المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

رهانات حماية المال العام بالمغرب ... بقلم يوسف البحيري

الخميس 27 سبتمبر 2012

رهانات حماية المال العام بالمغرب ... بقلم يوسف البحيري
                                          
                                             الدكتور يوسف البحيري
                                          أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض 
                               
مقدمة
إن إشكالية حماية المال العام في المغرب ترتبط بغياب الوعي الثقافي والسوسيولوجي بالمبادئ القانونية والقيم الأخلاقية لحماية وترشيد المال العام، هذا مع العلم أن التشريع المغربي يتوفر على مجموعة من القوانين لتكريس مبادئ المساءلة والشفافية في إطار حماية المال العام مثل القانون الإجباري للتصريح بالممتلكات ومدونة المحاكم المالية وقانون مناهضة جرائم غسل الأموال، كما أن  القانون الجنائي الحالي الذي يتضمن بابا مستقلا يهم زجر الجرائم المالية واستغلال النفوذ والرشوة. 
لقد أقدمت الدولة المغربية على إنشاء العديد من المؤسسات الوطنية لتخليق الحياة العامة، مثل الهيئة المركزية لمناهضة الرشوة ومجلس المنافسة، دون إغفال الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى للحسابات في الكشف عن الإختلالات في العديد من المؤسسات الوطنية المجالس الجماعية.
ولعل السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا السياق، ما هي قيمة هذه الترسانة التشريعية والمؤسسات الوطنية في ظل غياب  وجود ثقافة داخل الأوساط الحزبية والجمعوية  لإقرار السبل القويمة لسيادة القانون و مناهضة الإفلات من العقاب في مجال حماية المال العام.
 
-  الحراك الاجتماعي والمطالبة بالرقابة على حماية المال العام
إن ثورات الربيع العربي رفعت شعارات جديدة  أعادت الاعتبار للحراك الاجتماعي بإبتعادها عن خطابات العنف ، والمطالبة برحيل رموز الفساد  و مناهضة الافلات من العقاب لمرتكبي جرائم نهب المال العام والحق في الكرامة، والانتفاع من ثروات البلاد ومواردها الطبيعية، وهو ما أثر على الوعي الحقوقي بمسألة حماية المال العام لدى الشعب المغربي وتشبته بتخليق الحياة العامة وتفعيل اليات المحاسبة والمساءلة في تدبير الشأن العام واعمال مبادئ الشفافية والنزاهة في الانتخابات وتحريك المتابعة الجنائية في حق رموز الفساد الاقتصادي الذين يستفيدون من سياسة الريع، خصوصا وأن تظاهرات الشارع المغربي في بدايتها كانت شعبية و تلقائية وعفوية، ولم ترفع فيها إلا الأعلام الوطنية واللافتات المكتوبة باليد من طرف المواطنين، والتي كانت معبرة  وتحمل دلالات عميقة سواء باللغة العربية مثل إرحل أو باللغة الانجليزية مثل   go out  أو باللغة الفرنسية مثلDégage .
 
- التأصيل القانوني والاخلاقي للمساءلة في قضايا نهب واهدار المال العام
يعرف الفقه القانوني العقوبة بأنها الجزاء المترتب على مخالفة القانون, والتي تطبق بواسطة السلطة القضائية على من تثبت مسؤوليته في ارتكاب الفعل المجرم قانونيا.
إن مبدأ المساءلة في مجال المال العام يستمد تأصيله من الوازع الأخلاقي للعقوبة التي تقوم على العدالة الإجتماعية، فالهدف الذي يسعى القضاء إلى تحقيقه هو قيام التوازن بين الجزاء وقواعد الأخلاق العامة، فكل شخص إرتكب جريمة نهب أو إختلاس أو إهدارالمال العام يجب أن ينال عقابه الذي يستأثر به القضاء عن طريق الردع والزجر من أجل حماية المصلحة العامة للمجتمع.
فعرض قضايا نهب وإختلاس المال العام أمام القضاء وتحريك آليات المتابعة الجنائية في حق المفسدين، هي وحدها الكفيلة برد الإعتبار أولا لجميع آليات المراقبة المالية والإدارية، وثانيا ملامسة الجدوى من إصدار المشرع لقوانين مكافحة الفساد و الجرائم المالية ووضع الدولة لبرامج الإصلاحات الإدارية و الجبائية والإقتصادية لمناهضة الإفلات من العقاب في حالة التملص الضريبي و إستغلال النفوذ و الثراء غير المشروع وتفويت الصفقات العمومية، وذلك بإعمال المراجعة القبلية والبعدية لمالية المسؤولين الممارسين لمختلف المهام الوزارية والإدارية ومجالس الوصاية والمنتخبين في المجالس الجماعية والبلدية و البرلمانيين.
 


ومن هذا المنطلق، فظاهرة جريمة المال العام في إطار الجريمة المنظمة ، أضحت أمرا مستفحلا وشائعا، حيث يبدو من خلال الملفات المعروضة على القضاء، أن الأشخاص المتابعين يلجئون إلى طرق ومناهج مدروسة بعناية للتحايل أو خرق القانون لاختلاس المال العام وإستغلال النفوذ والإستفادة من شروط إبرام صفقات الدولة أو القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها أو صياغة طرق محبوكة للحصول على الإمتيازات التي تمنحها الدولة بشكل غير مستحق.

- تفعيل شعار الفصل بين الثروة والسلطة : حلقة أساسية لحماية المال العام
يعرف المغرب نقاشا وطنيا حول حماية المال العام و قد ساهم الحراك الاجتماعي بشكل رئيسي في اطلاق دينامية التفكير في السبل والاليات لمعالجة إختلالات تخليق الحياة العامة.
فالفصل بين "السلطة والثروة" هو شعار حديث في المغرب، والحراك الاجتماعي هو الذي فتح النقاش بشأن هذا الموضوع الذي كان إلى وقت قريب من الطابوهات، بوضع الأصبع على مكامن الخلل ودق ناقوس الخطر حول إهدار المال العام والفساد السياسي والاداري والمالي.
وإشكالية حماية المال العام هي الان في قلب الحدث والتجاذب القانوني والسياسي بعد عرض الصحافة الوطنية للائحة المستفيدين من مأذونيات النقل عبر الحافلات وقيام القضاء بتحريك اليات التحقيق والمتابعة الجنائية في حق بعض المسؤولين المتهمين في قضايا الاختلاسات في المؤسسات العمومية.
فمناهضة الافلات من العقاب وتكريس المتابعة الجنائية في قضايا المال العام هي وحدها الكفيلة بالتحسيس بالقيم ونشر ثقافة حماية المال العام والتي قد تدفع إلى إعادة الثقة لدى المواطنين في الاليات المؤسساتية والقضائية لحماية المال العام، ولكن في ذات الوقت تطرح العديد من الاسئلة المتعلقة بمدى تفاعل الفاعل السياسي مع هذا الدور الرقابي الجديد على حماية المال العام وإعمال مبدأ سيادة القانون و المحاسبة في إطار مناهضة الفساد بجميع أشكاله.
فإذا كانت هذه المؤشرات قد تدفع إلى إعادة الثقة لدى المواطنين والرأي العام الوطني في دور القضاء لحماية المال العام، و يجسد إنخراط هذه السلطة في دينامية تنزيل الوثيقة الدستورية وتفعيل السياسة العمومية في مجال معالجة إختلالات تخليق الحياة العامة، فإنها بالمقابل تدق ناقوس الخطر لرواسب سياسة الريع التي تشكل تهديدا حقيقيا للإقتصاد الوطني.
إن سياسة الريع تؤدي إلى التوزيع السيء للثروات والتشجيع على الإتكالية وثقافة الكسل وتعطيل حركية التنمية الإقتصادية والإجتماعية في بلادنا مما يؤدي إلى فقدان الثقة في العلاقة التي تجمع الدولة بالمواطنين و إنتاج وتركيب النخب من خلال الإلتصاق بالمخزن ويساهم في إنتشار قاعدة الكيل بالمكيالين وتغييب الكفاءة وعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين لإعتبارات مرتبطة بالحزب السياسي والقرابة العائلية والقبيلة والعشيرة والانتماء النقابي والاجتماعي وغيرها. . .

لقد اجمعت العديد من التقارير الدولية على تصنيف المغرب في المراتب المتدنية في مؤشر التنمية بفعل ارتفاع جرائم الفساد المالي، حيث أضحت بعض المؤسسات والمجالس الجماعية المنتخبة وسلطات الوصاية مجالا لسوء التدبير والفساد المالي والتلاعب بالأموال العمومية واستنزاف الموارد وتهريب الصفقات والاستفادة من الإعفاءات الضريبية، مما أدى إلى تعطيل العديد من القطاعات الحيوية العمومية من خلال تعقيد المساطير الإدارية وفتح المجال لسلطة الرشوة والزبونية والمحسوبية واستغلال النفوذ.
إن تخليق الحياة العامة و مواجهة سياسة الريع يستدعي تفعيل آليات المراقبة المالية والإدارية ومناهضة الإفلات من العقاب في حالة استغلال النفوذ والثراء غير المشروع، بإعمال المراجعة القبلية والبعدية لمالية المسؤولين الممارسين لمختلف المهام الإدارية والمنتخبين في المجالس الجماعية والبلدية، وكذلك توظيف الضريبة على الثروة للنهوض بالطبقات الفقيرة والمعوزة وتضييق هوة الفوارق الاجتماعية بشكل يضمن تكافؤ الفرص لجميع مكونات المجتمع المغربي، وهذه التدابير وحدها هي المقومات الحقيقية لتفعيل مبدأ المساواة في الوثيقة الدستورية الجديدة والمنحى الصحيح لكسب رهان التنمية وبناء صرح دولة الحق و أسس المجتمع الحداثي.
المراكشية
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

المراكشية

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل