المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

رسالة مفتوحة حول مظاهر أزمة الجامعة المغربية

الاثنين 11 مارس 2013

     سوف ينعقد المؤتمر العاشر للنقابة الوطنية للتعليم العالي بعد أيام قليلة، ويأتي هذا المؤتمر النقابي في ظروف خاصة تشهدها  الجامعة المغربية وهي ظروف  يحاول البعض تجميلها  إلا أنها تنطوي على   اختلالات  تهدد بصورة جدية مستقبل  الجامعة ،وهذه الاختلالات لم يعد بوسعنا إخفاؤها أو تغطيتها بطبقات من الماكياج ليبدو وجه الجامعة معافى لا أثر فيه للعلل التي تنخره من الداخل وهي توشك أن تجعله مثل   منسأة   النبي سليمان عليه  السلام.                                                  
 
   وبمناسبة هذا المؤتمر الذي نعول عليه لتنهض النقابة بواجبها في إنقاذ  الجامعة  المغربية مما يحيط بها من مخاطر  لا بد أن نشيد بعمل  النقابة في السنوات  الماضية  فقد وقفت سدا منيعا للحفاظ على   المكتسبات ولحفظ هيبة الجامعة وكرامة  الأستاذ . ولا ننسي موقفها المشرف مما كان يسمي بهيكلة الجامعة وهو مشروع حاول بعض رؤساء الجامعات في ذلك الوقت تمريره وخداع مجالس الجامعات بعدم كشفهم عن طبيعته وحقيقته حتى كشفته النقابة ونشرته بين عموم الـأساتذة، فقامت مجالس  الجامعات بواجبها في رفضه وفي نقد الأسلوب الماكر في عرضه مما يبين عن فساد تدبيري  تخبطت فيه الجامعات  ولا تزال تتخبط  . 
 
     و أود بمناسبة ذكر هذا الأمر أن أشير إلى أن أهم مظاهر الأزمة في الجامعة  المغربية ترتبط أساسا بضعف تدبير الجامعات . وهو ضعف يتخذ صورا عديدة سوف نفصل فيها ونذكر جذورها وأسبابها وكيف انتشرت وتوسعت في مختلف الجامعات  في مقال آخر.
 
   ولقد تصدت مختلف  الهياكل النقابية سواء أكانت مكاتب محلية  أو جهوية   لبعض صور هذا الضعف و الفساد  من خلال بيانات عديدة تكشف اختلال التدبير في الكليات والجامعات .وأرجو من المكتب الوطني أن يعمل على تجميع هذه  البيانات المحلية والجهوية والوطنية وينشرها في كتاب سنوي مع تقديم تحليل للحصيلة النضالية لكل سنة .
 
    وللأسف نرى أنه رغم أن البيانات تعد بالعشرات  وهي  كلها ترصد اختلالات  حقيقية وخطيرة يقوم بها مسئولون جامعيون لا يمتلكون الكفاءة اللازمة، رغم كل هذا لا نرى أي أثر لهذه البيانات لدى الوزارة الوصية بل كثيرا ما يتم تقديم صورة غير صحيحة عن الموضوع وكأن  النقابة هي  المخطئة وكأن عليها أن ترى في هذه الاختلالات الخطيرة والمخالفات  الصريحة  انجازات عظيمة.
    وقد رأينا في جامعة القاضي عياض في الفترة الممتدة من سنة 2006إلى الآن،صدور بيانات قوية تنبه إلى خطورة ما يحدث في بعض المؤسسات وفي رئاسة الجامعة ،فلم يكن لكل ذلك أثر في الواقع بل استمر  المسئولون عن تردي الجامعة في أماكنهم إلى حين نهاية ولاياتهم ،وهذا أمر إن استمر فسوف يودي بالجامعة المغربية   .
 
  وللخروج من هذه الأزمة يجب التمسك بالخيار الديمقراطي في اختيار المسئولين الجامعيين وبتغيير القانون 01.00 ليجعل هؤلاء المسئولين  تحت رقابة صارمة من مجالس الجامعات والكليات مع إمكانية توصية هذه المجالس بإنهاء ولاية أي رئيس  أو عميد يشعر الأساتذة أنه يسير بالمؤسسة إلى الهاوية .
 
    لا تزال  الجامعات تعيش أزمة كبيرة في طبيعة الرؤية التدبيرية ،  فعلى الرغم من أن الرؤساء والعمداء يتم اختيارهم انطلاقا مما يسمي مشاريع التطوير إلا أنه في الواقع لا نرى أثرا لهذه المشاريع التي يكون أغلبها كلاما فضفاضا يتقممه أصحابه من الأنترنيت تقمما  .و من المسؤولين الجامعيين من لا يزال يتلهى أو يلهي الناس بتتبع موقع جامعته في مختلف التصنيفات الدولية للجامعات، فيجد بعضهم ضالته في أضعف هذه التصنيفات أي ويبومتريكس، ليبين للناس أن جامعته تحتل مكانة متميزة، ناسيا بأن خبراء هذا المجال و منهم الخبير المغربي الفذ جمال السالمي بين في كتابات عدة عدم فائدة هذا الأمر، بالإضافة إلى أن مواقع هذه الجامعات إنما يعتمد فيها على الأعمال العلمية لثلة من الأساتدة العلماء الذين يعملون غالبا في صمت ، و لا علاقة لهذا الترتيب بأي عمل تدبيري يقوم به المسؤولون الجامعيون، و لو أن أصحاب هذه التصنيفات زاروا هذه الجامعات و دخلوا مكاتب أساتذتها أو مكتباتها أو مراكزها لما شغلوا أنفسهم بترتيبها أصلا. هذه حقيقة مرة نقولها و قلوبنا تعتصر من الألم.
 
و لا تزال الجامعات تعيش أزمة ضبط  التكوينات وتخطيطها وتجويدها ،كما لا تزال تعيش أزمة  خانقة في كيفية التعامل مع الطلاب ،فعلى الرغم من الكلام الإنشائي الممل الذي نسمعه عن جعل الطالب في قلب العملية التعليمية و في لب الإصلاح ، فإن الواقع الذي تعيشه الجامعة يكشف عن تعامل مختلف عن هذا التصور النظري ،فقد أدت الأخطاء التدبيرية ، مثلا ،سنة 2008 إلي إحراق الحي الجامعي في مراكش و إلى اليوم لا تزال كلية الحقوق بمراكش تجري الامتحانات تحت الحراسة المكثفة للقوات العمومية بكل تشكيلاتها وأصنافها  بأعداد  مخيفة أحيانا فأي  جامعة هذه التي تجري فيها الامتحانات في أجواء الرعب والخوف؟ وأي تدبير هذا ؟ وأي مشروع للجامعة يسمح بهذا أو يقود إلى هذا؟                         
    كما أن جامعاتنا لا تزال تتخبط في مجال البحث العلمي ،فعلي الرغم من الجهود التي بذلتها الوزارة في السنوات الماضية لهيكلة البحث العلمي  بالجامعات إلا أن سوء تدبير بعض الرئاسات ، خذ جامعة القاضي عياض مثلا، أدى إلى إفراغ هذه الهيكلة من محتواها ،وإلى هلهلة واضحة في تدبير البحث في العلمي على مستوي الجامعة  ككل ، وكان البحث في العلوم الإنسانية و الاجتماعية أكبر متضرر من سوء التدبير و سوء التصور، و لك أن تعجب أننا إلى اليوم لا نملك تصورا لما يجب أن يكون عليه البحث العلمي في هذه المجالات ولا الأهداف التي نريدها منه و لا كيف ننظمه و نخططه ، أليس هذا عجيبا لمن أراد أن يتعجب. 
 
    هذه بعض أهم الإشكالات التي لا تزال عالقة، فمتي ننظر إلى هذه المشكلات بجدية أكبر و بروح ديمقراطية أكثر بالتشاور مع الجميع ؟ إننا نريد من النقابة الوطنية للتعليم العالي إلا تكون  مجرد مدافع عن ملفاتنا المطلبية  ،رغم أن هذا هو دورها الأصيل وهي تقوم به بكل جدية ومصداقية ، نريد منها أن تعمل على التفكير في وضع أرضية  للنقاش حول مستقبل الجامعة المغربية ،وأن تخضع هذه الأرضية للتداول الواسع وأن يشارك فيها الجميع وأن توضع في هذه الأرضية  القواعد  المشتركة والمتفق عليه والتي ينبغي للجامعات ألا تحيد عنها ،بعبارة أخرى نريد من النقابة أن تكون شريكا إيجابيا في بناء صورة جامعة  المستقبل التي نحلم بها ، جامعة تكون مكانا للتميز العلمي و الأكاديمي و أرضا خصبة للحوار و التفاهم و التعامل الديموقراطي الرفيع، و مثابة لأهل الخبرة و الفضل من العلماء و الخبراء.
 
 ونريد من بعض المسؤولين أن  يكفوا عن نظرتهم السلبية للنقابة ومضايقتهم لعملها وتدخلهم في شؤونها ،و عملهم على أن ينتخب فيها الموالون لهم ،وغير ذلك من الأوهام   التي لا تزال للأسف تعشش في أذهان بعض  المسؤولين الجامعيين . و أن يجعلوا تفكيرهم في تقدم الجامعة لا في  تقدم ذواتهم ،وأن يكون إشعاع الجامعة هو هدفهم وليس إشعاع صورهم على مواقع  الجامعات أو الجرائد . وما لم نجد مسؤولا جامعيا ينسى نفسه ويفكر في جامعته فلن نتقدم أبدا . فهل ستحضى جامعاتنا يوما بمسئول من هذا النوع؟ لعلنا نراه قريبا ،لأننا لم نره حتي الآن.
 
   في الأخير أتمنى للنقابة الوطنية للتعليم العالي المزيد من التقدم مع رص الصفوف والتعبئة  لمواجهة التحديات الجسام التي تتطلبها علمية إنقاد الجامعة  المغربية اليوم ،وفي هذا السياق أرجو من النقابة  أن تحرص حرصا كبيرا على تشبيب هياكلها  المحلية و الجهوية و الوطنية  بطاقات جديدة وخلاقة من شباب  الأساتذة الملتحقين حديثا بالجامعات ،فعلى أكتافهم سنرى  الجامعة التي نحلم بها اليوم .ولعلهم يحققون  ما كنا نحلم به قبل ربع قرن ولم نتمكن من تحقيقه ،ولعل هذا المؤتمر  العاشر يكون  انطلاقة جديدة للنقابة نحو هذا الحلم الكبير ، و مزيدا من النضال لترسيخ قيم الديموقراطية الحقة التي هي الطريق الوحيد للتقدم الفكري و المجتمعي.
د. ع الجليل هنوش / كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

د. ع الجليل هنوش / كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل