سلام لكم يا رجال مراكش

الخميس 17 أبريل 2014

 
 
 سلام إلى كل من عايشوا طفولتي وشبابي .لازالت حافظة ذاكرتي تزخر بتلك الأيام الجميلة التي قضيناها جنبا إلى جنب بحارات ودروب مراكش زمان ..بعرصة الحوتة  وعرصة الغزايل ودوار كراوة  وتوارك بريمة والملاح و ...  مراكش البكر قبل أن تفتض بكارة جناناتها وعرصاتها التي ظلت تتسم برحابتها وخلوها من كل زحمة أو اكتظاظ   شرايين طرقات وقبل أن تنبت على جذور أغراس تلك العرصات  عمارات  وعمارات .
مراكش التي كانت اجواؤها شفاء لكل مصدور أو مكروب أو مهموم  ، بساطة العيش بها كانت  تبهج المقتر قبل ذي الميسرة ، حيث لم تكن شساعة الفوارق بهذا الشكل الصارخ الذي تعرفه مراكش اليوم  بإقامات فاخرة قامت معظمها  مقام  نخل  المرابطين مقابل أكواخ لا تزال  تغالب صروف الدهور بأمصفح وقاعة بناهيض وب"دويريات " سويقة الشعر وتابحيرت وسيدي سوسان وسيدي أيوب وعرصة بوعزة وبوسكري... . مراكش التي لم تكن بها ضوضاء ولا فوضى لا بسويقاتها و لا بأسواقها التي كانت تنضح بخفة روح تجار تشبعوا  باللباقة من اثداء امهاتهم.. معسولهم ذو اللكنة التاشفينية  يشدك إليه شدا ، لا يأسره تكلف، صاف كالثلج ، رقيق كالنسمة ،نافذ كهواء متضوع بعطر أعشاب يتنفسه الأطلس الشامخ .
 جنبا إلى جنب بملاعب باب الجديد وباب دكالة وقشيش  وباب اغمات وباب احمر والمشور  وملعب مصران والريكبي قبل أن يصير مركبا تجاريا يضخ الملايين في الوقت الذي يشكو فيه كوكبه  الذي يعتبر من الفرق السباقة إلى إنشاء مشاريع لم تقيه من لهيب الضائقات المالية . والبودروم ، يا لأيام البودروم !! قبل أن يتحول إلى فنادق سياحية فوتت بقع بعضها بدراهم رمزية وتجلب حاليا الملايير التي لا ترى منها المكوس المقتطعة  لمراكش المستغل اسمها  ومعالمها وهواؤها وماؤها  ونكنة أناسها وبساطتهم  وانفتاحهم الطوعي والقسري لجلب تلك الملايير  سوى المئات من السنتيمات.
وجنبا إلى جنب بقاعات السينما بموريطانيا والفتح والأطلس ومبروكة وإدن وغزالة – بعد أن سدت في وجه الشاميات-  والهلال والزهرة ومرحبا وبعدها الريف والسعادة  .. و بالمخيمات الشتوية والربيعية والصيفية بتوفليحت وسيدي فارس دون نسيان تخييمنا معا بعيدا عن مراكش  بالصويرية وتاغزوت و الحوزية والجديدة والهرهورة والمعمورة والمهدية  وراس الماء وبن صميم ...وبالمهرجانات والتداريب التكوينية وباللقاءات  والمنتديات الثقافية والتربوية .و بحقول النضالات الحزبية والنقابية والمدرسية والطلابية  أيام كان للنضال عزه بعيدا عن التردي والخطب الخشبية .. وبحضرة صاحبة الجلالة قبل أن تصير مطية لركاب "سالتين " تأسرهم الأهواء ولا يعييهم اللهث وراء ما ينال من أهدافها.
  جنبا إلى جنب بحلقات باقشيش والملك جالوق وطبيب الحشرات ومول الحمام  وحلقة الشرقاوي وصاحبه وميخي وفليفلة وحلقة بنحمامة ومول البسيكليت  والسحار  والصاروخ ، حين كان للساحة شأن ومقام في قلوب أهلها قبل أن يفطن لها أهل اليونسكو بإصرار من غويتصولو ويعتبرونها مجالا للتراث الشفهي وقبل أن يحتلها أناس بعرباتهم  لا يعيرون اهتماما لتراثها ولا لمكانتها العالمية ، أناس تنحصر علاقتهم بها في ما يتهاطل عليهم بها من وراء جلسات المرقة التي حلت بدل الحلقة - على حد تعبير حكيم حلقة - ومن وراء العربات التي أحكمت الطوق على الساحة ،  من اموال جعلت منهم أعيانا جددا لمراكش التي  لم ينشأوا في كنفها. ولا هم  شربوا من مياه عباسيتها "فندواتها" (مصاريف مياه عذبة) بباب الجديد
جنبا إلى جنب  ب"حضارات"(المسيد) عرصة الحوتة وعرصة الغزايل ودرب الجامع برياض  الزيتون الجديد وقاع الحومة وبكتاب بنت "مول الغاز" حين لم يكن آنذاك ذكر لرياض تعتبر المتعلم زبونا  وبفصول عرصة باني وابن البناء ومحمد الخامس (باب اغمات)أيام زمان( الناجحون "لا أحد")  وبقاعة الزجاج ودار الشباب عرصة الحامض قبل بناء كلية الآداب
جنبا إلى جنب على كراسي جلسة لالة جميعة - الله يرحمها - حين أصيل كل يوم لاحتساء الحريرة ( البيضة منسمة بالزعتر ومسقية "بزيت العود" والحمرا المحمضة ب"الماطيشا" البلدية وقطرات الخل) أو بجلسة لالتهام ربع خبزة به نقينقتان مسقيتان بعصير طماطم منسم بفلفل حار يلهيك عن معرفة مكونات حشوة "الصوصيطات"
بذكريات  ذاك الزمان الباهر وتلك الأيام الجميلة، نغالب  اليوم ما يحبل به زماننا الردئ / زمن التنكر والوصولية في أبشع مظاهرها جعلت من "بات في الكلتة يصبح ابن عم الجران(الضفادع) " ...  زمن الشطحات  والرداءة السياسية .. زمن برزت فيه  مسامير المائدة .. زمن "احن ظهرك لأعتلي انا السور" .
سلام لكل أولئك  الصحاب الخلان  الذين منهم من كانوا بمثابة الإخوة ..  سلام إليهم في أي موقع هم فيه الان وفي أي مكان هم به الآن ، سلام. لمن تقاسمت معهم حلاوة الزفزوف وطيبة الكليمانتين بعرصة المعاش قبل أن تتسرب إلى تلك الزاوية جرذان "كزز " التي  تقتات بالكذب  وتؤجر عليه ، وتلتصق بالكراسي وتنتعش بنقث  سموم الفرقة والفتنة  وإذكاء الصراعات وافتعالها  وإقصاء الشرفاء وتمجيد الحثالات، سلام لمن شربوا معي كؤوس القهوة المبيضة بحليب البورسيما وموتشاتشو وتناولوا معي صحون اللوبيا والعدس بمخيمنا للعلا وغابة الشعيبية وأسكجور وتاركا
فلئن  فرض  علينا زماننا   نأي الأجساد،  فعقولنا لازالت على عهدها بالحنين  الذي يصد عنا صهد بركان التزلف والتملق  والمجاملة الماكرة  والضحكات الصفراء والتنكر، ويعترف لنا بالانتماء لتلك الحارات والدروب و"الحضارات" والمدارس  والملاعب والمخيمات  ودور السينما ودور الشباب وبمقاه كانت تشهد مخاضات ميلاد أعداد "معالم "وبجامع الفنا التي صرنا  نعير بها على ألسنة أشباه متفيقهين سياسويين  برزوا كالمسامير الصدئة .. جامع الفنا التي أصبحنا نحسبها  اليوم غرباء نازحين  و...دخلاء .
سلام ... وألف سلام لكم يا رجال مراكش
                                                       
ذ عبد الله أونين


معرض صور