة. ورغم سعي الدولة الحثيث إلى «مخزنتها» أو تعويضها بالجماعة القروية الرسمية.ومن المؤشرات الدالة على استمرارية حضور «الجماعة « بإقليم الرشيدية، يورد الباحث ما يلي : استمرارية «انتخاب» أعضائها، واستمرارية اضطلاعها بأدوارها التقليدية مثل التحكيم في الخلافات والنزاعات التي تنشأ بين الأفراد والجماعات، ورعايتها وحمايتها للمرافق العمومية للقصر أو الدوار، وتنظيم وتحديد أوقات بدء مواسم الجني(خاصة التمور، الزيتون)أو الحصاد، وتنظيم المواسم الجماعية...الخ ، بل وقيامها بأدوار جديدة أملتها عليها التحولات المجتمعية، مثل اختيارها لمرشح واحد لتمثيلها في المجلس الجماعي المنتخب، الإشراف على بيع أراضي الجموع أو توزيعها، وأحيانا الترافع أمام القضاء أو الاحتجاج لدى السلطة دفاعا عن مصالح أفرادها. حتى أن الدولة نفسها تشجع استمرارية «الجماعة» وترتاح لبعض الأدوار التي تقوم بها، بل وتستعين بها في بعض اللحظات الخاصة، كما هو الحال مثلا أثناء مواجهة بعض الكوارث الطبيعية...
وحتى لو لم تكن الجمعية تمثل استمرارا فعليا لمؤسسة الجماعة التقليدية، وأن الاختلاف بين التنظيمين، هو اختلاف بين نسقين اجتماعيين متمايزين جوهريا، نسق تقليدي تقوم فيه العلاقات على رابطة الدم والقرابة ووحدة الانتماء للمجال ، وتتوارى فيه ذاتية الفرد وراء سلطة «النحن « ، ونسق حديث تقوم فيه العلاقات على التعاقد بين ذوات مستقلة وتتمتع بحرية الإرادة.فيمكن القول مع ذلك، بأن تقليد «الجماعة» أتاح تعبئة الساكنة في الأشكال الجديدة للجمعيات الحديثة.ويبدو أن تقليد الجماعة أتاح للساكنة ضمان استمراريتها في بيئة قاسية وصعبة ، كما هو الحال في مناطق المغرب العميق.
ورغم ما يمكن أن يقال حول «ديمقراطية « التنظيمات الاجتماعية التقليدية، من قبيل مؤسسة «الجماعة» ،فالمؤكد أن هناك فرق كبير « بين التنظيمات المجتمعية المؤلفة نظريا على الأقل، من مواطنين أحرار تآلفوا بشكل طوعي وبين البنى الجماعية العضوية التي يولد الإنسان فيها وإليها.» هذا الفرق جعل الباحثة فاطمة المرنيسي ترفض الحديث عن «ديمقراطية» الجماعة في المجتمع المغربي قبل كولونيالي، حيث « لم يكن لكل الأفراد حق المشاركة، فاليهود والأجانب والنساء كانوا مقصيين من الجماعة ، لان المشاركة ليست حقا مرتبطا بالفرد، وإنما حقا مرهونا بالانتماء للقبيلة، فالنساء والغرباء يتم تمثيلهم من طرف الآخرين.»
ومن جانبه يعتبر الباحث عبد الله العروي أننا لا نكاد نعثر على «الحرية» الأمازيغية المشهورة، إلا نادرا خارج إطار الكتب.ففي كل مكان هناك قياد و أمغار و شيوخ وزوايا ، وأكرامن ومقدمين، لهم سلطة على العباد، هذه السلطة ليست أقل خنقا من سلطة السلطان.فكما يؤكد المؤرخون كل شيء ينتمي للقياد، الأشخاص كما الأشياء. والجمهورية الأمازيغية ، لا تعني لا حرية فردية ولا مساواة، فمظهرها الحديث الوحيد عند روبير مونتان نفسه، هو «علمانيتها» الظاهرة.
وما يقوله العروي هنا يؤكد حقيقة أننا لا يمكن أن نتحدث عن عمل جمعوي بالمعنى الدقيق للكلمة، فالجماعة الأمازيغية، كتنظيم اجتماعي قائم على بعض قيم التضامن والمشاركة و العمل الجماعي ...الخ، تندرج ضمن ما يسميه فردناند طوني ب «الجماعة»  أكثر منه ضمن المجتمع  الذي يفترض إرادات حرة.
يؤكد ريمي لوفو هذه الحقيقة، عندما أعتبر أن الإطار القبلي شكل مجالا لروابط تضامن وإلزامات مترتبة عن علاقات القرابة الفعلية أو المتخيلة التي تحافظ على تماسك الشرائح الاجتماعية في الوسط القروي التقليدي.فمثل هذه الروابط التقليدية تلعب دورا مهما، خصوصا في فترة التعبئة الاجتماعية أو السياسية للمجموعة. وكان من المفروض أن تقدم الجماعات المحلية في المغرب الحديث حلا بديلا، لو تم فعلا تأسيس التماسك المستقبلي للشرائح الاجتماعية على علاقات الإنتاج التي تضمن مضمونا اقتصاديا واجتماعيا لعلاقات التضامن الجديدة.لكن بسبب غياب تحولات فعلية للبنيات الاقتصادية في العالم القروي، ظل النظام القبلي يؤطر مجموع أشكال التضامن التي تربط أعضاء تجمع معين من أجل استغلال مجال ما...
وبدورها تعتبر الباحثة ميشيل كاسريل أنه لا يمكن مقارنة الفعل الجمعوي كما يمارس اليوم، بالممارسات الجماعية التقليدية التي عرفها المغاربة طوال قرون. فإذا كانت الممارسات الجماعية تتأسس على واجب أو إلزام التعاون بين أعضاء نفس الجماعة أو القبيلة، الهادف إلى الحفاظ على بقاء الجماعة أو القبيلة، فعلى العكس ، الفعل الجمعوي التزام شخصي، تطوعي وحر.
و مع ذلك يرى الباحث عبد الله حمودي أن إغفال مثل هذه التجارب «المدنية» التاريخية، التي كانت قائمة وموجودة داخل المجتمع المغربي، من طرف دعاة الحداثة ، بمن فيهم الكثيرين من الذين يناضلون اليوم من أجل بناء صرح المجتمع المدني وإقرار دولة الحق والقانون وإرساء دعائم الديمقراطية الخ، هو بمثابة تشجيع لأنماط التشخيص المبتور لمجتمعنا، والذي تقترفه كتابات الكثير من الباحثين الاجتماعيين والمستشرقين، والتي تصل حد التسليم بانعدام الأسس الثقافية للديمقراطية تماما في تركيبة مجتمعنا، وباقي المجتمعات المغاربية والعربية .وفي سياق تثمين تجربة مؤسسة»الجماعة» التقليدية، ترى الباحثة فاطمة المرنيسي أنه ينبغي على الجمعيات اليوم «احتواء» هذا النوع من التنظيم، خصوصا في المناطق التي ما تزال تشهد حضورا قويا لهذا الفاعل التاريخي، وتجنب الدخول في منافسة معه، «فعندما تدخل الجمعية في صراع مع الجماعة، فسيكون مآلها هو الفشل.»
يتبع
فوزي بوخريص / الاتحاد الاشتراكي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
فوزي بوخريص / الاتحاد الاشتراكي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل